اعتمد جمال الدين السرمري ﵀ على سنة النبي - ﷺ - في تلقي مسائل العقيدة، لأنها وحي من عند الله، وهي مخبرة عن القرآن الكريم ومبينة له، ومن محاسن كلام جمال الدين السرمري ﵀ قوله: "فعليك باتباع الأخبار النبوية، والإعراض عن الآراء الجاهلية، فإنه متى بدرت فرسان النصوص في ميدان البحث، تنكست حينئذ رايات الرأي على وجه الثرى، وفرت صناديد الجدل لوجوهها ذُللًا لهيبة من يَرى ولا يُرى (٢) " (٣).
وقال أيضًا في بيان أن السنة هي الصراط المستقيم التي لا تزيغ بها الأهواء: " فإن المنهل الصافي من الكدر، والمنهج الآمِنَ من الخطر، منهج الوحي المحفوظ بالتنزيل، ومنهج الرسول المحروس من التبديل" (٤).
والقارئ لكتب السرمري ﵀ يجد أنه غالبًا مايصدر الأدلة من السنة النبوية، حتى كتبه المؤلفة في الطب والعربية وغيرها كان استشهاده بالحديث النبوي كثيرًا، وانظر على سبيل المثال: كتابه (شرح اللؤلؤة في النحو) تقف عليه تارة يذكر سند الحديث توثيقًا: "عن ابن منية عن ابن
_________________
(١) السنة قبل التدوين ص ١٦.
(٢) أي في الدنيا بعينه سوى النبي - ﷺ -، يدل على ذلك إثبات السرمري للرؤية في الآخرة في منظومته (نهج الرشاد في نظم الاعتقاد ص ٣٨) بقوله: ولا يُمتَرى في رؤية الله ربِّنا وهل يُمترى في الشمس في ساعة الظهر؛ وسيأتي -إن شاء الله- ذكر السرمري للخلاف في مسألة رؤية النبي - ﷺ - لربه في الدنيا في كتابه: "خصائص سيد العالمين"
(٣) كتاب فيه ذكر الوباء والطاعنون، ص ٨٣ - ٨٤.
(٤) إحكام الذريعة إلى أحكام الشريعة، ص ٧١.
[ ٨٢ ]
أبي نجيح عن مجاهد ".
وتارة يعنى فيه بذكر الروايات الأخرى للحديث -إن كانت تحمل شاهدًا لما هو بسبيله - كقوله: "ومنها في حديث الملاعنة: إن جاءت به أحيمر، وفي رواية: أديعج".
ولربما نص على الروايات الواردة في الحديث - وإن لم يختلف عليها شاهد - كقوله: "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أقطع، وفي رواية بحمد الله، وفي رواية: فهو أجذم"
وتتجلى علاقته بالحديث النبوي وقربه منه وعنايته به في الكشف عن درجة الحديث ومصدره من مثل قوله: " حديث حسن رواه أبو داود وابن ماجة في سننهما"، أو: " متفق عليه"، أو: " حديث صحيح"، أو: " أخرجه مسلم في صحيحه"، أو: " كذا بخطه في غير موضع من مسند الإمام أحمد بن حنبل" (١).
هذا والكتاب مصنف في العربية فكيف بك لو قرأت كتبه في المقاصد، والسرمري -كما سبق في ترجمته- حافظٌ، ومؤلفٌ في علوم السنة، وناظمٌ ما يتعلق بها من تآليف.
وهذا الاعتصام من السرمري بالسنة النبوية هو المنهج الذي سار عليه السلف الصالح - ﵏ - فكانوا معتصمين بالسنة، بها يحتجون وإليها يتحاكمون، ولم يعترضوا على ما جاء فيها، وليس لقول أحد منهم كائنًا من كان تقديم بين يديها، ملتزمين قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الحُجُرات: ١] وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: من الآية ٧]
قال الشافعي ﵀ في بيان منهج السلف في الاعتصام بالسنة: "ولا أعلم من الصحابة ولا من التابعين أحدًا أخبر عن رسول الله - ﷺ - إلا قبل خبره وانتهى إليه، وأثبت ذلك سنة
_________________
(١) انظر: مقدمة تحقيق "اللؤلؤة في علم العربية وشرحها" ص ١٩ - ٢٠، د. أمين عبدالله سالم، الطبعة الأولى ١٤١٢، مطبعة الأمانة، مصر.
[ ٨٣ ]
كلهم يثبت الأخبار ويجعلها سنة، يحمد من تبعها، ويعاب من خالفها، فمن فارق هذا
المذهب كان عندنا مفارق سبيل أصحاب رسول الله - ﷺ -، وأهل العلم بعدهم إلى اليوم، وكان من أهل الجهالة" (١).
وقال ابن بطة: "فإذا سمع أحدكم حديثًا عن رسول الله - ﷺ - رواه العلماء، واحتج به الأئمة العقلاء، فلا يعارضه برأيه وهوى نفسه، فيصيبه ما توعّده الله - ﷿ - به، فإنه قال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: من الآية ٦٣]، وهل تدري ما الفتنة ههنا؟ هي والله الشرك بالله العظيم، والكفر بعد الإيمان، فإن الله - ﷿ - قال: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: من الآية ١٩٣]، يقول: حتى لا يكون شرك، فإنه قال تعالى: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: من الآية ١٩١] يقول: الشرك بالله أشد من قتلكم لهم " (٢).
وقال ابن أبي العز ﵀: "فالواجب كمال التسليم للرسول - ﷺ -، والانقياد لأمره، وتلقي خبره بالقبول والتصديق، دون أن نعارضه بخيال باطل نسميه معقولًا، أو نُحَمِّله شبهةً أو شكًا، أو نُقدم عليه آراء الرجال وزبالة أذهانهم، فنوحده بالتحكيم والتسليم والانقياد والإذعان، كما نوحد المرسِل بالعبادة والخضوع والذل والإنابة والتوكل" (٣).
_________________
(١) مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة للإمام السيوطي ص ٣٤ - ٣٥، الطبعة الثالثة ١٣٩٩، الجامعة الإسلامية، المدينة.
(٢) منهج الإمام ابن بطة في تقرير عقيدة السلف والرد على أهل الأهواء والبدع (١/ ٣٩)، رسالة دكتوراه (مخطوط)، لحمد بن عبدالمحسن التويجري، كلية أصول الدين بالرياض، ١٤١٧.
(٣) شرح العقيدة الطحاوية ص ١٦٦، تحقيق: أحمد شاكر، ١٤١٨، وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، المملكة العربية السعودية.
[ ٨٤ ]