وَالْمَقْصُودُ هُنَا: أَنَّهُ إِذَا قِيلَ بِأَنَّ الْإِرَادَةَ يَجِبُ أَنْ يُقَارِنَهَا مُرَادُهَا (٢)، كَانَ [ذَلِكَ] (٣) دَلِيلًا عَلَى حُدُوثِ كُلِّ مَا سِوَى اللَّهِ. وَإِنْ قِيلَ: يَجُوزُ أَنْ يُقَارِنَهَا مُرَادُهَا وَيَجُوزُ أَنْ لَا يُقَارِنَهَا، أَوْ قِيلَ: يُمْتَنَعُ مُقَارَنَةُ مُرَادِهَا لَهَا، فَعَلَى التَّقْدِيرَاتِ الثَّلَاثَةِ يَجِبُ حُدُوثُ كُلِّ مَا سِوَى اللَّهِ.
أَمَّا (٤) عَلَى تَقْدِيرِ وُجُوبِ مُقَارَنَةِ الْمُرَادِ لِلْإِرَادَةِ، فَلِأَنَّهُ إِنْ كَانَتِ الْإِرَادَةُ أَزَلِيَّةً، لَزِمَ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ الْمُرَادَاتِ أَزَلِيَّةً، فَلَا يَحْدُثُ شَيْءٌ، وَهُوَ خِلَافُ الْحِسِّ وَالْعِيَانِ. وَهَذَا مِثْلُ قَوْلِنَا: لَوْ كَانَ مُوجَبًا بِذَاتِهِ أَزَلِيًّا (٥)، أَوْ عِلَّةً تَامَّةً لِمَعْلُولِهِ، لَزِمَ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ مُوجِبِهِ وَمَعْلُولِهِ مُقَارِنًا لَهُ أَزَلِيًّا، فَيُمْتَنَعُ حُدُوثُ شَيْءٍ عَنْهُ.
وَإِنْ كَانَ هُنَاكَ إِرَادَةٌ حَادِثَةٌ، فَإِنَّ الْكَلَامَ (٦) فِيهَا كَالْكَلَامِ فِي غَيْرِهَا مِنَ الْحَوَادِثِ: إِنْ حَدَثَتْ عَنْ تِلْكَ الْإِرَادَةِ الْأَزَلِيَّةِ الَّتِي يَجِبُ مُقَارَنَةُ مُرَادِهَا لَهَا كَانَ مُمْتَنَعًا، وَإِنْ حَدَثَتْ بِلَا إِرَادَةٍ وَلَا سَبَبٍ حَادِثٍ كَانَ ذَلِكَ مُمْتَنَعًا.
فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ عَلَى الْقَوْلِ بِوُجُوبِ مُقَارَنَةِ الْمُرَادِ لِلْإِرَادَةِ يُمْتَنَعُ قِدَمُ شَيْءٍ مِنْ
_________________
(١) إِنَّ: زِيَادَةٌ فِي (ا)، (ب) .
(٢) ا، ب:. . الْإِرَادَةَ لَا يَجِبُ أَنْ يُقَارِنَهَا مُرَادُهَا، وَهُوَ خَطَأٌ؛ م: الْإِرَادَةَ يَجُوزُ أَنْ يُقَارِنَهَا مُرَادُهَا وَهُوَ خَطَأٌ أَيْضًا.
(٣) ذَلِكَ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن)، (م) .
(٤) ن، م: وَأَمَّا.
(٥) ن، م: أَزَلِيَّةً.
(٦) ن، م: حَادِثَةٌ فَالْكَلَامُ.
[ ٣٨٨ ]
الْعَالَمِ، سَوَاءٌ قِيلَ بِقِدَمِ الْإِرَادَةِ أَوْ حُدُوثِهَا، أَوْ قِدَمِ شَيْءٍ مِنْهَا وَحُدُوثٍ شَيْءٍ آخَرَ.
وَإِنْ قِيلَ بِأَنَّ الْمُرَادَ يَجُوزُ مُقَارَنَتُهُ لِلْإِرَادَةِ وَيَجُوزُ تَأَخُّرُهُ عَنْهَا، فَإِنَّهُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ يَجُوزُ حُدُوثُ جَمِيعِ (١) الْعَالَمِ بِإِرَادَةٍ قَدِيمَةٍ أَزَلِيَّةٍ مِنْ غَيْرِ تَجَدُّدِ شَيْءٍ، كَمَا تَقُولُ ذَلِكَ الْكُلَّابِيَّةُ وَمَنْ وَافَقَهُمْ مِنَ الْأَشْعَرِيَّةِ وَالْكَرَّامِيَّةِ وَالْفُقَهَاءِ الْمَنْسُوبِينَ إِلَى الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ. وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ حُدُوثُ الْحَوَادِثِ بِلَا سَبَبٍ حَادِثٍ، وَتَرْجِيحُ أَحَدِ الْمُتَمَاثِلَيْنِ عَلَى الْآخَرِ بِمُجَرَّدِ الْإِرَادَةِ الْقَدِيمَةِ، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ فَإِنَّهُ يُبْطِلُ حُجَّةَ الْقَائِلِينَ بِقِدَمِ الْعَالَمِ.
وَهَؤُلَاءِ إِنَّمَا قَالُوا هَذَا لِاعْتِقَادِهِمْ بُطْلَانَ التَّسَلْسُلِ فِي الْآثَارِ وَامْتِنَاعَ حَوَادِثَ لَا أَوَّلَ لَهَا. فَإِنْ كَانَ مَا قَالُوهُ حَقًّا، وَأَنَّهُ يُمْتَنَعُ حَوَادِثُ لَا أَوَّلَ لَهَا، لَزِمَ حِينَئِذٍ حُدُوثُ الْعَالَمِ، وَامْتَنَعَ الْقَوْلُ بِقِدَمِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو شَيْءٌ مِنْهُ عَنْ مُقَارَنَةِ شَيْءٍ مِنَ الْحَوَادِثِ. حَتَّى الْعُقُولُ وَالنُّفُوسُ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِإِثْبَاتِهَا، فَإِنَّهَا عِنْدَهُمْ لَا بُدَّ أَنْ تُقَارِنَ الْحَوَادِثَ، فَإِذَا امْتَنَعَ حَوَادِثُ لَا أَوَّلَ لَهَا، كَانَ مَا لَمْ يَسْبِقِ الْحَوَادِثَ بِمَنْزِلَتِهَا، يُمْتَنَعُ قِدَمُهُ كَمَا يُمْتَنَعُ قِدَمُهَا.
وَإِنَّ كَانَ مَا قَالَهُ هَؤُلَاءِ بَاطِلًا، أَمْكَنَ دَوَامُ الْحَوَادِثِ، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ فَيَجُوزُ مُقَارَنَةُ الْمُرَادِ لِلْإِرَادَةِ (٢) فِي الْأَزَلِ، وَيُمْتَنَعُ حُدُوثُ شَيْءٍ إِلَّا بِسَبَبٍ حَادِثٍ، وَحِينَئِذٍ فَيُمْتَنَعُ كَوْنُ شَيْءٍ (٣) مِنَ الْعَالَمِ أَزَلِيًّا، وَإِنَّ جَازَ أَنْ
_________________
(١) جَمِيعِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ا)، (ب) .
(٢) ن (فَقَطْ): لِلْإِرَادَاتِ.
(٣) ا، م: الشَّيْءُ.
[ ٣٨٩ ]
يَكُونُ نَوْعُ الْحَوَادِثِ دَائِمًا لَمْ يَزَلْ، فَإِنَّ الْأَزَلَ لَيْسَ هُوَ عِبَارَةً عَنْ شَيْءٍ مُحَدَّدٍ، بَلْ مَا مِنْ وَقْتٍ يُقَدَّرُ إِلَّا وَقَبْلَهُ وَقْتٌ آخَرُ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ دَوَامِ النَّوْعِ قِدَمُ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ.
وَإِنَّمَا قِيلَ: يُمْتَنَعُ قِدَمُ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا جَازَ أَنْ يُقَارِنَهَا الْمُرَادُ فِي الْأَزَلِ، وَجَبَ أَنْ يُقَارِنَهَا الْمُرَادُ؛ لِأَنَّ الْإِرَادَةَ الَّتِي يَجُوزُ مُقَارَنَةُ مُرَادِهَا لَهَا لَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا مُرَادُهَا (١) إِلَّا لِنَقْصٍ فِي الْقُدْرَةِ، وَإِلَّا فَإِذَا كَانَتِ الْقُدْرَةُ تَامَّةً، وَالْإِرَادَةُ الَّتِي يُمْكِنُ مُقَارَنَةُ مُرَادِهَا لَهَا حَاصِلَةً، لَزِمَ حُصُولُ الْمُرَادِ لِوُجُودِ الْمُقْتَضَى التَّامِّ لِلْفِعْلِ، إِذْ لَوْ لَمْ يَلْزَمْ (٢) مَعَ كَوْنِ الْمُرَادِ مُمْكِنًا، لَكَانَ حُصُولُهُ بَعْدَ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ تَرْجِيحَ أَحَدِ الْمُتَمَاثِلَيْنِ عَلَى الْآخَرِ بِدُونِ مُرَجِّحٍ. وَهُوَ بَاطِلٌ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ.
وَلِهَذَا كَانَ الَّذِينَ يَقُولُونَ بِامْتِنَاعِ شَيْءٍ مِنَ الْحَوَادِثِ فِي الْأَزَلِ، يَقُولُونَ: إِنَّ حُصُولَ شَيْءٍ مِنَ الْإِرَادَاتِ (٣) فِي الْأَزَلِ مُمْتَنَعٌ، لَا يَقُولُونَ بِأَنَّهُ مُمْكِنٌ، وَأَنَّهُ يُمْكِنُ مُقَارَنَةُ مُرَادِهِ لَهُ.
لَكِنْ أَوْرَدَ النَّاسُ عَلَيْهِمْ أَنَّهُ إِذَا كَانَ نِسْبَةُ جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ وَالْحَوَادِثِ إِلَى الْإِرَادَةِ الْأَزَلِيَّةِ نِسْبَةً وَاحِدَةً، فَتَرْجِيحُ أَحَدِ الْوَقْتَيْنِ - أَوْ مَا يُقَدَّرُ (٤) فِيهِ الْوَقْتُ بِالْحُدُوثِ - تَرْجِيحٌ بِلَا مُرَجِّحٍ، وَتَخْصِيصٌ لِأَحَدِ الْمُتَمَاثِلَيْنِ بِلَا مُخَصِّصٍ.
_________________
(١) ن: مُرَادُهَا عَنْهَا؛ م: مُرَادُهَا لَهَا، وَهُوَ تَحْرِيفٌ.
(٢) ن، م: لَوْ لَمْ يَكُنْ.
(٣) ا، ب: الْمُرَادَاتِ.
(٤) ن، م: أَمَّا يُقَدَّرُ.
[ ٣٩٠ ]
وَهَذَا الْكَلَامُ لَا يَقْدَحُ فِي مَقْصُودِنَا هُنَا، فَإِنَّا لَمْ نَنْصُرْ (١) هَذَا الْقَوْلَ، وَلَكِنْ بَيَّنَّا امْتِنَاعَ قِدَمِ شَيْءٍ مِنَ الْعَالَمِ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ، وَأَنَّ دَوَامَ الْحَوَادِثِ سَوَاءٌ كَانَ مُمْكِنًا أَوْ مُمْتَنَعًا، فَإِنَّهُ يَجِبُ حُدُوثُ كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الْعَالَمِ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ (٢)، وَأَنَّ الْإِرَادَةَ سَوَاءٌ قِيلَ بِوُجُوبِ مُقَارَنَةِ مُرَادِهَا لَهَا أَوْ بِجَوَازِ تَأَخُّرِهِ عَنْهَا، يَلْزَمُ حُدُوثُ كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الْعَالَمِ عَلَى كُلٍّ مِنَ التَّقْدِيرَيْنِ (٣) .
فَإِنَّ الْقَائِلِينَ بِتَأَخُّرِ مُرَادِهَا، إِنَّمَا قَالُوا ذَلِكَ فِرَارًا مِنَ الْقَوْلِ بِدَوَامِ الْحَوَادِثِ وَوُجُودِ حَوَادِثَ لَا أَوَّلَ لَهَا. وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ فَيَلْزَمُ حُدُوثُ الْعَالَمِ، وَإِلَّا فَلَوْ جَازَ دَوَامُ الْحَوَادِثِ، لَجَازَ عِنْدَهُمْ وُجُودُ الْمُرَادِ فِي الْأَزَلِ، وَلَوْ جَازَ ذَلِكَ لَمْ يَقُولُوا بِتَأَخُّرِ الْمُرَادِ عَنِ الْإِرَادَةِ الْقَدِيمَةِ الْأَزَلِيَّةِ، مَعَ مَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَرْجِيحِ أَحَدِ الْمُتَمَاثِلَيْنِ عَلَى الْآخَرِ [بِلَا مُرَجِّحٍ] (٤) وَمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الشَّنَاعَةِ عَلَيْهِمْ، وَنِسْبَةِ كَثِيرٍ مِنَ الْعُقَلَاءِ إِلَى أَنَّهُمْ خَالَفُوا صَرِيحَ الْمَعْقُولِ.
فَإِنَّهُمْ إِنَّمَا صَارُوا إِلَى هَذَا الْقَوْلِ (٥)؛ لِاعْتِقَادِهِمُ امْتِنَاعَ حَوَادِثَ لَا أَوَّلَ لَهَا، فَاحْتَاجُوا لِذَلِكَ أَنْ يُثْبِتُوا إِرَادَةً قَدِيمَةً أَزَلِيَّةً يَتَأَخَّرُ عَنْهَا الْمُرَادُ، وَيَحْدُثُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ حَادِثٍ، وَاحْتَاجُوا أَنْ يَقُولُوا: إِنَّ نَفْسَ الْإِرَادَةِ تُخَصِّصُ أَحَدَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ عَلَى الْآخَرِ.
وَإِلَّا فَلَوِ اعْتَقَدُوا جَوَازَ دَوَامِ الْحَوَادِثِ وَتَسَلْسُلِهَا، لَأَمْكَنَ أَنْ يَقُولُوا بِأَنَّهُ
_________________
(١) ا، ب: فَإِنَّا لَمْ نَنُصَّ، وَهُوَ خَطَأٌ؛ ن، م: فَإِنَّا نَنْصُرُ. وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ الصَّوَابُ مَا أَثْبَتُّهُ.
(٢) ن، م: عَلَى التَّقْدِيرِ.
(٣) ن: عَلَى كِلَا التَّقْدِيرَيْنِ؛ م: عَلَى كُلِّ التَّقْدِيرَيْنِ.
(٤) بِلَا مُرَجِّحٍ: زِيَادَةٌ فِي (م) .
(٥) الْقَوْلِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ا)، (ب) .
[ ٣٩١ ]
تَحْدُثُ الْإِرَادَاتُ وَالْمُرَادَاتُ، وَيَقُولُونَ بِجَوَازِ قِيَامِ الْحَوَادِثِ بِالْقَدِيمِ، وَلَرَجَعُوا عَنْ قَوْلِهِ: (* بِأَنَّ (١) نَفْسَ الْإِرَادَةِ الْقَدِيمَةِ تُخَصِّصُ أَحَدَ الْمِثْلَيْنِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَعَنْ قَوْلِهِمْ *) (٢) بِحُدُوثِ الْحَوَادِثِ بِلَا سَبَبٍ حَادِثٍ، وَكَانُوا عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ لَا يَقُولُونَ بِقِدَمِ شَيْءٍ مِنَ الْعَالَمِ، بَلْ يَقُولُونَ: إِنَّ كُلَّ مَا سِوَى اللَّهِ فَإِنَّهُ حَادِثٌ كَائِنٌ (٣) بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ.
وَكَانَ هَذَا لَازِمًا عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ إِذَا لَمْ يَجُزْ حُدُوثُ شَيْءٍ مِنَ الْحَوَادِثِ إِلَّا بِسَبَبٍ [حَادِثٍ] (٤)، وَلَمْ يَتَرَجَّحْ أَحَدُ الْوَقْتَيْنِ بِحُدُوثِ شَيْءٍ فِيهِ إِلَّا بِمُرَجِّحٍ يَقْتَضِي ذَلِكَ، لَا يَكُونُ تَأَخُّرُ الْمُرَادِ عَنِ الْإِرَادَةِ إِلَّا لِتَعَذُّرِ الْمُرَادِ، [إِذْ] (٥) لَوْ كَانَ [الْمُرَادُ] (٦) مُمْكِنًا أَنْ يُقَارِنَ الْإِرَادَةَ وَمُمْكِنًا أَنْ يَتَأَخَّرَ عَنْهَا، لَكَانَ تَخْصِيصُ أَحَدِ الزَّمَانَيْنِ بِالْإِحْدَاثِ تَخْصِيصًا بِلَا مُخَصِّصٍ.
فَعُلِمَ أَنَّهُ يَجِبُ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ: وُجُوبُ (٧) مُقَارَنَةِ الْمُرَادِ لِلْإِرَادَةِ أَوِ امْتِنَاعِهِ (٨)، وَأَنَّهُ يَجِبُ مُقَارَنَتُهُ لِلْإِرَادَةِ إِذَا كَانَ مُمْكِنًا، وَأَنَّهُ لَا يَتَأَخَّرُ إِلَّا لِتَعَذُّرِ مُقَارَنَتِهِ: إِمَّا (٩) لِامْتِنَاعِهِ فِي نَفْسِهِ، وَإِمَّا لِامْتِنَاعِ لَوَازِمِهِ.
_________________
(١) ب (فَقَطْ): إِنَّ.
(٢) مَا بَيْنَ النَّجْمَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (م) .
(٣) كَائِنٌ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ا)، (ب) .
(٤) حَادِثٍ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن)، (م) .
(٥) إِذْ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن)، (م) .
(٦) الْمُرَادُ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن)، (م) .
(٧) ا، ب: وَوُجُوبُ، وَهُوَ خَطَأٌ.
(٨) ن، م، ب: وَامْتِنَاعِهِ.
(٩) ن، م: وَإِمَّا.
[ ٣٩٢ ]
وَامْتِنَاعُ اللَّازِمِ يَقْتَضِي امْتِنَاعَ الْمَلْزُومِ، لَكِنْ يَكُونُ امْتِنَاعُهُ لِغَيْرِهِ لَا لِنَفْسِهِ. كَمَا يَقُولُ الْمُسْلِمُونَ: مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، فَمَا شَاءَ [اللَّهُ] وَجَبَ (١) كَوْنُهُ بِمَشِيئَتِهِ لَا بِنَفْسِهِ، وَمَا لَمْ يَشَأْ يُمْتَنَعُ كَوْنُهُ لَا بِنَفْسِهِ بَلْ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِمَشِيئَتِهِ، فَإِذَا لَمْ يَشَأِ امْتَنَعَ كَوْنُهُ.
وَإِذَا كَانَ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ لَازِمًا: إِمَّا مُقَارَنَةُ الْمُرَادِ [لِلْإِرَادَةِ] (٢)، وَإِمَّا امْتِنَاعُهُ لِنَفْسِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ، دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ شَيْءٌ مِنَ الْعَالَمِ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ قَدِيمًا لَوَجَبَ (٣ أَنْ يَكُونَ قَدِيمًا لِوُجُوبِ ٣) (٣) مُقَارَنَتِهِ لَهُ فِي الْأَزَلِ. إِذِ التَّقْدِيرُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ وُجُوبِ الْمُقَارَنَةِ أَوِ امْتِنَاعُ الْمُرَادِ، فَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ مُمْكِنًا فِي الْأَزَلِ لَزِمَ وُجُوبُ الْمُقَارَنَةِ (٤)، لَكِنَّ وُجُوبَ الْمُقَارَنَةِ مُمْتَنَعٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ أَنْ لَا يَحْدُثَ شَيْءٌ مِنَ الْحَوَادِثِ كَمَا تَقَدَّمَ، فَلَزِمَ الْقِسْمُ الْآخَرُ: وَهُوَ امْتِنَاعُ شَيْءٍ مِنَ الْمُرَادِ الْمُعَيَّنِ فِي الْأَزَلِ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
فَأَمَّا إِذَا قِيلَ بِأَنَّهُ يَجِبُ تَأَخُّرُ الْمُرَادِ عَنِ الْإِرَادَةِ - كَمَا يَقُولُ [ذَلِكَ] كَثِيرٌ (٥) مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ - فَبِتَقْدِيرِ كَوْنِهِ مُرِيدًا يُمْتَنَعُ قِدَمُ شَيْءٍ مِنَ الْعَالَمِ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
فَتَبَيَّنَ حُدُوثُ كُلِّ مَا سِوَى اللَّهِ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ
وَاعْلَمْ أَنَّ مَنْ فَهِمَ هَذِهِ الطَّرِيقَ (٦) اسْتَفَادَ بِهَا أُمُورًا:
_________________
(١) ن، م: فَمَا شَاءَ وَجَبَ. .
(٢) لِلْإِرَادَةِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن)، (م) .
(٣) (٣ - ٣): سَاقِطٌ مِنْ (ا)، (ب) .
(٤) ا: فِي الْأَزَلِ وَجَبَ الْمُقَارَنَةُ؛ ب: فِي الْأَزَلِ وَجَبَتِ الْمُقَارَنَةُ.
(٥) ن، م: كَمَا يَقُولُهُ كَثِيرٌ.
(٦) ن: هَذِهِ الطَّرِيقَةَ؛ ا: هَذَا الطَّرِيقَ.
[ ٣٩٣ ]
أَحَدُهَا: ثُبُوتُ حُدُوثِ كُلِّ مَا سِوَى اللَّهِ، حَتَّى إِذَا قُدِّرَ أَنَّ هُنَاكَ مَوْجُودًا سِوَى الْأَجْسَامِ - كَمَا يَقُولُ مَنْ يُثْبِتُ الْعُقُولَ وَالنُّفُوسَ مِنَ الْمُتَفَلْسِفَةِ وَالْمُتَكَلِّمَةِ: إِنَّهَا جَوَاهِرٌ قَائِمَةٌ بِأَنْفُسِهَا وَلَيْسَتْ أَجْسَامًا - فَإِنَّ هَذِهِ الطَّرِيقَ (١) يُعْلَمُ بِهَا حُدُوثُ ذَلِكَ.
وَطَائِفَةٌ مِنْ مُتَأَخِّرِي أَهْلِ الْكَلَامِ - كَالشَّهْرَسْتَانِيِّ (٢) . وَالرَّازِيِّ وَالْآمِدِيِّ وَغَيْرِهِمْ - قَالُوا: إِنَّ قُدَمَاءَ أَهْلِ الْكَلَامِ لَمْ يُقِيمُوا دَلِيلًا عَلَى نَفْيِ هَذِهِ، وَدَلِيلُهُمْ عَلَى حُدُوثِ الْأَجْسَامِ لَا يَتَنَاوَلُ هَذِهِ.
وَقَدْ بُيِّنَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ أَنَّ هَؤُلَاءِ النُّظَّارَ - كَأَبِي الْهُذَيْلِ وَالنَّظَّامِ (٣) وَالْهِشَامَيْنِ (٤) وَابْنِ كُلَّابٍ وَابْنِ كَرَّامٍ وَالْأَشْعَرِيِّ وَالْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ (٥) [وَأَبِي الْمَعَالِي]
_________________
(١) ن، م: هَذِهِ طَرِيقٌ.
(٢) أَبُو الْفَتْحِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ أَحْمَدَ الشَّهْرَسْتَانِيُّ، وُلِدَ سَنَةَ ٤٧٩، وَتُوُفِّيَ سَنَةَ ٥٤٨. كَانَ مِنْ أَئِمَّةِ الْأَشَاعِرَةِ وَلَهُ اطِّلَاعٌ وَاسِعٌ عَلَى الْفَلْسَفَةِ وَالْمَقَالَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ، وَمِنْ أَشْهَرِ كُتُبِهِ: كِتَابُ " الْمِلَلِ وَالنِّحَلِ "، وَكِتَابُ: " نِهَايَةِ الْأَقْدَامِ فِي عِلْمِ الْكَلَامِ ". تَرْجَمَتُهُ فِي: طَبَقَاتِ الشَّافِعِيَّةِ ٦/١٢٨ - ١٣٠؛ وَفَيَاتِ الْأَعْيَانِ ٣/٤٠٣ - ٤٠٤؛ الْأَعْلَامِ ٧/٨٣ ٨٤. وَانْظُرْ: يَاقُوتَ: مُعْجَمَ الْبُلْدَانِ، مَادَّةَ شَهْرَسْتَانَ.
(٣) إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَيَّارِ بْنِ هَانِئٍ الْبَصْرِيُّ، وَيُعْرَفُ بِالنَّظَّامِ، تُوُفِّيَ سَنَةَ ٢٣١ وَقِيلَ: سَنَةَ ٢٢١ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَيُعَدُّ أَعْظَمَ شُيُوخِ الْمُعْتَزِلَةِ، وَهُوَ رَأْسُ الْفِرْقَةِ النَّظَّامِيَّةِ. انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ وَالْكَلَامَ عَلَى مَذْهَبِهِ وَفِرْقَتِهِ فِي كِتَابِ: " إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَيَّارٍ النَّظَّامِ " تَأْلِيفُ الدُّكْتُورِ مُحَمَّدْ عَبْدِ الْهَادِي أَبُو رِيدَهْ، الْقَاهِرَةَ ١٣٦٥/١٩٤٦؛ الْفَرْقِ بَيْنَ الْفِرَقِ، ص ٧٩ - ٩١؛ الْمِلَلِ وَالنِّحَلِ ١/٥٦ - ٦١؛ تَارِيخِ بَغْدَادَ ٦/٩٧؛ أَمَالِي الْمُرْتَضَى ١/١٣٢؛ خُطَطِ الْمَقْرِيزِيِّ ١/٣٤٦؛ اللُّبَابِ فِي تَهْذِيبِ الْأَنْسَابِ ٢/٢٣٠، الْأَعْلَامِ ١/٣٦.
(٤) ن: وَالْهِشَامِيِّينَ. وَالْمَقْصُودُ بِالْهِشَامَيْنِ: هِشَامُ بْنُ الْحَكَمِ، وَهِشَامُ بْنُ سَالِمٍ الْجَوَالِيقِيُّ وَسَبَقَ الْكَلَامُ عَنْهُمَا (ص ٧١ ت [٠ - ٩]، ٤) .
(٥) مُحَمَّدُ بْنُ الطَّيِّبِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَبُو بَكْرٍ الْقَاضِي الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْبَاقِلَّانِيِّ، أَوِ الْبَاقِلَّانِيِّ، وُلِدَ بِالْبَصْرَةِ فِي الرُّبُعِ الْأَخِيرِ مِنَ الْقَرْنِ الرَّابِعِ، وَعَاشَ فِي بَغْدَادَ، وَتُوُفِّيَ بِهَا سَنَةَ ٤٠٣، وَهُوَ يُعَدُّ أَعْظَمَ الْأَشَاعِرَةِ بَعْدَ الْأَشْعَرِيِّ، وَقَدْ أَلَّفَ كُتُبًا كَثِيرَةً نَقَدَ فِيهَا الْفَلْسَفَةَ وَالْمَنْطِقَ وَالْمِلَلَ الْمُخْتَلِفَةَ. وَمِنْ أَهَمِّهَا كِتَابُ " الدَّقَائِقِ " وَهُوَ مَفْقُودٌ. تَرْجَمَتُهُ فِي: شَذَرَاتِ الذَّهَبِ ٣/١٦٠ - ١٧٠؛ تَبْيِينِ كَذِبِ الْمُفْتَرَى، ص ٢١٧ - ٢٢٦؛ وَفَيَاتِ الْأَعْيَانِ ٤/٤٠٠ - ٤٠١؛ تَارِيخِ بَغْدَادَ ٥/٣٧٩ - ٣٨٣؛ الْأَعْلَامِ ٧/٤٦.
[ ٣٩٤ ]
(١) وَأَبِي عَلِيٍّ (٢) وَأَبِي هَاشِمٍ وَأَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ (٣) وَأَبِي بَكْرِ بْنِ الْعَرَبِيِّ (٤) وَأَبِي الْحَسَنِ التَّمِيمِيِّ وَالْقَاضِي أَبِي يَعْلَى وَ[أَبِي الْوَفَاءِ] بْنِ عَقِيلٍ
_________________
(١) وَأَبِي الْمَعَالِي: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن)، (م) . وَهُوَ أَبُو الْمَعَالِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ الْجُوَيْنِيُّ، وَيُلَقَّبُ بِإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ. وُلِدَ بِنَيْسَابُورَ سَنَةَ ٤١٩، وَتُوُفِّيَ بِهَا سَنَةَ ٤٧٨، بَعْدَ أَنْ تَوَلَّى التَّدْرِيسَ بِالْمَدْرَسَةِ النِّظَامِيَّةِ مُدَّةَ ثَلَاثِينَ عَامًا. وَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ أَئِمَّةِ الْأَشَاعِرَةِ، وَقَدْ تَتَلْمَذَ عَلَيْهِ الْغَزَالِيُّ. تَرْجَمَتُهُ فِي: شَذَرَاتِ الذَّهَبِ ٣/٣٥٨ - ٣٦٢؛ تَبْيِينِ كَذِبِ الْمُفْتَرَى، ص ٢٧٨ - ٢٨٥؛ طَبَقَاتِ الشَّافِعِيَّةِ ٥/١٦٥ - ٢٢٢؛ وَفَيَاتِ الْأَعْيَانِ ٢/٣٤١ - ٣٤٣؛ الْأَعْلَامِ ٤/٣٠٦.
(٢) أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْجُبَّائِيُّ الْمِصْرِيُّ وَالِدُ أَبِي هَاشِمٍ الْجُبَّائِيِّ (سَبَقَ الْكَلَامُ عَنْهُ: ص [٠ - ٩] ٧٨ ت [٠ - ٩]) . وَالْفِرْقَةُ الَّتِي تُنْسَبُ إِلَيْهِ هِيَ فِرْقَةُ الْجُبَّائِيَّةِ مِنْ فِرَقِ الْمُعْتَزِلَةِ بِالْبَصْرَةِ، وَقَدْ وُلِدَ سَنَةَ ٢٣٥، وَتُوُفِّيَ سَنَةَ ٣٠٣. انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ وَالْكَلَامَ عَلَى مَذْهَبِهِ فِي: ابْنِ الْمُرْتَضَى: الْمُنْيَةُ وَالْأَمَلُ فِي شَرْحِ كِتَابِ الْمِلَلِ وَالنِّحَلِ، ص [٠ - ٩] ٥ - ٤٨، حَيْدَرَ آبَادَ، ١٣١٦؛ شَذَرَاتِ الذَّهَبِ ٢/٢٤١؛ طَبَقَاتِ الشَّافِعِيَّةِ ٣/٤١٨؛ الْفَرْقِ بَيْنَ الْفِرَقِ، ص ١١٠ - ١١١؛ الْمِلَلِ وَالنِّحَلِ ١١٨ - ١٢٩؛ لِسَانِ الْمِيزَانِ ٥/٢٧١؛ وَفَيَاتِ الْأَعْيَانِ ٣/٣٩٨ - ٣٩٩، اللُّبَابِ ١/٢٠٨؛ الْأَعْلَامِ ٧/١٣٦؛ تَارِيخِ الْأَدَبِ الْعَرَبِيِّ لِبُرُوكِلْمَانَ ٤/٣١ - ٣٢.
(٣) أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الطَّيِّبُ الْبَصْرِيُّ، مِنْ مُتَأَخِّرِي الْمُعْتَزِلَةِ، تُوُفِّيَ سَنَةَ ٤٣٦. وَانْظُرْ تَرْجَمَتَهُ وَالْكَلَامَ عَلَى مَذْهَبِهِ فِي: شَذَرَاتِ الذَّهَبِ ٣/٢٥٩؛ وَفَيَاتِ الْأَعْيَانِ ٣/٤٠١ - ٤٠٢؛ الْمِلَلِ وَالنِّحَلِ ١/١٣٠ - ١٣١؛ تَارِيخِ بَغْدَادَ ٣/١٠٠؛ لِسَانِ الْمِيزَانِ ٥/٥٩٨؛ نِهَايَةِ الْإِقْدَامِ ص ١٥١، ١٧٥، ١٧٧، ٢٢١، ٢٥٧.
(٤) وَأَبِي بَكْرِ بْنِ الْعَرَبِيِّ: جَاءَتْ فِي (ن)، (م) فِي آخِرِ الْأَسْمَاءِ الْوَارِدَةِ وَهُوَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْعَرَبِيِّ الْمُعَافِرِيُّ، وُلِدَ سَنَةَ ٤٨٦، وَتُوُفِّيَ سَنَةَ ٥٤٣؛ وَهُوَ مِنْ أَئِمَّةِ الْمَالِكِيَّةِ بِالْأَنْدَلُسِ. تَرْجَمَتُهُ فِي: وَفَيَاتِ الْأَعْيَانِ ٣/٤٢٣ - ٤٢٤. وَانْظُرْ مُقَدِّمَةَ " الْعَوَاصِمِ مِنَ الْقَوَاصِمِ " بِقَلَمِ الْأُسْتَاذِ: مُحِبِّ الدِّينِ الْخَطِيبِ، الْمَطْبَعَةُ السَّلَفِيَّةُ، الْقَاهِرَةَ، ١٣٧١؛ نَفْحَ الطِّيبِ ٢/٤١٥ - ٤١٦؛ الْأَعْلَامَ ٧/١٠٦.
[ ٣٩٥ ]
وَأَبِي الْحَسَنِ بْنِ الزَّاغُونِيِّ (١) وَغَيْرِ هَؤُلَاءِ (٢) - يُثْبِتُونَ (٣) امْتِنَاعَ وُجُودِ (٤) مَوْجُودٍ مُمْكِنٍ قَائِمٍ بِنَفْسِهِ لَا يُشَارُ إِلَيْهِ، فَبَيَّنُوا بُطْلَانَ ثُبُوتِ تِلْكَ الْمُجَرَّدَاتِ فِي الْخَارِجِ، لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ أَبْطَلَ ثُبُوتَ مَا لَا يُشَارُ إِلَيْهِ مُطْلَقًا، وَمِنْهُمْ مَنْ أَبْطَلَ ذَلِكَ فِي الْمُمْكِنَاتِ.
وَمِمَّا يُسْتَفَادُ بِهَذِهِ الطَّرِيقِ الَّتِي قَرَّرْنَاهَا: الْخَلَاصُ عَنْ إِثْبَاتِ الْحُدُوثِ بِلَا سَبَبٍ حَادِثٍ، وَالْخَلَاصُ عَنْ نَفْيِ مَا يَقُومُ بِذَاتِ اللَّهِ مِنْ صِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ.
وَمِمَّا يُسْتَفَادُ بِذَلِكَ: أَنَّهَا بُرْهَانٌ بَاهِرٌ عَلَى بُطْلَانِ قَوْلِ الْقَائِلِينَ بِقِدَمِ الْعَالَمِ أَوْ شَيْءٍ مِنْهُ، وَهُوَ مُتَضَمِّنٌ الْجَوَابَ (٥) عَنْ عُمْدَتِهِمْ.
وَمِمَّا يُسْتَفَادُ بِذَلِكَ: الِاسْتِدْلَالُ عَلَى الْمَطْلُوبِ مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إِلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْمُوجِبِ بِالذَّاتِ وَالْفَاعِلِ بِالِاخْتِيَارِ. وَذَلِكَ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ أَهْلِ النَّظَرِ غَلِطُوا فِي الْفَرْقِ بَيْنَ هَذَا وَهَذَا، مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَالشِّيعَةِ، وَصَارَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ كَالرَّازِيِّ وَأَمْثَالِهِ مُضْطَرِبِينَ فِي هَذَا الْمَقَامِ، فَتَارَةً يُوَافِقُونَ الْمُعْتَزِلَةَ عَلَى الْفَرْقِ وَتَارَةً يُخَالِفُونَهُمْ. وَإِذَا خَالَفُوهُمْ فَهُمْ مُتَرَدِّدُونَ بَيْنَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَبَيْنَ الْفَلَاسِفَةِ أَتْبَاعِ أَرِسْطُو.
وَأَصْلُ ذَلِكَ أَنَّا نَعْلَمُ أَنَّ الْقَادِرَ الْمُخْتَارَ يَفْعَلُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ، لَكِنْ هَلْ يَجِبُ وُجُودُ الْمَفْعُولِ عِنْدَ وُجُودِ الْإِرَادَةِ الْجَازِمَةِ وَالْقُدْرَةِ التَّامَّةِ أَمْ لَا؟ .
_________________
(١) ن، م: وَابْنِ عَقِيلٍ وَابْنِ الزَّاغُونِيِّ.
(٢) وَغَيْرِ هَؤُلَاءِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ا)، (ب) .
(٣) ن: لَا يُثْبِتُوا؛ ا: يُثْبِتُوا.
(٤) وُجُودِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ا)، (ب) .
(٥) ن، م: وَهُوَ مُتَضَمِّنٌ لِلْحَوَادِثِ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ.
[ ٣٩٦ ]
فَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ الْمُثْبِتِينَ لِلْقَدَرِ، وَغَيْرِهِمْ مِنْ نُفَاةِ الْقَدَرِ، أَنَّهُ يَجِبُ وُجُودُ الْمَفْعُولِ (١) عِنْدَ وُجُودِ الْمُقْتَضَى التَّامِّ، وَهُوَ الْإِرَادَةُ الْجَازِمَةُ وَالْقُدْرَةُ التَّامَّةُ.
وَطَائِفَةٌ [أُخْرَى] (٢) مِنْ مُثْبِتَةِ الْقَدَرِ: الْجَهْمِيَّةُ وَمُوَافِقِيهِمْ، وَمِنْ نُفَاةِ الْقَدَرِ: الْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ لَا تُوجِبُ (٣) ذَلِكَ، بَلْ يَقُولُونَ: الْقَادِرُ هُوَ الَّذِي يَفْعَلُ عَلَى وَجْهِ الْجَوَازِ لَا عَلَى وَجْهِ الْوُجُوبِ، وَيَجْعَلُونَ هَذَا هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُوجِبِ بِالذَّاتِ. وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: إِنَّ الْقَادِرَ الْمُخْتَارَ يُرَجِّحُ أَحَدَ مَقْدُورَيْهِ عَلَى الْآخَرِ بِلَا مُرَجِّحٍ، كَالْجَائِعِ مَعَ الرَّغِيفَيْنِ وَالْهَارِبِ مَعَ الطَّرِيقَيْنِ.
ثُمَّ الْقَدَرِيَّةُ مِنْ هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: الْعَبْدُ قَادِرٌ يُرَجِّحُ أَحَدَ مَقْدُورَيْهِ بِلَا مُرَجِّحٍ، كَمَا يَقُولُونَ مِثْلَ ذَلِكَ فِي الرَّبِّ. وَلِهَذَا كَانَ [مِنْ] (٤) قَوْلِ هَؤُلَاءِ الْقَدَرِيَّةِ: إِنَّ اللَّهَ لَمْ يُنْعِمْ عَلَى أَهْلِ الطَّاعَةِ بِنِعَمٍ (٥) خَصَّهُمْ بِهَا حَتَّى أَطَاعُوهُ بِهَا (٦)، بَلْ تَمْكِينُهُ لِلْمُطِيعِ وَغَيْرِهِ سَوَاءٌ؛ لَكِنَّ هَذَا رَجَّحَ الطَّاعَةَ بِلَا مُرَجِّحٍ، بَلْ بِمُجَرَّدِ قُدْرَتِهِ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ أَوَجَبَ ذَلِكَ، وَهَذَا رَجَّحَ الْمَعْصِيَةَ بِمُجَرَّدِ قُدْرَتِهِ، مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ أَوْجَبَ ذَلِكَ.
وَأَمَّا الْجَبْرِيَّةُ - كَجَهْمٍ وَأَصْحَابِهِ - فَعِنْدَهُمْ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْعَبْدِ قُدْرَةٌ أَلْبَتَّةَ.
_________________
(١) ا، ب: الْفِعْلِ.
(٢) أُخْرَى: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن)، (م) .
(٣) فِي جَمِيعِ النُّسَخِ: لَا يُوجِبُ.
(٤) مِنْ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن)، (م) .
(٥) ن، م: بِنِعْمَةٍ.
(٦) بِهَا: سَاقِطَةٌ مِنْ (ا)، (ب) .
[ ٣٩٧ ]
وَالْأَشْعَرِيُّ يُوَافِقُهُمْ فِي الْمَعْنَى فَيَقُولُ: لَيْسَ لِلْعَبْدِ قُدْرَةٌ (١) مُؤَثِّرَةٌ، وَيُثْبِتُ شَيْئًا يُسَمِّيهِ قُدْرَةً يَجْعَلُ وُجُودَهُ كَعَدَمِهِ، وَكَذَلِكَ الْكَسْبُ الَّذِي يُثْبِتُهُ.
وَهَؤُلَاءِ لَا (٢) يُمْكِنُهُمْ أَنْ يَحْتَجُّوا عَلَى بُطْلَانِ قَوْلِ الْقَدَرِيَّةِ بِأَنَّ رُجْحَانَ فَاعِلِيَّةِ الْعَبْدِ عَلَى تَارِكِيَّتِهِ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ مُرَجِّحٍ - كَمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ الرَّازِيُّ وَطَائِفَةٌ مِنَ الْجَبْرِيَّةِ - وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرِ الْأَشْعَرِيُّ وَقُدَمَاءُ أَصْحَابِهِ هَذِهِ الْحُجَّةَ.
وَطَائِفَةٌ مِنَ النَّاسِ - كَالرَّازِيِّ وَأَتْبَاعِهِ - إِذَا نَاظَرُوا الْمُعْتَزِلَةَ فِي مَسَائِلِ الْقَدَرِ أَبْطَلُوا هَذَا الْأَصْلَ، وَبَيَّنُوا (٣) أَنَّ الْفِعْلَ يَجِبُ وُجُودُهُ عِنْدَ وُجُودِ الْمُرَجِّحِ التَّامِّ، وَأَنَّهُ يُمْتَنَعُ فِعْلُهُ بِدُونِ الْمُرَجِّحِ التَّامِّ، وَنَصَرُوا (٤) أَنَّ الْقَادِرَ الْمُخْتَارَ لَا يُرَجِّحُ أَحَدَ مَقْدُورَيْهِ عَلَى الْآخَرِ إِلَّا بِالْمُرَجِّحِ [التَّامِّ] (٥) . وَإِذَا نَاظَرُوا الْفَلَاسِفَةَ فِي مَسْأَلَةِ حُدُوثِ الْعَالَمِ وَإِثْبَاتِ الْفَاعِلِ الْمُخْتَارِ، وَإِبْطَالِ قَوْلِهِمْ بِالْمُوجِبِ بِالذَّاتِ، سَلَكُوا مَسْلَكَ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْجَهْمِيَّةِ فِي الْقَوْلِ بِأَنَّ الْقَادِرَ الْمُخْتَارَ يُرَجِّحُ أَحَدَ مَقْدُورَيْهِ عَلَى الْآخَرِ بِلَا مُرَجِّحٍ، وَعَامَّةُ الَّذِينَ سَلَكُوا مَسْلَكَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْخَطِيبِ (٦) وَأَمْثَالِهِ (٧) تَجِدُهُمْ يَتَنَاقَضُونَ هَذَا التَّنَاقُضَ.
_________________
(١) ن، م: لَيْسَ لَهُ قُدْرَةٌ.
(٢) لَا: سَاقِطَةٌ مِنْ (ا)، (ب) .
(٣) ن، م: وَأَثْبَتُوا.
(٤) ا: وَيَنْصُرُوا؛ ب: وَيَنْصُرُونَ.
(٥) ن، م: إِلَّا بِمُرَجِّحٍ.
(٦) ن، م: ابْنِ الْخَطِيبِ. وَهُوَ فَخْرُ الدِّينِ الرَّازِيُّ، وَسَبَقَتْ تَرْجَمَتُهُ (ص ١٦٨ ت [٠ - ٩]) .
(٧) ن، م: وَأَمْثَالِهِمْ
[ ٣٩٨ ]
وَفَصْلُ الْخِطَابِ أَنْ يُقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ يُرَادُ بِلَفْظِ الْمُوجِبِ بِالذَّاتِ؟ إِنْ عُنِيَ [بِهِ] (١) أَنَّهُ يُوجِبُ بِذَاتٍ مُجَرَّدَةٍ عَنِ الْمَشِيئَةِ وَالْقُدْرَةِ، فَهَذِهِ الذَّاتُ لَا حَقِيقَةَ لَهَا وَلَا ثُبُوتَ فِي الْخَارِجِ، فَضْلًا عَنْ أَنْ تَكُونَ مُوجِبَةً.
وَالْفَلَاسِفَةُ يَتَنَاقَضُونَ، فَإِنَّهُمْ يُثْبِتُونَ لِلْأَوَّلِ غَايَةً، وَيُثْبِتُونَ الْعِلَلَ الْغَائِيَّةَ فِي إِبْدَاعِهِ، وَهَذَا يَسْتَلْزِمُ الْإِرَادَةَ.
وَإِذَا فَسَّرُوا الْغَايَةَ بِمُجَرَّدِ الْعِلْمِ، وَجَعَلُوا الْعِلْمَ مُجَرَّدَ الذَّاتِ، كَانَ هَذَا فِي غَايَةِ الْفَسَادِ وَالتَّنَاقُضِ، فَإِنَّا نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ الْإِرَادَةَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ الْعِلْمِ، وَأَنَّ الْعِلْمَ لَيْسَ هُوَ مُجَرَّدُ (٢) الْعَالَمِ، لَكِنَّ هَذَا مِنْ تَنَاقُضِ هَؤُلَاءِ الْفَلَاسِفَةِ فِي هَذَا الْبَابِ، فَإِنَّهُمْ يَجْعَلُونَ الْمَعَانِيَ الْمُتَعَدِّدَةَ مَعْنًى وَاحِدًا (٣)، فَيَجْعَلُونَ الْعِلْمَ هُوَ الْقُدْرَةُ وَهُوَ الْإِرَادَةُ، وَيَجْعَلُونَ الصِّفَةَ هِيَ نَفْسُ الْمَوْصُوفِ، كَمَا يَجْعَلُونَ الْعِلْمَ هُوَ [نَفْسُ] (٤) الْعَالِمِ، وَالْقَادِرَ هُوَ الْقُدْرَةُ، وَالْإِرَادَةَ هِيَ الْمُرِيدُ، وَالْعِشْقَ هُوَ الْعَاشِقُ.
وَهَذَا قَدْ صَرَّحَ بِهِ فُضَلَاؤُهُمْ - وَحَتَّى الْمُنْتَصِرُونَ لَهُمْ - مِثْلُ ابْنِ رُشْدٍ الْحَفِيدِ، الَّذِي رَدَّ عَلَى [أَبِي حَامِدٍ] الْغَزَالِيِّ (٥) فِي " تَهَافُتِ التَّهَافُتِ (٦) " وَأَمْثَالِهِ.
وَأَيْضًا: فَلَوْ قُدِّرَ وُجُودُ ذَاتٍ مُجَرَّدَةٍ عَنِ الْمَشِيئَةِ وَالِاخْتِيَارِ، فَيُمْتَنَعُ أَنْ يَكُونَ الْعَالَمُ صَادِرًا عَنْ مُوجِبٍ بِالذَّاتِ بِهَذَا التَّفْسِيرِ؛ لِأَنَّ الْمُوجِبَ
_________________
(١) بِهِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) .
(٢) مُجَرَّدُ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ا)، (ب) .
(٣) ن، م: فِي مَعْنًى وَاحِدٍ.
(٤) نَفْسُ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن)، (م) .
(٥) ن، م: عَلَى الْغَزَالِيِّ.
(٦) ا، ب: تَهَافُتِ الْفَلَاسِفَةُ.
[ ٣٩٩ ]
بِالذَّاتِ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ يَسْتَلْزِمُ مُوجِبَهُ وَمُقْتَضَاهُ، فَلَوْ كَانَ مُبْدِعُ الْعَالَمِ مُوجِبًا بِالذَّاتِ بِهَذَا التَّفْسِيرِ، لَزِمَ أَنْ لَا يَحْدُثَ فِي الْعَالَمِ شَيْءٌ، وَهُوَ خِلَافُ الْمُشَاهَدَةِ. فَقَوْلُهُمْ بِالْمُوجِبِ بِالذَّاتِ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ صِفَاتِهِ وَنَفْيَ أَفْعَالِهِ وَنَفْيَ حُدُوثِ شَيْءٍ مِنَ الْعَالَمِ، وَهَذَا كُلُّهُ مَعْلُومُ الْبُطْلَانِ.
وَأَبْطَلُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُمْ جَعَلُوهُ وَاحِدًا بَسِيطًا، وَقَالُوا: إِنَّهُ لَا يَصْدُرُ عَنْهُ إِلَّا وَاحِدٌ، ثُمَّ احْتَالُوا فِي صُدُورِ الْكَثْرَةِ عَنْهُ بِحِيَلٍ تَدُلُّ عَلَى عَظِيمِ (١) حَيْرَتِهِمْ وَجَهْلِهِمْ بِهَذَا الْبَابِ، كَقَوْلِهِمْ: إِنَّ الصَّادِرَ الْأَوَّلَ هُوَ الْعَقْلُ الْأَوَّلُ، وَهُوَ مَوْجُودٌ، وَاجِبٌ بِغَيْرِهِ، مُمْكِنٌ بِنَفْسِهِ، فَفِيهِ ثَلَاثُ جِهَاتٍ، فَصَدَرَ عَنْهُ بِاعْتِبَارِ وُجُوبِهِ عَقْلٌ آخَرُ، وَبِاعْتِبَارِ وَجُودِهِ نَفْسٌ، وَبِاعْتِبَارِ إِمْكَانِهِ [فَلَكٌ. وَرُبَّمَا قَالُوا: وَبِاعْتِبَارِ وَجُودِهِ صُورَةُ الْفَلَكِ، وَبِاعْتِبَارِ إِمْكَانِهِ] (٢) مَادَّتُهُ. وَهُمْ مُتَنَازِعُونَ فِي النَّفْسِ الْفَلَكِيَّةِ: هَلْ هِيَ جَوْهَرٌ مُفَارِقٌ لَهُ، [أَمْ] (٣) عَرَضٌ قَائِمٌ بِهِ (٤)؟ .
وَلِهَذَا أَطْنَبَ النَّاسُ فِي بَيَانِ فَسَادِ كَلَامِهِمْ، وَذَلِكَ أَنَّ هَذَا الْوَاحِدَ الَّذِي فَرَضُوهُ لَا يُتَصَوَّرُ وُجُودُهُ إِلَّا فِي الْأَذْهَانِ لَا فِي الْأَعْيَانِ. ثُمَّ قَوْلُهُمْ: الْوَاحِدُ لَا يَصْدُرُ عَنْهُ إِلَّا وَاحِدٌ قَضِيَّةٌ كُلِّيَّةٌ، وَهُمْ لَوْ عَلِمُوا ثُبُوتَهَا فِي [بَعْضِ] (٥) الصُّوَرِ، لَمْ يَلْزَمْ أَنْ تَكُونَ كُلِّيَّةً إِلَّا بِقِيَاسِ التَّمْثِيلِ، فَكَيْفَ وَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ وَاحِدًا صَدَرَ عَنْهُ شَيْءٌ؟ .
_________________
(١) ا، ب: عِظَمِ.
(٢) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن)، (م) .
(٣) أَمْ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن)، (م) .
(٤) ا، ب: هَلْ هِيَ جَوْهَرٌ مُفَارِقٌ أَمْ عَرَضٌ قَائِمٌ.
(٥) بَعْضِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) فَقَطْ.
[ ٤٠٠ ]
وَمَا (١) يُمَثِّلُونَ بِهِ مِنْ صُدُورِ التَّسْخِينِ عَنِ النَّارِ وَالتَّبْرِيدِ عَنِ الْمَاءِ بَاطِلٌ، فَإِنَّ تِلْكَ الْآثَارَ لَا تَصْدُرُ إِلَّا عَنْ شَيْئَيْنِ: فَاعِلٌ وَقَابِلٌ، وَالْأَوَّلُ تَعَالَى كُلُّ مَا سِوَاهُ صَادِرٌ عَنْهُ، لَيْسَ هُنَاكَ قَابِلٌ مَوْجُودٌ.
وَإِنْ قَالُوا: الْمَاهِيَّاتُ الثَّابِتَةُ فِي الْخَارِجِ الْغَنِيَّةُ عَنِ الْفَاعِلِ هِيَ الْقَابِلُ، كَانَ هَذَا بَاطِلًا مِنْ وُجُوهٍ: مِنْهَا: أَنَّ هَذَا بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِمُ الْفَاسِدِ، وَهُوَ إِثْبَاتُ مَاهِيَّاتٍ مَوْجُودَةٍ فِي الْخَارِجِ مُغَايِرَةٍ لِلْأَعْيَانِ الْمَوْجُودَةِ، وَهَذَا بَاطِلٌ قَطْعًا. وَمَا يَذْكُرُونَهُ مِنْ أَنَّ الْمُثَلَّثَ (٢) يُتَصَوَّرُ قَبْلَ أَنْ يُعْلَمَ وُجُودُهُ لَا يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ (٣) الْمُثَلَّثِ (٤) فِي الْخَارِجِ، بَلْ يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِهِ فِي الذِّهْنِ، وَلَا رَيْبَ فِي حُصُولِ الْفَرْقِ بَيْنَ مَا فِي الْأَذْهَانِ وَمَا فِي الْأَعْيَانِ. وَمِنْ هُنَا كَثُرَ غَلَطُهُمْ، فَإِنَّهُمْ تَصَوَّرُوا أُمُورًا فِي الْأَذْهَانِ، فَظَنُّوا ثُبُوتَهَا فِي الْأَعْيَانِ، كَالْعُقُولِ وَالْمَاهِيَّاتِ الْكُلِّيَّةِ وَالْهَيُولَى وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَمِنْهَا: أَنَّ الْمَاهِيَّاتِ هِيَ بِحَسَبِ مَا يُوجَدُ، فَكُلُّ مَا وُجِدَ لَهُ عِنْدَهُمْ مَاهِيَّةٌ، كَمَا يَقُولُهُ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ الْمَعْدُومَ شَيْءٌ، مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَالشِّيعَةِ، فَلَا يَجُوزُ (٥) قَصْرُ الْمَوْجُودَاتِ عَلَى أُمُورٍ لِتَوَهُّمِ (٦) أَنَّهُ لَا مَاهِيَّةَ تَقْبَلُ الْوُجُودَ غَيْرَهَا.
_________________
(١) ن: وَمِمَّا؛ م: مِمَّا.
(٢) ا، ب: الْمُثْبَتَ.
(٣) ا، ب: ثَبَاتِ.
(٤) ا، ب: الْمُثْبَتِ.
(٥) ن: وَمِنْهَا فَلَا يَجُوزُ؛ ا، ب: وَحِينَئِذٍ فَلَا يَجُوزُ.
(٦) ن، م: كَتَوَهُّمِ.
[ ٤٠١ ]
وَمِنْهَا: أَنْ يُقَالَ: الْمَاهِيَّاتُ الْمُمْكِنَةُ فِي نَفْسِهَا لَا نِهَايَةَ لَهَا.
وَمِنْهَا: أَنْ يُقَالَ: الْوَاحِدُ الْمَشْهُودُ الَّذِي تَصْدُرُ عَنْهُ الْآثَارُ لَهُ قَوَابِلُ مَوْجُودَةٌ، وَالْبَارِي تَعَالَى هُوَ الْمُبْدِعُ لِوُجُودِ كُلِّ مَا سِوَاهُ، فَلَا يُعْلَمُ أَمْرٌ صَادِرٌ عَنْ مُمْكِنٍ إِلَّا عَنْ شَيْئَيْنِ فَصَاعِدًا، مَعَ أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ هُنَاكَ مَانِعٌ يَمْنَعُ التَّأْثِيرَ (١)، وَلَيْسَ فِي الْمَوْجُودَاتِ مَا يَصْدُرُ عَنْهُ وَحْدَهُ شَيْءٌ إِلَّا اللَّهُ [تَعَالَى] (٢) .