وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ فِي غَايَةِ الْفَسَادِ، وَأَمَّا الْأَوَّلُونَ فَيَقُولُونَ: إِنَّ النَّفْسَ عَشِقَتِ الْهَيُولِي، فَعَجَزَ الرَّبُّ عَنْ تَخْلِيصِهَا مِنَ الْهَيُولِي حَتَّى تَذَوقَ وَبَالَ اجْتِمَاعِهَا بِالْهَيُولِي، وَهُمْ قَالُوا هَذَا فِرَارًا مِنْ حُدُوثِ حَادِثٍ بِلَا سَبَبٍ، وَقَدْ وَقَعُوا فِيمَا فَرُّوا مِنْهُ، وَهُوَ حُدُوثُ مَحَبَّةِ النَّفْسِ لِلْهَيُولِي، فَيُقَالُ لَهُمْ: مَا الْمُوجِبُ لِذَلِكَ؟ فَقَدْ لَزِمَهُمْ حُدُوثُ حَادِثٍ بِلَا سَبَبٍ، وَلَزِمَهُمْ مَا هُوَ أَشْنَعُ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ حُدُوثُ الْحَوَادِثِ بِدُونِ صُدُورِهَا عَنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَالْقَوْلُ بِقُدَمَاءَ مَعَهُ.
فَإِنْ قَالُوا بِوُجُوبِ (١) وُجُودِهَا لَزِمَ كَوْنُ وَاجِبِ الْوُجُودِ مُسْتَحِيلًا مَوْصُوفًا بِمَا يَسْتَلْزِمُ حُدُوثَهُ وَنَقْصَهُ وَإِمْكَانَهُ.
وَإِنْ لَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً بِأَنْفُسِهَا، بَلْ بِهِ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ مُوجِبًا لَهَا دُونَ غَيْرِهَا، وَالْعِلَّةُ الْقَدِيمَةُ تَسْتَلْزِمُ مَعْلُولَهَا، فَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ تَغَيُّرُ (٢) مَعْلُولِهَا، وَاسْتِحَالَتُهُ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ بِدُونِ فِعْلٍ مِنْهَا، وَاسْتِحَالَةُ (٣) الْمَعْلُولِ اللَّازِمِ بِدُونِ تَغَيُّرٍ فِي الْعِلَّةِ مُحَالٌ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ مَعْلُولًا لَهَا، وَإِنْ جَوَّزُوا ذَلِكَ، فَلْيُجَوِّزُوا كَوْنَ الْعَالَمِ قَدِيمًا أَزَلِيًّا لَازِمًا لِذَاتِ الرَّبِّ، وَهُوَ مَعَ هَذَا (٤) يَنْتَقِضُ، وَتَنْشَقُّ السَّمَاءُ، وَتَنْفَطِرُ، وَتَقُومُ الْقِيَامَةُ بِدُونِ فِعْلٍ مِنَ الرَّبِّ وَلَا حُدُوثِ شَيْءٍ مِنْهُ أَصْلًا. بَلْ بِمُجَرَّدِ حُدُوثِ حَادِثٍ فِي الْعَالَمِ بِلَا مُحْدَثٍ.
_________________
(١) أ، ب: وَإِنْ قَالُوا: لَوْ وَجَبَ.
(٢) ن (فَقَطْ): نَفْسٌ، وَهُوَ خَطَأٌ.
(٣) ن (فَقَطْ): وَاسْتَحَالَ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ.
(٤) ب (فَقَطْ): وَمَعَ هَذَا.
[ ٢١٠ ]
وَإِنْ قَالُوا: هُوَ بُغْضُ النَّفْسِ لِلْهَيُولِي كَانَ مِنْ جِنْسِ قَوْلِهِمْ: إِنَّ سَبَبَ حُدُوثِهِ مَحَبَّةُ النَّفْسِ لِلْهَيُولِي، فَإِذَا جَازَ أَنْ يَحْدُثَ بِمَحَبَّةِ النَّفْسِ بِدُونِ اخْتِيَارِ الرَّبِّ تَعَالَى جَازَ أَنْ يَنْتَقِضَ بِبُغْضِ النَّفْسِ بِدُونِ اخْتِيَارِ الرَّبِّ.
وَأَمَّا الْآخَرُونَ (١) فَإِنَّهُمْ أَثْبَتُوا حُدُوثَ الْعَالَمِ، فَإِنْ كَانُوا يَنْفُونَ الصَّانِعَ بِالْكُلِّيَّةِ، فَقَدْ قَالُوا بِحُدُوثِ الْحَوَادِثِ (٢) بِلَا مُحْدَثٍ، وَإِنْ كَانُوا يَقُولُونَ بِالصَّانِعِ، فَقَدْ أَثْبَتُوا إِحْدَاثَهُ لِهَذَا النِّظَامِ بِلَا سَبَبٍ حَادِثٍ إِنْ قَالُوا (٣): إِنَّ الرَّبَّ لَمْ يَكُنْ يُحَرِّكُهَا قَبْلَ انْتِظَامِهَا، وَإِنْ قَالُوا: إِنَّهُ كَانَ يُحَرِّكُهَا قَبْلَ انْتِظَامِهَا، ثُمَّ إِنَّهُ أَلَّفَهَا، فَهَؤُلَاءِ قَائِلُونَ بِإِثْبَاتِ الصَّانِعِ وَحُدُوثِ هَذَا الْعَالَمِ، وَقَوْلِهِمْ خَيْرٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِينَ بِقِدَمِ هَذَا الْعَالَمِ.
ثُمَّ إِنَّ قَوْلَهُمْ يَحْتَمِلُ شَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمَا: إِثْبَاتُ شَيْءٍ مِنَ الْعَالَمِ قَدِيمٍ بِعَيْنِهِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُمْ بَعْضَ قَوْلِ الْقَائِلِينَ [بِقِدَمِ هَذَا الْعَالَمِ، وَهُوَ مِنْ جِنْسِ قَوْلِ الْقَائِلِينَ بِالْقُدَمَاءِ الْخَمْسَةِ مِنْ حَيْثُ أَثْبَتُوا قَدِيمًا مُعَيَّنًا غَيْرَ الْأَفْلَاكِ] (٤)، وَهُوَ مِنْ جِنْسِ قَوْلِ أَهْلِ الْأَفْلَاكِ (٥) حَيْثُ أَثْبَتُوا حَوَادِثَ لَمْ تَزَلْ، وَلَا تَزَالُ إِنْ كَانُوا يَقُولُونَ بِأَنَّ تِلْكَ الْمَوَادَّ لَمْ تَزَلْ مُتَحَرِّكَةً، وَإِنْ قَالُوا: بَلْ كَانَتْ سَاكِنَةً، ثُمَّ تَحَرَّكَتْ، فَقَوْلُهُمْ مِنْ جِنْسِ قَوْلِ أَهْلِ الْقُدَمَاءِ الْخَمْسَةِ، فَمَا دَلَّ عَلَى فَسَادِ قَوْلِ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ قَوْلِهِمْ،
_________________
(١) م، ن: وَالْآخَرُونَ.
(٢) م، ن: بِحُدُوثِ الْحُدُوثِ.
(٣) ن، م: بِلَا سَبَبٍ حَادِثٍ. وَإِنْ قَالُوا: وَالصَّوَابُ مَا فِي (ب)، (أ) .
(٤) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) فَقَطْ.
(٥) ن (فَقَطْ): وَمِنْ جِنْسِ (الْعُقَلَاءِ) قَوْلِ أَهْلِ الْأَفْلَاكِ.
[ ٢١١ ]
وَمَا ذَكَرْنَا مِنَ التَّقْسِيمِ يَأْتِي عَلَى كُلِّ قَوْلٍ، وَإِنْ كَانَ كُلُّ قَوْلٍ بَاطِلٍ لَهُ دَلَائِلُ خَاصَّةٌ تَدُلُّ عَلَى فَسَادِهِ.