الْوَجْهُ الرَّابِعُ:
أَنَّ قَوْلَهُ عَنْ أَهْلِ السُّنَّةِ إِنَّهُمْ لَمْ يُثْبِتُوا الْعَدْلَ، وَالْحِكْمَةَ، وَجَوَّزُوا عَلَيْهِ فِعْلَ الْقَبِيحِ، وَالْإِخْلَالَ بِالْوَاجِبِ نَقْلٌ بَاطِلٌ عَنْهُمْ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ كَثِيرًا مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ الَّذِينَ لَا يَقُولُونَ فِي الْخِلَافَةِ بِالنَّصِّ (٦) عَلَى عَلِيٍّ، وَلَا بِإِمَامَةِ الِاثْنَيْ عَشَرَ يُثْبِتُونَ مَا ذَكَرَهُ مِنَ الْعَدْلِ، وَالْحِكْمَةِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي قَالَهُ هُوَ - وَشُيُوخُهُ عَنْ هَؤُلَاءِ أَخَذُوا ذَلِكَ - كَالْمُعْتَزِلَةِ، وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ وَافَقَهُمْ مُتَأَخِّرُو (٧) الرَّافِضَةِ عَلَى الْقَدَرِ، فَنَقَلَهُ عَنْ جَمِيعِ أَهْلِ السُّنَّةِ
_________________
(١) ن، م: فِي حَقِّ الْمُؤْمِنِينَ بِهِ الْمُطِيعِ لَهُ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ.
(٢) بِهِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ)، (ب) .
(٣) بِهِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ)، (ب) .
(٤) عِبَارَةُ " سِوَى عَلِيٍّ ": سَاقِطَةٌ مِنْ (ب) فَقَطْ.
(٥) ن، م: وَالْحَدِيثُ فِي الْإِفْتَاءِ.
(٦) ن، م، أ: أَهْلِ السُّنَّةِ فِي الْخِلَافَةِ الَّذِينَ لَا يَقُولُونَ بِالنَّصِّ. وَالْمُثْبَتُ مِنْ (ب) .
(٧) أ، ب: مِنْ مُتَأَخِّرِي.
[ ١٣٣ ]
- الَّذِينَ هُمْ فِي اصْطِلَاحِهِ، وَاصْطِلَاحِ الْعَامَّةِ [مَنْ] (١) سِوَى الشِّيعَةِ - هَذَا الْقَوْلُ كَذِبٌ بَيِّنٌ (٢) مِنْهُ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ سَائِرَ أَهْلِ السُّنَّةِ الَّذِينَ يُقِرُّونَ بِالْقَدَرِ لَيْسَ فِيهِمْ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ [تَعَالَى] (٣) لَيْسَ بِعَدْلٍ، وَلَا مَنْ يَقُولُ: [إِنَّهُ] (٤) لَيْسَ بِحَكِيمٍ، وَلَا فِيهِمْ مَنْ يَقُولُ: إِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَتْرُكَ. وَاجِبًا، وَلَا أَنْ يَفْعَلَ قَبِيحًا.
فَلَيْسَ فِي الْمُسْلِمِينَ مَنْ يَتَكَلَّمُ بِمِثْلِ هَذَا الْكَلَامِ الَّذِي أَطْلَقَهُ، وَمَنْ أَطْلَقَهُ كَانَ (٥) كَافِرًا مُبَاحَ الدَّمِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ.
وَلَكِنَّ هَذِهِ مَسْأَلَةُ الْقَدَرِ، وَالنِّزَاعُ فِيهَا مَعْرُوفٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ: فَأَمَّا نُفَاةُ الْقَدَرِ - كَالْمُعْتَزِلَةِ، وَنَحْوِهِمْ - فَقَوْلُهُمْ هُوَ الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ مُتَأَخِّرُو الْإِمَامِيَّةِ.
و[أَمَّا] الْمُثْبِتُونَ (٦) لِلْقَدَرِ، وَهُوَ جُمْهُورُ الْأُمَّةِ، وَأَئِمَّتُهَا كَالصَّحَابَةِ، وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ، وَأَهْلُ الْبَيْتِ، وَغَيْرُهُمْ، فَهَؤُلَاءِ تَنَازَعُوا فِي تَفْسِيرِ عَدْلِ اللَّهِ، وَحِكْمَتِهِ، وَالظُّلْمِ الَّذِي يَجِبُ تَنْزِيهُهُ عَنْهُ، وَفِي تَعْلِيلِ أَفْعَالِهِ، وَأَحْكَامِهِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ.
فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: إِنَّ الظُّلْمَ مُمْتَنِعٌ مِنْهُ غَيْرُ مَقْدُورٍ، وَهُوَ مُحَالٌ لِذَاتِهِ كَالْجَمْعِ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ (٧)، وَإِنَّ كُلَّ مُمْكِنٍ مَقْدُورٌ، فَلَيْسَ هُوَ ظُلْمًا، وَهَؤُلَاءِ.
_________________
(١) مَنْ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن)، (م) .
(٢) بَيِّنٌ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ)، (ب) .
(٣) تَعَالَى: لَيْسَتْ فِي (ن)، (م) .
(٤) إِنَّهُ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن)، (م) .
(٥) أ، ب: الْكَلَامُ الَّذِي أَطْلَقَهُ كَانَ. ١
(٦) ن: وَالْمُثْبِتُونَ.
(٧) ن، م: الضِّدَّيْنِ.
[ ١٣٤ ]
هُمُ الَّذِينَ قَصَدُوا الرَّدَّ عَلَيْهِمْ، وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: إِنَّهُ لَوْ عَذَّبَ الْمُطِيعِينَ، وَنَعَّمَ الْعُصَاةَ لَمْ يَكُنْ ظَالِمًا (١)، وَقَالُوا: الظُّلْمُ التَّصَرُّفُ فِيمَا لَيْسَ لَهُ، وَاللَّهُ تَعَالَى لَهُ كُلُّ شَيْءٍ، أَوْ هُوَ مُخَالَفَةُ الْأَمْرِ، وَاللَّهُ لَا آمِرَ لَهُ، وَهَذَا قَوْلُ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ الْمُثْبِتِينَ لِلْقَدَرِ، وَمَنْ وَافَقَهُمْ مِنَ الْفُقَهَاءِ أَصْحَابِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: بَلِ الظُّلْمُ مَقْدُورٌ مُمْكِنٌ، وَاللَّهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ (٢) لَا يَفْعَلُهُ لِعَدْلِهِ، وَلِهَذَا مَدَحَ اللَّهُ نَفْسَهُ (٣) حَيْثُ أَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا، وَالْمَدْحُ إِنَّمَا يَكُونُ بِتَرْكِ الْمَقْدُورِ [عَلَيْهِ] (٤) لَا بِتَرْكِ الْمُمْتَنِعِ.
قَالُوا: وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ [سُورَةُ طه: ١١٢] قَالُوا: الظُّلْمُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ سَيِّئَاتُ غَيْرِهِ وَالْهَضْمُ أَنْ يُهْضَمَ حَسَنَاتُهُ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ - وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [سُورَةُ هُودٍ: ١٠٠ - ١٠١]، فَأَخْبَرَ (٥) أَنَّهُ لَمْ يَظْلِمْهُمْ لَمَّا أَهْلَكَهُمْ، بَلْ أَهْلَكَهُمْ بِذُنُوبِهِمْ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [سُورَةُ الزُّمَرِ: ٦٩]، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْقَضَاءَ بَيْنَهُمْ بِغَيْرِ الْقِسْطِ ظُلْمٌ، وَاللَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْهُ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ [سُورَةُ الْأَنْبِيَاءِ: ٤٧] .
_________________
(١) أ، ب: ظُلْمًا.
(٢) مُنَزَّهٌ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ)، (ب) .
(٣) أ، ب: مَدَحَ نَفْسَهُ.
(٤) عَلَيْهِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن)، (م) .
(٥) ن: وَأَخْبَرَ. وَسَقَطَتِ الْكَلِمَةُ مِنْ (م) .
[ ١٣٥ ]
أَيْ لَا تَنْقُصُ مِنْ حَسَنَاتِهَا، وَلَا (١) تُعَاقَبُ بِغَيْرِ سَيِّئَاتِهَا، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ ظُلْمٌ يُنَزَّهُ اللَّهُ عَنْهُ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ - مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [سُورَةُ ق: ٢٨ - ٢٩]، وَإِنَّمَا نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْ أَمْرٍ يَقْدِرُ عَلَيْهِ لَا عَنِ الْمُمْتَنِعِ (٢) لِنَفْسِهِ.
وَمِثْلُ هَذَا فِي الْقُرْآنِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ اللَّهَ يَنْتَصِفُ مِنَ الْعِبَادِ، وَيَقْضِي بَيْنَهُمْ بِالْعَدْلِ، وَأَنَّ الْقَضَاءَ بَيْنَهُمْ بِغَيْرِ الْعَدْلِ ظُلْمٌ يُنَزَّهُ (٣) اللَّهُ عَنْهُ، وَأَنَّهُ لَا يَحْمِلُ عَلَى أَحَدٍ ذَنْبَ غَيْرِهِ.
وَقَالَ تَعَالَى: (٤) ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [سُورَةُ الْأَنْعَامِ: ١٦٤]، فَإِنَّ ذَلِكَ يُنَزَّهُ اللَّهَ عَنْهُ، بَلْ لِكُلِّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ، [وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ] (٥) .
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - «أَنَّ اللَّهَ [تَعَالَى] (٦) يَقُولُ: (يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا» .) (٧)، فَقَدْ حَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ الظُّلْمَ، كَمَا كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [سُورَةُ الْأَنْعَامِ: ٥٤] .
_________________
(١) أ، ب: فَلَا.
(٢) ن، م: مُمْتَنِعٍ.
(٣) أ، ب: يَتَنَزَّهُ.
(٤) وَقَالَ تَعَالَى: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن)، (م) .
(٥) وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) فَقَطْ.
(٦) تَعَالَى: زِيَادَةٌ فِي (أ)، (ب) .
(٧) سَيَرِدُ هَذَا الْحَدِيثُ بَعْدَ قَلِيلٍ، فَانْظُرْ كَلَامِي عَلَيْهِ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
[ ١٣٦ ]
وَفِي [الْحَدِيثِ] الصَّحِيحِ: (١) («لَمَّا قَضَى اللَّهُ الْخَلْقَ كَتَبَ فِي كِتَابٍ (٢) فَهُوَ مَوْضُوعٌ عِنْدَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ: إِنَّ رَحْمَتِي غَلَبَتْ غَضَبِي» .) (٣)، وَالْأَمْرُ الَّذِي كَتَبَهُ اللَّهُ (٤) عَلَى نَفْسِهِ، أَوْ حَرَّمَهُ عَلَى نَفْسِهِ لَا يَكُونُ إِلَّا مَقْدُورًا لَهُ (٥) [سُبْحَانَهُ] (٦)، فَالْمُمْتَنِعُ لِنَفْسِهِ لَا يَكْتُبُهُ عَلَى نَفْسِهِ، وَلَا يُحَرِّمُهُ عَلَى نَفْسِهِ.
وَهَذَا الْقَوْلُ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَالْمُثْبِتِينَ (٧) لِلْقَدَرِ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَالتَّفْسِيرِ، وَالْفِقْهِ، وَالْكَلَامِ، وَالتَّصَوُّفِ [مِنْ أَتْبَاعِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، وَغَيْرِهِمْ] (٨) .
وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ، فَهَؤُلَاءِ هُمْ (٩) الْقَائِلُونَ بِعَدْلِ اللَّهِ [تَعَالَى] (١٠)، وَإِحْسَانِهِ دُونَ مَنْ يَقُولُ مِنَ الْقَدَرِيَّةِ: إِنَّ مَنْ فَعَلَ كَبِيرَةً حَبِطَ إِيمَانُهُ، فَإِنَّ هَذَا نَوْعٌ مِنَ الظُّلْمِ الَّذِي نَزَّهَ اللَّهَ [سُبْحَانَهُ] (١١) نَفْسَهُ عَنْهُ، وَهُوَ الْقَائِلُ:
_________________
(١) ن، م: وَفِي الصَّحِيحِ.
(٢) أ، ب: كَتَبَ كِتَابًا.
(٣) الْحَدِيثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - فِي: الْبُخَارِيِّ ٤/١٠٦ (كِتَابُ بَدْءِ الْخَلْقِ، بَابُ مَا جَاءَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ)، ٩/١٥٩ (كِتَابُ التَّوْحِيدِ، بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ)؛ مُسْلِمٍ ٤/٢١٠٧ - ٢١٠٨ (كِتَابُ التَّوْبَةِ، بَابٌ فِي سِعَةِ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى)؛ سُنَنَ ابْنِ مَاجَهْ ٢/١٤٣٥ (كِتَابُ الزُّهْدِ، بَابُ مَا يُرْجَى مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)؛ سُنَنَ التِّرْمِذِيِّ ٥/٢٠٩ - ٢١٠ (كِتَابُ الدَّعَوَاتِ، بَابُ ١٠٩)؛ الْمُسْنَدَ (ط. الْمَعَارِفِ) ١٣/٢٣، ٢٤٣، ٢٦٥ (ط. الْحَلَبِيِّ) ٢/٣١٣، ٣٥٨، ٣٨١.
(٤) لَفْظُ الْجَلَالَةِ فِي (ن) فَقَطْ.
(٥) أ: مُقَدِّرًا لَهُ.
(٦) سُبْحَانَهُ: زِيَادَةٌ فِي (أ)، (ب) .
(٧) ن، م: أَهْلِ السُّنَّةِ الْمُثْبِتِينَ.
(٨) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن)، (م) .
(٩) هُمْ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ)، (ب) .
(١٠) تَعَالَى: زِيَادَةٌ فِي (أ)، (ب) .
(١١) سُبْحَانَهُ: زِيَادَةٌ فِي (أ)، (ب) .
[ ١٣٧ ]
﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ - وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [سُورَةُ الزَّلْزَلَةِ: ٧ - ٨.] .
وَأَمَّا مَنِ اعْتَقَدَ أَنْ مِنَّتَهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ بِالْهِدَايَةِ دُونَ الْكَافِرِينَ ظُلْمٌ مِنْهُ، فَهَذَا جَهْلٌ لِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ هَذَا تَفَضُّلٌ [مِنْهُ] (١)، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [سُورَةُ الْحُجُرَاتِ: ١٧] .
وَكَمَا قَالَتِ الْأَنْبِيَاءُ: ﴿إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [سُورَةُ إِبْرَاهِيمَ: ١١]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [سُورَةُ الْأَنْعَامِ: ٥٣] .
فَتَخْصِيصُ هَذَا بِالْإِيمَانِ كَتَخْصِيصِ هَذَا بِمَزِيدِ عِلْمٍ، وَقُوَّةٍ، وَصِحَّةٍ، وَجَمَالٍ (٢)، وَمَالٍ. قَالَ تَعَالَى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ [سُورَةُ الزُّخْرُفِ: ٣٢] .
وَإِذَا خَصَّ أَحَدَ الشَّخْصَيْنِ بِقُوَّةٍ، وَطَبِيعَةٍ تَقْضِي غِذَاءً صَالِحًا خَصَّهُ بِمَا يُنَاسِبُ ذَلِكَ مِنَ الصِّحَّةِ، [وَالْعَافِيَةِ] (٣)، وَإِذَا (٤) لَمْ يُعْطِ الْآخَرَ ذَلِكَ (٥) نَقَصَ عَنْهُ، وَحَصَلَ لَهُ ضَعْفٌ، وَمَرَضٌ.
_________________
(١) مِنْهُ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن)، (م) .
(٢) أ، ب: وَحَالٍ.
(٣) وَالْعَافِيَةِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن)، (م) .
(٤) ب (فَقَطْ): وَإِنْ.
(٥) ذَلِكَ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ب)، (أ) .
[ ١٣٨ ]
وَالظُّلْمُ. (١) وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، فَهُوَ لَا يَضَعُ الْعُقُوبَةَ إِلَّا فِي الْمَحَلِّ الَّذِي يَسْتَحِقُّهَا لَا يَضَعُهَا (٢) عَلَى مُحْسِنٍ أَبَدًا.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ (٣) عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: («يَمِينُ اللَّهِ مَلْأَى لَا يَغِيضُهَا نَفَقَةٌ سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَمِينِهِ، وَالْقِسْطُ بِيَدِهِ الْأُخْرَى يَقْبِضُ، وَيَبْسُطُ» .) (٤) فَبَيَّنَ (٥) أَنَّهُ سُبْحَانَهُ يُحْسِنُ، وَيَعْدِلُ، وَلَا يَخْرُجُ فِعْلُهُ عَنِ الْعَدْلِ، وَالْإِحْسَانِ، وَلِهَذَا قِيلَ: كُلُّ نِعْمَةٍ مِنْهُ فَضْلٌ، وَكُلُّ نِقْمَةٍ مِنْهُ عَدْلٌ.
وَلِهَذَا يُخْبِرُ أَنَّهُ تَعَالَى يُعَاقِبُ النَّاسَ بِذُنُوبِهِمْ، وَأَنَّ إِنْعَامَهُ عَلَيْهِمْ إِحْسَانٌ مِنْهُ، كَمَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الْإِلَهِيِّ: «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: (يَا عِبَادِي [إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا] (٦) إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا، فَمَنْ
_________________
(١) لَمْ يَذْكُرِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِيمَا سَبَقَ إِلَّا وَجْهًا وَاحِدًا وَلَعَلَّ مَا يَلِي فِيهِ بَيَانٌ لِلْوَجْهِ الثَّانِي.
(٢) أ، ب: لَا يَضَعُ الْعُقُوبَةَ.
(٣) ن: وَفِي الصَّحِيحِ.
(٤) فِي اللِّسَانِ: سَحَّ الدَّمْعُ وَالْمَطَرُ وَالْمَاءُ يَسِحُّ سَحًّا وَسُحُوحًا أَيْ: سَالَ مِنْ فَوْقُ وَاشْتَدَّ انْصِبَابُهُ. وَفِي الْحَدِيثِ: يَمِينُ اللَّهِ سَحَّاءُ. أَيْ دَائِمَةُ الصَّبِّ وَالْهَطْلِ بِالْعَطَاءِ. وَالْحَدِيثُ - مَعَ اخْتِلَافٍ يَسِيرٍ فِي الْأَلْفَاظِ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -: الْبُخَارِيُّ ٩/١٢٢ - ١٢٣، ١٢٤ (كِتَابُ التَّوْحِيدِ، بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ، وَبَابُ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ)؛ مُسْلِمٌ ٣/٦٩٠ - ٦٩١ (كِتَابُ الزَّكَاةِ، بَابُ الْحَثِّ عَلَى النَّفَقَةِ.)؛ سُنَنَ ابْنِ مَاجَهْ ١/٧١ (الْمُقَدِّمَةُ، بَابٌ فِيمَا أَنْكَرَتِ الْجَهْمِيَّةُ)؛ الْمُسْنَدَ (ط. الْمَعَارِفِ) ١٦/٤٣ - ٤٤ (ط. الْحَلَبِيِّ) ٢/٥٠٠ - ٥٠١. وَرَوَى ابْنُ خُزَيْمَةَ الْحَدِيثَ فِي كِتَابِ " التَّوْحِيدِ " ص ٤٧، الْقَاهِرَةَ ١٣٥٣.
(٥) أ، ب: فَتَعَيَّنَ.
(٦) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن)، (م) .
[ ١٣٩ ]
وَجَدَ خَيْرًا، فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ، فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ.») (١) .
وَقَدْ قَالَ (٢) تَعَالَى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [سُورَةُ النِّسَاءِ: ٧٩] أَيْ مَا أَصَابَكَ مِنْ نِعَمٍ تُحِبُّهَا كَالنَّصْرِ، وَالرِّزْقِ، فَاللَّهُ أَنْعَمَ بِذَلِكَ عَلَيْكَ، وَمَا أَصَابَكَ مِنْ نِقَمٍ (٣) تَكْرَهُهَا، فَبِذُنُوبِكَ، وَخَطَايَاكَ، فَالْحَسَنَاتُ، وَالسَّيِّئَاتُ هُنَا (٤) أَرَادَ بِهَا النِّعَمَ، وَالْمَصَائِبَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ﴾ [سُورَةُ الْأَعْرَافِ: ٦٨]، وَكَمَا قَالَ [تَعَالَى] (٥): ﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ﴾ [سُورَةُ التَّوْبَةِ: ٥٠]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾ [سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: ١٢٠] .
وَمِثْلُ هَذَا قَوْلُهُ [تَعَالَى] (٦): ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ [سُورَةُ الرُّومِ: ٣٦] .
فَأَخْبَرَ أَنَّ مَا يُصِيبُ بِهِ النَّاسَ مِنَ الْخَيْرِ فَهُوَ رَحْمَةٌ مِنْهُ أَحْسَنَ بِهَا إِلَى
_________________
(١) الْحَدِيثُ عَنْ أَبِي ذَرٍّ - ﵁ - فِي: مُسْلِمٍ ٤/١٩٩٤ (كِتَابُ الْبِرِّ وَالصِّلَةِ وَالْآدَابِ، بَابُ تَحْرِيمِ الظُّلْمِ)؛ سُنَنَ التِّرْمِذِيِّ ٤/٦٧ - ٦٨ (كِتَابُ صِفَةِ الْقِيَامَةِ، بَابُ ١٥ حَدِيثٌ رَقْمُ ٢٦١٣: حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ)؛ سُنَنَ ابْنِ مَاجَهْ ٢/١٤٢٢ (كِتَابُ الزُّهْدِ، بَابُ ذِكْرِ التَّوْبَةِ)؛ الْمُسْنَدَ (ط. الْحَلَبِيِّ) ٥/١٥٤، ١٦٠، ١٧٧.
(٢) ن، م: وَقَالَ.
(٣) ن، م: نِقْمَةٍ.
(٤) هُنَا: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ)، (ب) .
(٥) تَعَالَى: زِيَادَةٌ فِي (أ)، (ب) .
(٦) تَعَالَى: زِيَادَةٌ فِي (أ)، (ب) .
[ ١٤٠ ]
عِبَادَهُ، وَمَا أَصَابَهُمْ [بِهِ] (١) مِنَ الْعُقُوبَاتِ، فَبِذُنُوبِهِمْ، وَتَمَامُ الْكَلَامِ عَلَى هَذَا مَبْسُوطٌ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ (٢) .
وَكَذَلِكَ الْحِكْمَةُ أَجْمَعُ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَوْصُوفٌ بِالْحِكْمَةِ لَكِنْ تَنَازَعُوا فِي تَفْسِيرِ ذَلِكَ.
فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: الْحِكْمَةُ تَرْجِعُ إِلَى عِلْمِهِ بِأَفْعَالِ الْعِبَادِ، وَإِيقَاعِهَا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي أَرَادَهُ، وَلَمْ يُثْبِتُوا إِلَّا الْعِلْمَ وَالْإِرَادَةَ وَالْقُدْرَةَ.
وَقَالَ الْجُمْهُورُ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَغَيْرُهُمْ: بَلْ هُوَ حَكِيمٌ فِي خَلْقِهِ، وَأَمْرِهِ، وَالْحِكْمَةُ لَيْسَتْ مُطْلَقَ الْمَشِيئَةِ إِذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَ كُلُّ مُرِيدٍ حَكِيمًا، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْإِرَادَةَ تَنْقَسِمُ إِلَى مَحْمُودَةٍ وَمَذْمُومَةٍ، بَلِ الْحِكْمَةُ [تَتَضَمَّنُ] (٣) مَا فِي خَلْقِهِ وَأَمْرِهِ مِنَ الْعَوَاقِبِ الْمَحْمُودَةِ وَالْغَايَاتِ الْمَحْبُوبَةِ، وَالْقَوْلُ بِإِثْبَاتِ هَذِهِ الْحِكْمَةِ لَيْسَ هُوَ قَوْلَ الْمُعْتَزِلَةِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ مِنَ الشِّيعَةِ فَقَطْ، بَلْ هُوَ قَوْلُ جَمَاهِيرِ طَوَائِفِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَهْلِ التَّفْسِيرِ، وَالْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ وَالتَّصَوُّفِ وَالْكَلَامِ وَغَيْرِهِمْ. فَأَئِمَّةُ الْفُقَهَاءِ مُتَّفِقُونَ عَلَى إِثْبَاتِ الْحِكْمَةِ وَالْمَصَالِحِ فِي أَحْكَامِهِ الشَّرْعِيَّةِ، وَإِنَّمَا يُنَازِعُ. (٤) فِي ذَلِكَ
_________________
(١) بِهِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن)، (م) .
(٢) م، أ، ب: مَوْضِعٌ آخَرُ. وَانْظُرْ مَثَلًا رِسَالَتَهُ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: " مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ " نَشَرَهَا الشَّيْخُ حَامِدٌ الْفِقِيُّ تَحْتَ عُنْوَانِ الْحَسَنَةِ وَالسَّيِّئَةِ وَمَوْقِفِ الْعَبْدِ عِنْدَهُمَا، ضِمْنَ مَجْمُوعَةِ شَذَرَاتِ الْبِلَاتِينِ، ص ١٦٥/٢٩٢، الْقَاهِرَةِ، ١٣٧٥/١٩٥٦.
(٣) تَتَضَمَّنُ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن)، (م) .
(٤) أ، ب: يَتَنَازَعُ.
[ ١٤١ ]
طَائِفَةٌ مِنْ نُفَاةِ الْقِيَاسِ (١) . وَغَيْرُ نُفَاتِهِ، وَكَذَلِكَ مَا فِي خَلْقِهِ مِنَ الْمَنَافِعِ وَالْحِكَمِ وَالْمَصَالِحِ لِعِبَادِهِ مَعْلُومٌ.
وَأَصْحَابُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ كَجَهْمِ [بْنِ صَفْوَانَ وَمُوَافِقِيهِ]: كَالْأَشْعَرِيِّ وَمَنْ وَافَقَهُ (٢) مِنَ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمْ يَقُولُونَ: لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ لَامُ التَّعْلِيلِ فِي أَفْعَالِ اللَّهِ، بَلْ لَيْسَ فِيهِ إِلَّا لَامُ الْعَاقِبَةِ.
وَأَمَّا الْجُمْهُورُ فَيَقُولُونَ: بَلْ (٣) لَامُ التَّعْلِيلِ دَاخِلَةٌ فِي أَفْعَالِ اللَّهِ تَعَالَى، [وَأَحْكَامِهِ] (٤) .
وَالْقَاضِي أَبُو يَعْلَى (٥)، وَأَبُو الْحَسَنِ بْنُ الزَّاغُونِيِّ (٦)، وَنَحْوِهِمَا مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ، وَإِنْ كَانُوا [قَدْ] (٧) يَقُولُونَ بِالْأَوَّلِ، فَهُمْ يَقُولُونَ بِالثَّانِي أَيْضًا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، وَكَذَلِكَ أَمْثَالُهُمْ مِنَ الْفُقَهَاءِ [أَصْحَابِ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَغَيْرِهِمَا] (٨) .
_________________
(١) أ، ب: الْقَدَرِ.
(٢) ن، م: الْأَوَّلُ كَالْأَشْعَرِيِّ وَجَهْمٍ وَمَنْ وَافَقَهُ
(٣) بَلْ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ)، (ب) .
(٤) وَأَحْكَامِهِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن)، (م) .
(٥) أَبُو يَعْلَى مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَلَفِ بْنِ الْفَرَّاءِ مِنْ كِبَارِ الْحَنَابِلَةِ وَعَالِمٌ فِي الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ. وُلِدَ سَنَةَ ٣٨٠ وَتُوُفِّيَ سَنَةَ ٤٥٨. انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ فِي طَبَقَاتِ الْحَنَابِلَةِ (لِابْنِهِ أَبِي الْحُسَيْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ) ٢/١٩٣، ٢٣٠ ; تَارِيخِ بَغْدَادَ ٢/٢٥٦ ; شَذَرَاتِ الذَّهَبِ ٤/٣٠٦ - ٣٠٧ ; الْوَافِي بِالْوَفِيَّاتِ ٣/٧ ; الْأَعْلَامِ ٦/٣٣١ ; بُرُوكِلْمَانَ gal الْمُلْحَقِ ٣/٥٠٣.
(٦) ب: أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الزَّعْفَرَانِيِّ، وَهُوَ خَطَأٌ. وَأَبُو الْحَسَنِ بْنُ الزَّاغُونِيِّ هُوَ عَلِيُّ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ نَصْرٍ السِّرِّيُّ (وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي اسْمِهِ) وُلِدَ سَنَةَ ٤٥٥ وَتُوُفِّيَ سَنَةَ ٥٢٧. انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ فِي الذَّيْلِ لِابْنِ رَجَبٍ ١/١٨٠ - ١٨٤ ; شَذَرَاتِ الذَّهَبِ ٤/٨٠ - ٨١ ; الْأَعْلَامِ ٥/١٢٤ - ١٢٥.
(٧) قَدْ: زِيَادَةٌ فِي (أ)، (ب) .
(٨) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن)، (م) .
[ ١٤٢ ]
وَأَمَّا ابْنُ عَقِيلٍ (١) . وَالْقَاضِي. (٢) فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ، وَأَبُو خَازِمِ بْنُ الْقَاضِي أَبِي يَعْلَى (٣)، وَأَبُو الْخَطَّابِ (٤)، فَيُصَرِّحُونَ بِالتَّعْلِيلِ وَالْحِكْمَةِ فِي أَفْعَالِ اللَّهِ تَعَالَى مُوَافَقَةً لِمَنْ قَالَ ذَلِكَ مِنْ أَهْلِ النَّظَرِ.
وَالْحَنَفِيَّةُ هُمْ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ الْقَائِلِينَ بِالْقَدَرِ، وَجُمْهُورُهُمْ يَقُولُونَ بِالتَّعْلِيلِ (* وَالْمَصَالِحِ، وَالْكَرَّامِيَّةُ (٥)، وَأَمْثَالُهُمْ هُمْ (٦) أَيْضًا مِنَ الْقَائِلِينَ
_________________
(١) أَبُو الْوَفَاءِ عَلِيُّ بْنُ عَقِيلِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ الْبَغْدَادِيُّ، مِنَ الْحَنَابِلَةِ الَّذِينَ خَالَفُوا الْمَذْهَبَ وَلَجَأُوا إِلَى التَّأْوِيلِ مِثْلُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، كَانَ يُعَظِّمُ الْحَلَّاجَ فَأَرَادَ الْحَنَابِلَةُ قَتْلَهُ. وُلِدَ سَنَةَ ٤٣١ وَتُوُفِّيَ سَنَةَ ٥١٣. انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ فِي الذَّيْلِ لِابْنِ رَجَبٍ ١/١٤٢ - ١٦٣ ; شَذَرَاتِ الذَّهَبِ ٤/٣٥ - ٤٠ ; لِسَانِ الْمِيزَانِ ٤/٢٤٣ - ٢٤٤ ; الْأَعْلَامِ ٥/١٢٩ ; بُرُوكِلْمَانَ GAL الْمُلْحَقِ ٣/٥٠٣.
(٢) وَالْقَاضِي: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ)، (ب) .
(٣) أ، ب: وَأَبُو حَازِمِ بْنُ الْقَاضِي أَبِي يَعْلَى ; ن، م: وَأَبُو حَازِمٍ. وَالصَّوَابُ أَبُو خَازِمٍ. وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَرَّاءِ الْمُتَوَفَّى سَنَةَ ٥٢٧. انْظُرِ الذَّيْلَ لِابْنِ رَجَبٍ ١/١٨٤ - ١٨٥.
(٤) ن، م: وَأَبُو الْخَطَّابِ الصَّغِيرُ. وَهُوَ خَطَأٌ. وَلَعَلَّ الصَّوَابَ " وَأَبُو يَعْلَى الصَّغِيرُ " وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَرَّاءِ أَبُو الْحُسَيْنِ صَاحِبُ كِتَابِ " طَبَقَاتِ الْحَنَابِلَةِ ". انْظُرِ الذَّيْلَ ١/١٧٦ - ١٧٨.
(٥) الْكَرَّامِيَّةُ هُمْ أَتْبَاعُ مُحَمَّدِ بْنِ كَرَّامٍ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ السِّجِسْتَانِيِّ الْمُتَوَفَّى فِي الْقُدْسِ سَنَةَ ٢٥٥ (انْظُرْ شَذَرَاتِ الذَّهَبِ ٢/١٣١) . وَالْكَرَّامِيَّةُ يُوَافِقُونَ السَّلَفَ فِي إِثْبَاتِ الصِّفَاتِ وَلَكِنَّهُمْ يُبَالِغُونَ فِي ذَلِكَ إِلَى حَدِّ التَّشْبِيهِ وَالتَّجْسِيمِ، وَهُمْ يُوَافِقُونَ السَّلَفَ أَيْضًا فِي إِثْبَاتِ الْقَدَرِ وَالْقَوْلِ بِالْحِكْمَةِ، وَلَكِنَّهُمْ يُوَافِقُونَ الْمُعْتَزِلَةَ فِي وُجُوبِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى بِالْعَقْلِ وَفِي أَنَّ الْعَقْلَ يُحَسِّنُ وَيُقَبِّحُ قَبْلَ الشَّرْعِ. كَمَا يَعُدُّهُمُ الْأَشْعَرِيُّ وَابْنُ حَزْمٍ مِنَ الْمُرْجِئَةِ لِقَوْلِهِمْ إِنَّ الْإِيمَانَ هُوَ الْإِقْرَارُ وَالتَّصْدِيقُ بِاللِّسَانِ دُونَ الْقَلْبِ. انْظُرِ الْمَقَالَاتِ ١/٢٠٥ ; الْفِصَلَ لِابْنِ حَزْمٍ ٤/٥، ١١١، ٥ - ٧٥، الْمِلَلَ وَالنِّحَلَ ١/٩٩ - ١٠٤ ; الْفَرْقَ بَيْنَ الْفِرَقِ ١٣٠ - ١٣٧ ; التَّبْصِيرَ فِي الدِّينِ ٦٥ - ٧٠ ; اعْتِقَادَاتِ فِرَقِ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ ٦٧.
(٦) هُمْ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ)، (ب) .
[ ١٤٣ ]
بِالْقَدَرِ الْمُثْبِتِينَ لِخِلَافَةِ الْخُلَفَاءِ الْمُفَضِّلِينَ لِأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَهُمْ أَيْضًا يَقُولُونَ بِالتَّعْلِيلِ *) (١)، وَالْحِكْمَةِ، وَكَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِ [مَالِكٍ] (٢)، وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ يَقُولُونَ بِالتَّعْلِيلِ، وَالْحِكْمَةِ، وَبِالتَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ [الْعَقْلِيَّيْنِ] (٣) كَأَبِي بَكْرٍ الْقَفَّالِ (٤)، وَأَبِي عَلِيٍّ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ (٥)، وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي الْحَسَنِ التَّمِيمِيِّ (٦)، وَأَبِي الْخَطَّابِ (٧) مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ.
وَفِي الْجُمْلَةِ النِّزَاعُ فِي تَعْلِيلِ أَفْعَالِ اللَّهِ وَأَحْكَامِهِ مَسْأَلَةٌ لَا تَتَعَلَّقُ بِالْإِمَامَةِ أَصْلًا. وَأَكْثَرُ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى إِثْبَاتِ الْحِكْمَةِ وَالتَّعْلِيلِ.
وَلَكِنِ الَّذِينَ أَنْكَرُوا ذَلِكَ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ (٨) احْتَجُّوا بِحُجَّتَيْنِ:
_________________
(١) مَا بَيْنَ النَّجْمَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (م) فَقَطْ.
(٢) مَالِكٍ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن)، (م) .
(٣) الْعَقْلِيَّيْنِ سَاقِطَةٌ مِنْ (ن)، (م) .
(٤) هُوَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ الْمُتَوَفَّى سَنَةَ ٣٦٥ هـ. انْظُرِ ابْنَ خِلِّكَانَ ٣/٣٣٨ - ٣٣٩ ; تَبْيِينَ كَذِبِ الْمُفْتَرِي لِابْنِ عَسَاكِرَ ١٨٢، ١٨٣.
(٥) هُوَ أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمُتَوَفَّى سَنَةَ ٣٤٥. انْظُرِ ابْنَ خِلِّكَانَ ١/٣٥٨ ; الْأَعْلَامَ ٢/٢٠٢.
(٦) ن، م: وَالتَّمِيمِيِّ. وَهُوَ أَبُو الْحَسَنِ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ أَسَدٍ التَّمِيمِيُّ، مِنْ فُقَهَاءِ الْحَنَابِلَةِ. وُلِدَ سَنَةَ ٣١٧ وَتُوُفِّيَ سَنَةَ ٣٧١. انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ فِي طَبَقَاتِ الْحَنَابِلَةِ ٢/١٣٩ ; الْمُنْتَظِمِ لِابْنِ الْجَوْزِيِّ ٧/١١٠ ; الْأَعْلَامِ ٤/١٣٩.
(٧) ن، م: وَابْنِ الْخَطَّابِ، وَهُوَ خَطَأٌ. وَهُوَ أَبُو الْخَطَّابِ مَحْفُوظُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ الْكَلْوَذَانِيُّ، إِمَامُ الْحَنَابِلَةِ فِي عَصْرِهِ، وُلِدَ بِبَغْدَادَ سَنَةَ ٤٣٢ وَتُوُفِّيَ بِهَا سَنَةَ ٥١٠. مِنْ كُتُبِهِ التَّمْهِيدُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ. انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ فِي: طَبَقَاتِ الْحَنَابِلَةِ ٢/٢٥٨ ; الذَّيْلِ لِابْنِ رَجَبٍ ١/١١٦ - ١٢٧ ; شَذَرَاتِ الذَّهَبِ ٤/٢٧ - ٢٨ ; الْأَعْلَامِ ٦/١٧٨. وَانْظُرْ: دَرْءَ تَعَارُضِ الْعَقْلِ وَالنَّقْلِ ٩ - ٦٢.
(٨) عِبَارَةُ " مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ " سَاقِطَةٌ مِنْ (أ)، (ب) .
[ ١٤٤ ]
إِحْدَاهُمَا: أَنَّ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ التَّسَلْسُلَ، فَإِنَّهُ إِذَا فَعَلَ (١) لِعِلَّةٍ، فَتِلْكَ الْعِلَّةُ أَيْضًا حَادِثَةٌ، فَتَفْتَقِرُ إِلَى عِلَّةٍ إِنْ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ حَادِثٍ عِلَّةٌ.
وَإِنْ عُقِلَ الْإِحْدَاثُ بِغَيْرِ عِلَّةٍ لَمْ يُحْتَجْ إِلَى إِثْبَاتِ عِلَّةٍ، فَهُمْ يَقُولُونَ: إِنْ أَمْكَنَ الْإِحْدَاثُ بِغَيْرِ عِلَّةٍ لَمْ يُحْتَجْ إِلَى عِلَّةٍ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَبَثًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وُجُودُ الْإِحْدَاثِ إِلَّا لِعِلَّةٍ، فَالْقَوْلُ فِي حُدُوثِ الْعِلَّةِ كَالْقَوْلِ فِي حُدُوثِ الْمَعْلُولِ، وَذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ التَّسَلْسُلَ.
الْحُجَّةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّهُمْ قَالُوا: مَنْ فَعَلَ لِعِلَّةٍ كَانَ مُسْتَكْمَلًا بِهَا ; لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ حُصُولُ الْعِلَّةِ أَوْلَى مِنْ عَدَمِهَا لَمْ تَكُنْ عِلَّةً، وَالْمُسْتَكْمَلُ بِغَيْرِهِ نَاقِصٌ بِنَفْسِهِ، وَذَلِكَ مُمْتَنِعٌ عَلَى اللَّهِ.
وَأَوْرَدُوا عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ مِنَ الشِّيعَةِ حُجَّةً تَقْطَعُهُمْ عَلَى أُصُولِهِمْ، فَقَالُوا: الْعِلَّةُ الَّتِي فَعَلَ لِأَجْلِهَا إِنْ كَانَ وُجُودُهَا وَعَدَمُهَا بِالنِّسْبَةِ (٢) إِلَيْهِ سَوَاءً امْتَنَعَ أَنْ تَكُونَ عِلَّةً، وَإِنْ كَانَ وُجُودُهَا أَوْلَى، فَإِنْ كَانَتْ مُنْفَصِلَةً عَنْهُ لَزِمَ أَنْ يُسْتَكْمَلَ بِغَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَتْ قَائِمَةً بِهِ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ مَحَلًّا لِلْحَوَادِثِ.
وَأَمَّا الْمُجَوِّزُونَ لِلتَّعْلِيلِ، فَهُمْ مُتَنَازِعُونَ، فَالْمُعْتَزِلَةُ وَأَتْبَاعُهُمْ مِنَ الشِّيعَةِ تُثْبِتُ مِنَ التَّعْلِيلِ مَا لَا يُعْقَلُ، وَهُوَ أَنَّهُ فَعَلَ لِعِلَّةٍ مُنْفَصِلَةٍ عَنِ الْفَاعِلِ مَعَ كَوْنِ وُجُودِهَا وَعَدَمِهَا [بِالنِّسْبَةِ] (٣) إِلَيْهِ سَوَاءً.
وَأَمَّا أَهْلُ السُّنَّةِ الْقَائِلُونَ بِالتَّعْلِيلِ، فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ
_________________
(١) أ، ب: فَعَلَهُ.
(٢) بِالنِّسْبَةِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ)، (ب) .
(٣) بِالنِّسْبَةِ: سَاقِطَةٌ مِنْ جَمِيعِ النُّسَخِ وَبِهَا يَتِمُّ الْمَعْنَى.
[ ١٤٥ ]
، وَيَرْضَى كَمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، وَيَقُولُونَ: إِنَّ الْمَحَبَّةَ وَالرِّضَا أَخَصُّ مِنَ الْإِرَادَةِ، وَأَمَّا الْمُعْتَزِلَةُ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِ الْأَشْعَرِيِّ، فَيَقُولُونَ: إِنَّ (١) الْمَحَبَّةَ، وَالرِّضَا وَالْإِرَادَةَ سَوَاءٌ، فَجُمْهُورُ أَهْلِ السُّنَّةِ يَقُولُونَ: إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ، وَلَا يَرْضَاهُ، وَإِنْ كَانَ دَاخِلًا فِي مُرَادِهِ، كَمَا دَخَلَتْ سَائِرُ الْمَخْلُوقَاتِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْحِكْمَةِ، وَهُوَ وَإِنْ كَانَ شَرًّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْفَاعِلِ، فَلَيْسَ كُلُّ مَا كَانَ شَرًّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى شَخْصٍ يَكُونُ عَدِيمَ الْحِكْمَةِ، بَلْ لِلَّهِ فِي الْمَخْلُوقَاتِ حِكَمٌ قَدْ يَعْلَمُهَا بَعْضُ النَّاسِ، وَقَدْ لَا يَعْلَمُهَا.
وَهَؤُلَاءِ يُجِيبُونَ عَنِ التَّسَلْسُلِ بِجَوَابَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يُقَالَ: هَذَا التَّسَلْسُلُ فِي الْحَوَادِثِ الْمُسْتَقْبَلَةِ (٢) لَا فِي الْحَوَادِثِ الْمَاضِيَةِ، فَإِنَّهُ إِذَا فَعَلَ فِعْلًا لِحِكْمَةٍ كَانَتِ الْحِكْمَةُ حَاصِلَةً بَعْدَ الْفِعْلِ، فَإِذَا كَانَتْ تِلْكَ الْحِكْمَةُ يُطْلَبُ مِنْهَا حِكْمَةٌ أُخْرَى بَعْدَهَا كَانَ تَسَلْسُلًا فِي الْمُسْتَقْبَلِ. وَتِلْكَ الْحِكْمَةُ الْحَاصِلَةُ مَحْبُوبَةٌ لَهُ وَسَبَبٌ لِحِكْمَةٍ ثَانِيَةٍ، فَهُوَ لَا يَزَالُ سُبْحَانَهُ يُحْدِثُ مِنَ الْحِكَمِ مَا يُحِبُّهُ وَيَجْعَلُهُ سَبَبًا لِمَا يُحِبُّهُ.
قَالُوا: وَالتَّسَلْسُلُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ جَائِزٌ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْمِلَلِ وَغَيْرِ أَهْلِ الْمِلَلِ (٣)، فَإِنَّ نَعِيمَ الْجَنَّةِ [وَعَذَابَ] (٤) النَّارِ دَائِمَانِ (٥) مَعَ تَجَدُّدِ الْحَوَادِثِ فِيهِمَا، وَإِنَّمَا أَنْكَرَ ذَلِكَ الْجَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ،
_________________
(١) إِنَّ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ)، (ب) .
(٢) ن، م: فِي الْحَوَادِثِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ.
(٣) ن، م: مِنْ أَهْلِ الْمَلِكِ وَغَيْرِهِمْ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ.
(٤) وَعَذَابَ: سَاقِطَةٌ مِنْ جَمِيعِ النُّسَخِ وَبِهَا يَتِمُّ الْمَعْنَى.
(٥) أ: دَائِمًا ; ب: دَائِمٌ، وَهُوَ خَطَأٌ.
[ ١٤٦ ]
فَزَعَمَ أَنَّ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ يَفْنَيَانِ، وَأَبُو الْهُذَيْلِ الْعَلَّافُ (١) زَعَمَ أَنَّ حَرَكَاتِ [أَهْلِ] (٢) الْجَنَّةِ، وَالنَّارِ تَنْقَطِعُ (٣)، وَيَبْقَوْنَ فِي سُكُونٍ دَائِمٍ.
وَذَلِكَ أَنَّهُمْ لَمَّا اعْتَقَدُوا أَنَّ التَّسَلْسُلَ فِي الْحَوَادِثِ مُمْتَنِعٌ فِي الْمَاضِي، وَالْمُسْتَقْبَلِ قَالُوا هَذَا الْقَوْلَ الَّذِي ضَلَّلَهُمْ بِهِ أَئِمَّةُ الْإِسْلَامِ.
وَأَمَّا تَسَلْسُلُ الْحَوَادِثِ فِي الْمَاضِي، فَفِيهِ أَيْضًا قَوْلَانِ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ: لِأَهْلِ الْحَدِيثِ وَالْكَلَامِ وَغَيْرِهِمْ.
فَمَنْ يَقُولُ: إِنَّهُ تَعَالَى (٤) لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا إِذَا شَاءَ، وَلَمْ يَزَلْ، فَعَّالًا إِذَا شَاءَ أَفْعَالًا (٥) تَقُومُ بِنَفْسِهِ - بِقُدْرَتِهِ (٦)، وَمَشِيئَتِهِ - شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ - يَقُولُ: إِنَّهُ لَمْ يَزَلْ يَتَكَلَّمُ بِمَشِيئَتِهِ، وَيَفْعَلُ بِمَشِيئَتِهِ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ مَعَ قَوْلِهِ: إِنَّ كُلَّ مَا سِوَى اللَّهِ مُحْدَثٌ [مَخْلُوقٌ كَائِنٌ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ] (٧)، وَإِنَّهُ لَيْسَ فِي
_________________
(١) أَبُو الْهُذَيْلِ مُحَمَّدُ بْنُ الْهُذَيْلِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَكْحُولٍ الْعَبْدِيُّ الْعَلَّافُ، شَيْخُ الْمُعْتَزِلَةِ الْبَصْرِيِّينَ، وَرَأْسُ الطَّائِفَةِ الْهُذَيْلِيَّةِ، وُلِدَ بِالْبَصْرَةِ سَنَةَ ١٣٥ وَتُوُفِّيَ سَنَةَ ٢٢٦ أَوْ ٢٢٧ أَوْ ٢٣٥ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ. قَالَ الشَّهْرَسْتَانِيُّ (الْمِلَلُ وَالنِّحَلُ ١/٥٤): إِنَّ مِمَّا انْفَرَدَ بِهِ أَبُو الْهُذَيْلِ عَنْ سَائِرِ الْمُعْتَزِلَةِ قَوْلَهُ: إِنَّ حَرَكَاتِ أَهْلِ الْخُلْدَيْنِ تَنْقَطِعُ وَإِنَّهُمْ يَصِيرُونَ إِلَى سُكُونٍ دَائِمٍ خُمُودًا، وَتَجْتَمِعُ اللَّذَّاتُ فِي ذَلِكَ السُّكُونِ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ، وَتَجْتَمِعُ الْآلَامُ فِي ذَلِكَ السُّكُونِ لِأَهْلِ النَّارِ. وَهَذَا قَرِيبٌ مِنْ مَذْهَبِ جَهْمٍ إِذْ حَكَمَ بِفَنَاءِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ. انْظُرْ تَرْجَمَةَ أَبِي الْهُذَيْلِ وَالْكَلَامَ عَلَى مَذْهَبِهِ فِي: لِسَانِ الْمِيزَانِ ٥/٤١٣ - ٤١٤ ; ابْنِ خِلِّكَانَ ٣/٣٩٦ - ٣٩٧ ; تَارِيخِ بَغْدَادَ ٣/٣٦٦ - ٣٧٠ ; الْمِلَلِ وَالنِّحَلِ ١/٥٣ - ٥٦ ; الْفَرْقِ بَيْنَ الْفِرَقِ ٧٣ - ٧٩ ; الْمَقَالَاتِ ١/٢١٧، ٢٢٤، ٢٢٥ ; عَلِيُّ مُصْطَفَى الْغُرَابِي: أَبُو الْهُذَيْلِ الْعَلَّافُ، الْقَاهِرَةِ، ١٩٤٩.
(٢) أَهْلِ: سَاقِطَةٌ مِنْ جَمِيعِ النُّسَخِ وَالصَّوَابُ إِثْبَاتُهَا.
(٣) ن، م، أ: يَنْقَطِعَانِ.
(٤) أ، ب: إِنَّ اللَّهَ.
(٥) أ، ب: وَلَمْ يَزَلْ يَفْعَلُ أَفْعَالًا.
(٦) أ، ب: وَقُدْرَتِهِ، وَهُوَ خَطَأٌ.
(٧) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن)، (م) .
[ ١٤٧ ]
الْعَالَمِ شَيْءٌ قَدِيمٌ مُسَاوِقٌ لِلَّهِ، كَمَا تَقُولُهُ الْفَلَاسِفَةُ الْقَائِلُونَ بِقِدَمِ الْأَفْلَاكِ، وَأَنَّهَا مُسَاوِقَةٌ لِلَّهِ فِي وُجُودِهِ، فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ أَقْوَالِ الْمُسْلِمِينَ.