فَإِنْ قَالَ هَؤُلَاءِ الرَّافِضَةُ: إِيمَانُنَا بِهَذَا الْمُنْتَظَرِ الْمَعْصُومِ مِثْلُ إِيمَانِ كَثِيرٍ مِنْ شُيُوخِ الزُّهْدِ وَالدِّينِ بِإِلْيَاسَ، وَالْخَضِرِ، وَالْغَوْثِ، وَالْقُطْبِ (٣)، [وَرِجَالِ
_________________
(١) ن، م: عَقْلًا وَشَرْعًا.
(٢) ن، م: وَإِنْ.
(٣) فِي كِتَابِ " التَّعْرِيفَاتِ " لِلْجُرْجَانِيِّ: " الْغَوْثُ هُوَ الْقُطْبُ حِينَمَا يُلْتَجَأُ إِلَيْهِ وَلَا يُسَمَّى فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْوَقْتِ غَوْثًا ". وَفِي كِتَابِ " اصْطِلَاحَاتِ الصُّوفِيَّةِ " لِابْنِ عَرَبِيٍّ، ص [٠ - ٩] ٣٥ (طُبِعَ مَعَ التَّعْرِيفَاتِ لِلْجُرْجَانِيِّ الْقَاهِرَةَ، ١٩٣٨): " الْقُطْبُ وَهُوَ الْغَوْثُ عِبَارَةٌ عَنِ الْوَاحِدِ الَّذِي هُوَ مَوْضِعُ نَظَرِ اللَّهِ مِنَ الْعَالَمِ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ، وَهُوَ عَلَى قَلْبِ إِسْرَافِيلَ - ﵇ - ". وَالْمَقْصُودُ. بِالْغَوْثِ الَّذِي يَزْعُمُهُ الصُّوفِيَّةُ هُوَ - كَمَا يَقُولُ الْأُسْتَاذُ الدُّكْتُور مُحَمَّد مُصْطَفَى حِلْمِي - ﵀ - فِي تَعْلِيقِهِ عَلَى مَادَّةِ " بَدَلَ " فِي دَائِرَةِ الْمَعَارِفِ الْإِسْلَامِيَّةِ -: " إِنَّ الْقُطْبَ بِالْمَعْنَى الْخَاصِّ يَدُلُّ دَلَالَةً قَوِيَّةً عَلَى مَذْهَبٍ فَلْسَفِيٍّ فِي الْحَقِيقَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ الَّتِي هِيَ عِنْدَ مُتَفَلْسِفَةِ الصُّوفِيَّةِ، أَوْ صُوفِيَّةِ الْفَلَاسِفَةِ: الْمَخْلُوقُ الْأَوَّلُ الَّذِي خَلَقَهُ اللَّهُ وَكَانَ وَاسِطَةً فِي خَلْقِ كُلِّ مَا فِي الْعَالَمِ مِنَ الْكَائِنَاتِ الرُّوحِيَّةِ وَالْمَادِّيَّةِ ". وَانْظُرْ تَعْلِيقِي عَلَى " دَرْءِ تَعَارُضِ الْعَقْلِ وَالنَّقْلِ " ٥/٣١٥ - ٣١٦. وَانْظُرْ كِتَابَ " اصْطِلَاحَاتِ الصُّوفِيَّةِ " لِلْقَاشَانِيِّ.
[ ٩١ ]
الْغَيْبِ] (١)، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْأَشْخَاصِ الَّذِينَ لَا يُعْرَفُ (٢) وُجُودُهُمْ، وَلَا بِمَاذَا يَأْمُرُونَ، وَلَا عَمَّاذَا يَنْهَوْنَ (٣) فَكَيْفَ يُسَوَّغُ لِمَنْ يُوَافِقُ هَؤُلَاءِ أَنْ يُنْكِرَ عَلَيْنَا مَا نَدَّعِيهِ؟ .
قِيلَ: الْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ الْإِيمَانَ بِوُجُودِ هَؤُلَاءِ لَيْسَ وَاجِبًا عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ، وَطَوَائِفِهِمُ الْمَعْرُوفِينَ، وَإِذَا كَانَ بَعْضُ الْغُلَاةِ يُوجِبُ عَلَى أَصْحَابِهِ الْإِيمَانَ بِوُجُودِ هَؤُلَاءِ، وَيَقُولُ: إِنَّهُ لَا يَكُونُ مُؤْمِنًا وَلِيًّا لِلَّهِ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِوُجُودِ هَؤُلَاءِ فِي هَذِهِ الْأَزْمَانِ كَانَ قَوْلُهُ مَرْدُودًا كَقَوْلِ الرَّافِضَةِ (* فَإِنَّ مَنْ قَالَ مِنْ هَؤُلَاءِ الْغُلَاةِ: إِنَّهُ لَا يَكُونُ وَلِيًّا لِلَّهِ إِنْ لَمْ يَعْتَقِدِ (٤) الْخَضِرَ، وَنَحْوَ ذَلِكَ كَانَ قَوْلُهُ مَرْدُودًا كَقَوْلِ الرَّافِضَةِ *) (٥) .
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يُقَالَ: مِنَ النَّاسِ مَنْ يَظُنُّ أَنَّ التَّصْدِيقَ بِهَؤُلَاءِ يَزْدَادُ بِهِ
_________________
(١) وَرِجَالِ الْغَيْبِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن)، (م) .
(٢) أ، ب: يَعْرِفُونَ. ١
(٣) ن، م، أ: وَلَا بِمَاذَا يَأْمُرُونَ بِهِ، وَلَا بِمَاذَا يَنْهَوْنَ عَنْهُ.
(٤) ن: يَعْقِدْ لَهُ؛ م: يُقْعِدْهُ.
(٥) مَا بَيْنَ النَّجْمَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ب) فَقَطْ.
[ ٩٢ ]
الرَّجُلُ (١) إِيمَانًا وَخَيْرًا، وَمُوَالَاةً لِلَّهِ، وَأَنَّ الْمُصَدِّقَ بِوُجُودِ هَؤُلَاءِ أَكْمَلُ [وَأَشْرَفُ] (٢)، وَأَفْضَلُ عِنْدَ اللَّهِ مِمَّنْ لَمْ يُصَدِّقْ بِوُجُودِ هَؤُلَاءِ، وَهَذَا الْقَوْلُ لَيْسَ مِثْلَ قَوْلِ الرَّافِضَةِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، بَلْ هُوَ مُشَابِهٌ لَهُ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ لِكَوْنِهِمْ جَعَلُوا كَمَالَ الدَّيْنِ مَوْقُوفًا عَلَى ذَلِكَ.
وَحِينَئِذٍ فَيُقَالُ: هَذَا الْقَوْلُ أَيْضًا بَاطِلٌ بِاتِّفَاقِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَئِمَّتِهِمْ، فَإِنَّ الْعِلْمَ بِالْوَاجِبَاتِ، وَالْمُسْتَحَبَّاتِ، وَفِعْلَ الْوَاجِبَاتِ، وَالْمُسْتَحَبَّاتِ كُلِّهَا لَيْسَ مَوْقُوفًا عَلَى التَّصْدِيقِ بِوُجُودِ أَحَدٍ مِنْ (٣) هَؤُلَاءِ، وَمَنْ ظَنَّ مِنْ أَهْلِ النُّسُكِ، وَالزُّهْدِ، وَالْعَامَّةِ أَنَّ شَيْئًا مِنَ الدِّينِ - وَاجِبِهِ، أَوْ مُسْتَحَبِّهِ - مَوْقُوفًا (٤) عَلَى التَّصْدِيقِ بِوُجُودِ هَؤُلَاءِ، فَهُوَ (٥) جَاهِلٌ ضَالٌّ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَالْإِيمَانِ الْعَالِمِينَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، إِذْ قَدْ عُلِمَ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - لَمْ يُشَرِّعْ لِأُمَّتِهِ التَّصْدِيقَ بِوُجُودِ هَؤُلَاءِ، وَلَا أَصْحَابُهُ كَانُوا يَجْعَلُونَ ذَلِكَ مِنَ الدِّينِ، [وَلَا أَئِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ.
وَأَيْضًا، فَجَمِيعُ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ لَفْظُ الْغَوْثِ، وَالْقُطْبِ، وَالْأَوْتَادِ، وَالنُّجَبَاءِ (٦)، وَغَيْرِهَا لَمْ يَنْقُلْ أَحَدٌ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - بِإِسْنَادِ مَعْرُوفٍ أَنَّهُ
_________________
(١) أ، ب: يَزْدَادُ الرَّجُلُ بِهِ.
(٢) وَأَشْرَفُ: زِيَادَةٌ فِي (أ)، (ب) .
(٣) عِبَارَةُ " أَحَدٍ مِنْ ": سَاقِطَةٌ مِنْ (أ)، (ب) .
(٤) م: وَاجِبِهِ وَمُسْتَحَبِّهِ مَوْقُوفًا؛ ب: وَاجِبًا أَوْ مُسْتَحَبًّا مَوْقُوفٌ.
(٥) أ، ب: فَهَذَا.
(٦) يَقُولُ ابْنُ عَرَبِيٍّ (رِسَالَةً فِي اصْطِلَاحَاتِ الصُّوفِيَّةِ، ص [٠ - ٩] ٣٥): " الْأَوْتَادُ عِبَارَةٌ عَنْ أَرْبَعَةِ رِجَالٍ مَنَازِلُهُمْ عَلَى مَنَازِلِ أَرْبَعَةِ أَرْكَانٍ مِنَ الْعَالَمِ: شَرْقٌ وَغَرْبٌ وَشَمَالٌ وَجَنُوبٌ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَقَامُ تِلْكَ الْجِهَةِ. النُّجَبَاءُ: هُمْ أَرْبَعُونَ، وَهُمُ الْمَشْغُولُونَ بِحَمْلِ أَثْقَالِ الْخَلْقِ فَلَا يَتَصَرَّفُونَ إِلَّا فِي حَقِّ الْغَيْرِ " وَانْظُرِ التَّعْرِيفَاتِ ص [٠ - ٩] ٣، ٢١٤.
[ ٩٣ ]
تَكَلَّمَ بِشَيْءٍ مِنْهَا، وَلَا أَصْحَابُهُ، وَلَكِنَّ لَفْظَ الْأَبْدَالِ (١) تَكَلَّمَ بِهِ بَعْضُ السَّلَفِ، وَيُرْوَى فِيهِ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - حَدِيثٌ ضَعِيفٌ، وَقَدْ
_________________
(١) يَقُولُ ابْنُ عَرَبِيٍّ (نَفْسُ الْمَرْجِعِ وَنَفْسُ الصَّفْحَةِ): " الْبُدَلَاءُ هُمْ سَبْعَةٌ، وَمَنْ سَافَرَ مِنَ الْقَوْمِ عَنْ مَوْضِعِهِ وَتَرَكَ جَسَدًا عَلَى صُورَتِهِ حَتَّى لَا يَعْرِفَ أَحَدٌ أَنَّهُ فُقِدَ فَذَلِكَ هُوَ الْبَدَلُ لَا غَيْرَ، وَهُمْ عَلَى قَلْبِ إِبْرَاهِيمَ - ﵇ - ". وَيَخْتَلِفُ الصُّوفِيَّةُ فِي تَحْدِيدِ عَدَدِ الْأَبْدَالِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ رِجَالِ الْغَيْبِ (وَهُمْ عَلَى زَعْمِهِمُ الْأَوْلِيَاءُ الَّذِينَ لَا يَعْرِفُهُمُ النَّاسُ، وَالَّذِينَ يَشْتَرِكُونَ بِمَا لَهُمْ مِنْ قُوَّةٍ فِي حِفْظِ نِظَامِ الْكَوْنِ) . وَيَذْكُرُ جُولْدِتْسِيهَرْ (دَائِرَةَ الْمَعَارِفِ الْإِسْلَامِيَّةِ، مَادَّةَ: أَبْدَالٍ) أَنَّهُ وَفْقًا لِأَكْثَرِ الْآرَاءِ الصُّوفِيَّةِ شُيُوعًا يُؤَلِّفُ الْأَبْدَالُ، وَعَدَدُهُمْ أَرْبَعُونَ، الطَّبَقَةَ الْخَامِسَةَ مِنْ طَبَقَاتِ الْأَوْلِيَاءِ. أَمَّا الْأَوْتَادُ فَعَدَدُهُمْ خَمْسَةٌ وَهُمْ يُؤَلِّفُونَ الطَّبَقَةَ الثَّالِثَةَ، وَالنُّجَبَاءُ عَدَدُهُمْ سَبْعُونَ وَهُمْ يُمَثِّلُونَ الطَّبَقَةَ السَّادِسَةَ. وَيُعَرِّفُ نِيكِلْسُونْ فِي " دَائِرَةِ الْمَعَارِفِ الْإِسْلَامِيَّةِ " الْبَدَلَ بِقَوْلِهِ: " الْأَبْدَالُ جَمْعُ الْبَدَلِ، وَالْبُدَلَاءُ جَمْعُ الْبَدِيلِ يَتَّصِلَانِ بِطَرِيقِ الصُّوفِيَّةِ الَّذِي يَرْجِعُ تَارِيخُهُ إِلَى الْقَرْنِ الثَّالِثِ الْهِجْرِيِّ، وَهُوَ أَنَّ نِظَامَ الْعَالَمِ مُكَلَّفٌ بِحِفْظِهِ عَدَدٌ مُعَيَّنٌ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ، إِذَا مَاتَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ حَلَّ مَحَلَّهُ بَدَلٌ أَوْ بَدِيلٌ وَالْجَمْعُ أَبْدَالٌ، يُسْتَعْمَلُ عَادَةً فِي الْفَارِسِيَّةِ وَالتُّرْكِيَّةِ مُفْرَدًا. وَيُفَسِّرُ بَعْضُ الْكُتَّابِ الْبَدَلَ بِأَنَّهُ الشَّخْصُ الَّذِي لَهُ قُدْرَةٌ عَلَى أَنْ يَخْلُفَ شَخْصًا رُوحَانِيًّا عِنْدَمَا يَتْرُكُ مَكَانَهُ، أَوِ الشَّخْصُ الَّذِي لَهُ قُدْرَةٌ عَلَى التَّحَوُّلِ الرُّوحَانِيِّ. وَالِاخْتِلَافُ بَيِّنٌ فِيمَا أَوْرَدُوهُ عَنْ عَدَدِ الْأَبْدَالِ وَمَكَانِهِمْ مِنْ سِلْسِلَةِ الْمَرَاتِبِ الصُّوفِيَّةِ الَّتِي يَكُونُ الْقُطْبُ عَلَى رَأْسِهَا. وَقَدْ أَوْرَدَ ابْنُ حَنْبَلٍ فِي مُسْنَدِهِ أَرْبَعِينَ مِنَ الْأَبْدَالِ خَلَقَهُمُ اللَّهُ فِي الشَّامِ (ج [٠ - ٩] ص [٠ - ٩] ١٢) وَيَذْكُرُ أَيْضًا أَنَّ هُنَاكَ ثَلَاثِينَ مِنْهُمْ فِي أُمَّةِ مُحَمَّدٍ (ج [٠ - ٩] ٣٢٢) وَيُشِيرُ الْمَكِّيُّ إِلَى ثَلَاثِمِائَةٍ مِنَ الْأَبْدَالِ يَضُمُّونَ الصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءَ وَالصَّالِحِينَ (قُوتَ الْقُلُوبِ، ج [٠ - ٩] ص [٠ - ٩] ٨. انْظُرْ سُورَةَ النِّسَاءِ الْآيَةَ ٧١) . وَيَقُولُ الْهَجْوِيرِيُّ إِنَّهُمْ أَرْبَعُونَ وَإِنَّهُمْ فِي الْمَرْتَبَةِ الرَّابِعَةِ، يَلُونَ الْأَبْرَارَ السَّبْعَةَ، وَفَوْقَهُمُ الْأَوْتَادُ الْأَرْبَعَةُ، ثُمَّ النُّقَبَاءُ الثَّلَاثَةُ (كَشْفُ الْمَحْجُوبِ، ط. شُوكُوفِسْكِي، ص [٠ - ٩] ٦٩، تَرْجَمَةُ نِيكِلْسُونْ، ص [٠ - ٩] ٨٤) . وَيُحَدِّدُ ابْنُ عَرَبِيٍّ عَدَدَ الْأَبْدَالِ بِسَبْعَةٍ وَيَضَعُهُمْ فِي الْمَرْتَبَةِ تَحْتَ الْأَوْتَادِ (الْفُتُوحَاتُ، ج [٠ - ٩]، ص [٠ - ٩]) . وَقَدْ أَخَذَ بِهَذَا الرَّأْيِ ابْنُ الْفَارِضِ فِي التَّائِيَّةِ الْكُبْرَى ". وَانْظُرْ تَعْرِيفَ " الْبُدَلَاءِ " فِي التَّعْرِيفَاتِ لِلْجُرْجَانِيِّ؛ " اصْطِلَاحَاتُ الصُّوفِيَّةِ " لِلْقَاشَانِيِّ. وَانْظُرْ تَعْلِيقَ الدُّكْتُور مُحَمَّد مُصْطَفَى حِلْمِي عَلَى " بَدَلٌ " فِي دَائِرَةِ الْمَعَارِفِ الْإِسْلَامِيَّةِ ".
[ ٩٤ ]
بَسَطْنَا الْكَلَامَ عَلَى ذَلِكَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ] (١) .
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنْ يُقَالَ: الْقَائِلُونَ بِهَذِهِ الْأُمُورِ مِنْهُمْ مَنْ يُنْسَبُ إِلَى أَحَدِ هَؤُلَاءِ مَا لَا تَجُوزُ نِسْبَتُهُ إِلَى [أَحَدٍ مِنَ] الْبَشَرِ (٢) مِثْلُ دَعْوَى بَعْضِهِمْ أَنَّ الْغَوْثَ، أَوِ الْقُطْبَ هُوَ الَّذِي يَمُدُّ أَهْلَ الْأَرْضِ فِي هُدَاهُمْ، وَنَصْرِهِمْ، وَرِزْقِهِمْ، فَإِنَّ هَذَا لَا يَصِلُ إِلَى أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ (٣) إِلَّا بِوَاسِطَةِ نُزُولِهِ عَلَى ذَلِكَ الشَّخْصِ، وَهَذَا بَاطِلٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ مِنْ جِنْسِ قَوْلِ النَّصَارَى فِي الْبَابِ.
وَكَذَلِكَ مَا يَدَّعِيهِ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّ الْوَاحِدَ مِنْ هَؤُلَاءِ قَدْ (٤) يَعْلَمُ كُلَّ وَلِيٍّ لِلَّهِ كَانَ، وَيَكُونُ، وَاسْمَهُ (٥)، وَاسْمَ أَبِيهِ، وَمَنْزِلَتَهُ مِنَ اللَّهِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ
_________________
(١) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن)، (م) . وَالْحَدِيثُ الضَّعِيفُ الَّذِي. يُشِيرُ إِلَيْهِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ جَاءَ فِي الْمُسْنَدِ (ط. الْمَعَارِفِ) ٢/١٧١ مِنْ مُسْنَدِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - ﵁ - وَعَلَّقَ عَلَيْهِ الشَّيْخُ أَحْمَد شَاكِر - ﵀ - بِقَوْلِهِ: " إِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ لِانْقِطَاعِهِ. وَسَيَأْتِي فِي شَأْنِهِمْ حَدِيثٌ آخَرُ فِي مُسْنَدِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ٥/٣٢٢ قَالَ فِيهِ أَحْمَدُ هُنَاكَ: " وَهُوَ مُنْكَرٌ ". وَأَوْرَدَ الْأَلْبَانِيُّ الْحَدِيثَيْنِ فِي " ضَعِيفِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ ٢/٢٧٥ وَقَالَ عَنْ كُلٍّ مِنْهُمَا: " ضَعِيفٌ " وَالْأَوَّلُ هُوَ: " الْأَبْدَالُ بِالشَّامِ، وَهُمْ أَرْبَعُونَ رَجُلًا، كُلَّمَا مَاتَ رَجُلٌ أَبْدَلَ اللَّهُ مَكَانَهُ رَجُلًا، يُسْقَى بِهِمُ الْغَيْثُ، وَيُنْتَصَرُ بِهِمْ عَلَى الْأَعْدَاءِ، وَيُصْرَفُ عَنْ أَهْلِ الشَّامِ بِهِمُ الْعَذَابُ ". وَالثَّانِي: " الْأَبْدَالُ فِي أُمَّتِي ثَلَاثُونَ، بِهِمْ تَقُومُ الْأَرْضُ، وَبِهِمْ تُمْطَرُونَ، وَبِهِمْ تُنْصَرُونَ ". وَانْظُرْ سِلْسِلَةَ الْأَحَادِيثِ الضَّعِيفَةِ وَالْمَوْضُوعَةِ لِلْأَلْبَانِيِّ (ط. دِمَشْقَ ١٣٩٩)، ٢/٣٣٩ - ٣٤١ الْحَدِيثَانِ رَقْمُ ٩٣٥، ٩٣٦. وَقَدْ تَكَلَّمَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ عَلَى الْأَلْفَاظِ الْمَذْكُورِ فِي هَذِهِ الْفِقْرَةِ، وَمِنْهَا لَفْظُ " الْأَبْدَالِ " فِي أَكْثَرَ مِنْ مَوْضِعٍ مِنْ رَسَائِلِهِ. انْظُرْ مَثَلًا: مَجْمُوعَةَ الرَّسَائِلِ وَالْمَسَائِلِ ١/٤٦ - ٥١.
(٢) ن، م: إِلَى بَشَرٍ.
(٣) عِبَارَةُ " مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ ": سَاقِطَةٌ مِنْ (أ)، (ب) .
(٤) قَدْ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ)، (ب) .
(٥) أ: كَانَ يَكُونُ اسْمَهُ؛ ب: كَانَ أَوْ يَكُونُ اسْمَهُ.
[ ٩٥ ]
الْمَقَالَاتِ الْبَاطِلَةِ الَّتِي تَتَضَمَّنُ أَنَّ الْوَاحِدَ مِنَ الْبَشَرِ يُشَارِكُ اللَّهَ فِي بَعْضِ خَصَائِصِهِ مِثْلِ أَنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ، أَوْ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا يَقُولُ بَعْضُهُمْ فِي النَّبِيِّ - ﷺ -، وَفِي شُيُوخِهِ: إِنَّ عِلْمَ أَحَدِهِمْ يَنْطَبِقُ عَلَى عِلْمِ اللَّهِ، وَقُدْرَتَهُ مُنْطَبِقَةٌ عَلَى قُدْرَةِ اللَّهِ، فَيَعْلَمُ مَا يَعْلَمُهُ اللَّهُ، وَيَقْدِرُ عَلَى مَا يَقْدِرُ اللَّهُ عَلَيْهِ (١) .
فَهَذِهِ الْمَقَالَاتُ، وَمَا يُشْبِهُهَا مِنْ جِنْسِ قَوْلِ النَّصَارَى، وَالْغَالِيَةِ فِي عَلِيٍّ، وَهِيَ بَاطِلَةٌ بِإِجْمَاعِ عُلَمَاءِ (٢) الْمُسْلِمِينَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْسُبُ إِلَى الْوَاحِدِ مِنْ هَؤُلَاءِ مَا تَجُوزُ نِسْبَتُهُ إِلَى الْأَنْبِيَاءِ، وَصَالِحِي الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الْكَرَامَاتِ كَدَعْوَةٍ مُجَابَةٍ، وَمُكَاشَفَةٍ (٣) مِنْ مُكَاشَفَاتِ الصَّالِحِينَ، وَنَحْوِ ذَلِكَ.
فَهَذَا الْقَدْرُ يَقَعُ كَثِيرًا مِنَ الْأَشْخَاصِ الْمَوْجُودِينَ [الْمُعَايَنِينَ] (٤)، وَمَنْ نَسَبَ ذَلِكَ إِلَى مَنْ لَا يُعْرَفُ وُجُودُهُ، فَهَؤُلَاءِ وَإِنْ كَانُوا مُخْطِئِينَ فِي نِسْبَةِ ذَلِكَ إِلَى شَخْصٍ مَعْدُومٍ، فَخَطَؤُهُمْ كَخَطَأِ مَنِ اعْتَقَدَ أَنَّ فِي الْبَلَدِ الْفُلَانِيِّ رِجَالًا مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ، وَلَيْسَ فِيهِ أَحَدٌ، أَوِ اعْتَقَدَ فِي نَاسٍ مُعَيَّنِينَ أَنَّهُمْ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ، وَلَمْ يَكُونُوا كَذَلِكَ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ هَذَا خَطَأٌ. وَجَهْلٌ، وَضَلَالٌ يَقَعُ فِيهِ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ لَكِنَّ خَطَأَ الْإِمَامِيَّةِ، وَضَلَالَهُمْ (٥) أَقْبَحُ، وَأَعْظَمُ.
الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنْ يُقَالَ: الصَّوَابُ الَّذِي عَلَيْهِ مُحَقِّقُو الْعُلَمَاءِ أَنَّ إِلْيَاسَ،
_________________
(١) ن، م: عَلَيْهِ اللَّهُ.
(٢) عُلَمَاءِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ)، (ب) .
(٣) أ، ب: وَمُكَاشَفَاتٍ.
(٤) الْمُعَايَنِينَ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن)، (م) .
(٥) ن، م: وَضَلَالَتَهُمْ.
[ ٩٦ ]
وَالْخَضِرَ مَاتَا (١)، وَأَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الْبَشَرِ وَاسِطَةً بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ خَلْقِهِ فِي رِزْقِهِ، وَخَلْقِهِ (٢)، وَهُدَاهُ، وَنَصْرِهِ، وَإِنَّمَا الرُّسُلُ وَسَائِطُ فِي تَبْلِيغِ رِسَالَاتِهِ لَا سَبِيلَ لِأَحَدٍ إِلَى السَّعَادَةِ إِلَّا بِطَاعَةِ الرُّسُلِ (٣)، وَأَمَّا خَلْقُهُ، وَرِزْقُهُ، وَهُدَاهُ، وَنَصْرُهُ (٤)، [فَلَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى] (٥)، فَهَذَا لَا يَتَوَقَّفُ [عَلَى حَيَاةِ الرُّسُلِ، وَبَقَائِهِمْ،. بَلْ. وَلَا يَتَوَقَّفُ نَصْرُ الْخَلْقِ، وَرِزْقُهُمْ عَلَى وُجُودِ الرُّسُلِ أَصْلًا] (٦)، بَلْ قَدْ يَخْلُقُ اللَّهُ ذَلِكَ بِمَا شَاءَ مِنَ الْأَسْبَابِ بِوَاسِطَةِ الْمَلَائِكَةِ، [أَوْ غَيْرِهِمْ] (٧)، وَقَدْ يَكُونُ لِبَعْضِ الْبَشَرِ فِي ذَلِكَ مِنَ الْأَسْبَابِ مَا هُوَ مَعْرُوفٌ فِي الْبَشَرِ.
وَأَمَّا كَوْنُ ذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِوَاسِطَةِ الْبَشَرِ (٨)، أَوْ أَنَّ أَحَدًا مِنَ الْبَشَرِ يَتَوَلَّى ذَلِكَ كُلَّهُ، وَنَحْوَ ذَلِكَ، فَهَذَا كُلُّهُ بَاطِلٌ، وَحِينَئِذٍ فَيُقَالُ: لِلرَّافِضَةِ إِذَا احْتَجُّوا بِضَلَالِ الضُّلَّالِ: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [سُورَةُ الزُّخْرُفِ: ٣٩] .
_________________
(١) انْظُرْ فِي تَحْقِيقِ أَمْرِ إِلْيَاسَ وَالْخَضِرِ رِسَالَةَ ابْنِ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيِّ " الزَّهْرُ النَّضِرُ فِي نَبَأِ الْخَضِرِ " ضِمْنَ مَجْمُوعَةِ الرَّسَائِلِ الْمُنِيرِيَّةِ، ج [٠ - ٩] ص [٠ - ٩] ٩٥ - ٢٣٤، الْقَاهِرَةَ ١٣٤٣. وَفِي خَاتِمَتِهَا (ص ٢٣٤) يَقُولُ ابْنُ حَجَرٍ: " وَالَّذِي تَمِيلُ إِلَيْهِ النَّفْسُ مِنْ حَيْثُ الْأَدِلَّةِ الْقَوِيَّةِ خِلَافُ مَا يَعْتَقِدُهُ الْعَوَامُّ مِنِ اسْتِمْرَارِ حَيَاتِهِ ".
(٢) أ، ب: بَيْنَ اللَّهِ - عَزَّ سُلْطَانُهُ - وَبَيْنَ خَلْقِهِ فِي خَلْقِهِ وَرِزْقِهِ.
(٣) ن، م: الرَّسُولِ.
(٤) أ، ب: وَأَمَّا خَلْقُهُ وَهُدَاهُ، وَنَصْرُهُ وَرِزْقُهُ.
(٥) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن)، (م) .
(٦) بَدَلًا مِنَ الْعِبَارَاتِ بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ جَاءَ فِي (ن)، (م): عَلَى وُجُودِ سَبَبٍ مُعَيَّنٍ.
(٧) أَوْ غَيْرِهِمْ: زِيَادَةٌ فِي (أ)، (ب) .
(٨) أ، ب: بِوَاسِطَةٍ مِنَ الْبَشَرِ.
[ ٩٧ ]
وَأَيْضًا: فَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ أَشْرَفَ مَسَائِلِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَهَمَّ الْمُطَالِبِ فِي الدِّينِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ ذِكْرُهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ أَعْظَمَ مِنْ غَيْرِهَا، وَبَيَانُ الرَّسُولِ لَهَا أَوْلَى مِنْ بَيَانِ غَيْرِهَا، وَالْقُرْآنُ مَمْلُوءٌ بِذِكْرِ تَوْحِيدِ اللَّهِ، وَذِكْرِ أَسْمَائِهِ. وَصِفَاتِهِ، وَآيَاتِهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَالْقَصَصِ، وَالْأَمْرِ، وَالنَّهْيِ، وَالْحُدُودِ، وَالْفَرَائِضِ بِخِلَافِ الْإِمَامَةِ، فَكَيْفَ يَكُونُ الْقُرْآنُ مَمْلُوءًا بِغَيْرِ الْأَهَمِّ الْأَشْرَفِ؟ .
وَأَيْضًا: فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ عَلَّقَ السَّعَادَةَ بِمَا لَا ذِكْرَ فِيهِ لِلْإِمَامَةِ، فَقَالَ: [﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [سُورَةُ النِّسَاءِ: ٦٩]، وَقَالَ] (١): ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ - وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [سُورَةُ النِّسَاءِ: ١٣ - ١٤]، فَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ أَنَّ مَنْ أَطَاعَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كَانَ سَعِيدًا فِي الْآخِرَةِ، وَمَنْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَتَعَدَّى حُدُودَهُ كَانَ مُعَذَّبًا، فَهَذَا (٢) هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ السُّعَدَاءِ، وَالْأَشْقِيَاءِ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْإِمَامَةَ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: إِنَّ الْإِمَامَةَ دَاخِلَةٌ فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ.
قِيلَ: غَايَتُهَا (٣) أَنْ تَكُونَ كَبَعْضِ الْوَاجِبَاتِ كَالصَّلَاةِ، وَالزَّكَاةِ، وَالصِّيَامِ،
_________________
(١) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن)، (م) .
(٢) أ، ب: وَهَذَا.
(٣) أ، ب: نِهَايَتُهَا.
[ ٩٨ ]
وَالْحَجِّ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَدْخُلُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَكَيْفَ تَكُونُ هِيَ وَحْدَهَا أَشْرَفَ مَسَائِلِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَهَمَّ مَطَالِبِ الدِّينِ؟ .
فَإِنْ قِيلَ: لَا يُمْكِنُنَا طَاعَةُ (١) الرَّسُولِ إِلَّا بِطَاعَةِ إِمَامٍ (٢)، فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي يَعْرِفُ الشَّرْعَ.
قِيلَ: هَذَا [هُوَ] (٣) دَعْوَى الْمَذْهَبِ، وَلَا حُجَّةَ فِيهِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْقُرْآنَ لَمْ يَدُلَّ عَلَى هَذَا، كَمَا دَلَّ عَلَى سَائِرِ أُصُولِ الدِّينِ، [وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ هَذَا الْإِمَامَ الَّذِي يَدَّعُونَهُ لَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ أَحَدٌ فِي ذَلِكَ، وَسَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ لَا يُحْتَاجُ فِي مَعْرِفَتِهِ إِلَى أَحَدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ] (٤) .