وذلك لأن معرفة سبب نزول الآية مؤثر عند أهل العلم في معرفة معناها ودلالة ألفاظها، مع الأخذ بالاعتبار أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وقد اعتنى جمال الدين السرمري ﵀ بهذا الجانب في مؤلفاته.
فمن شواهد هذا المنهج قوله عند الكلام عن الإيمان: "وعن البراء قال: لما حولت القبلة قال رجل: كيف بأصحابنا الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس، فنزلت: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: من الآية ١٤٣] " (٣).
وقال في موضع آخر في أحكام المناسك: "وعن كعب بن عُجْرَةَ قال: كان بي أذًى من رأسي، فحُملت إلى رسول الله - ﷺ - والقمل يتناثر على وجهي، فقال: «ماكنت أرى أن الجُهْدَ بلغ بك ما أرى، أتجد شاةً؟»، قلت: لا، فنزلت الآية ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾
[البقرة: ١٩٦] قال: «هو صوم ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين، نصف صاع طعام لكل
_________________
(١) خصائص سيد العالمين [ق ٣٧/ظ].
(٢) إحكام الذريعة إلى أحكام الشريعة، ص ٦٠٠.
(٣) إحكام الذريعة إلى أحكام الشريعة، ص ٧٦.
[ ٩٥ ]
مسكين» " (١).
وقال في موضع آخر في كتاب البيوع: "وعن ابن عباس قال: ولما نزلت: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: من الآية ١٥٢] عزلوا أموال اليتامى حتى جعل الطعام يفسُدُ واللحم ينتن، ذكر ذلك للنبي - ﷺ - فنزلت: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة: من الآية ٢٢٠] قال: فخالطوهم" (٢).
وقال في موضع آخر عند الكلام على اللعان: "وقال رجل: يا رسول الله، أرأيت لو وجد
أحدنا امرأته على فاحشةٍ كيف يصنع إن تكلم تكلم بأمر عظيم، وإن سكت سكت على مثل ذلك، فسكت النبي - ﷺ - فلم يجبه، فلما كان بعد ذلك أتاه فقال: إن الذي سألتك عنه ابتُليت به، فأنزل الله - ﷿ - هؤلاء الآيات في سورة النور ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٦] " (٣).
وقال في موضع آخر في صفة الكفارة: "فقد كان الرجل يقوت أهله قوتًا فيه سعة، وكان الرجل يقوت أهله قوتًا فيه شدة، فنزلت: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] " (٤).
وقال في موضع آخر عند الكلام على عظم منزلة النبي - ﷺ - عند الله في المحبة: " لما قال من قال من الكفّار حين اشتكى فلم يقم ليلة أو ليلتين أنه قد وُدِّع فأنزل الله - ﷿ -: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (٤) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضُّحى: ١ - ٥] " (٥).
_________________
(١) إحكام الذريعة إلى أحكام الشريعة، ص ٢٩٤.
(٢) إحكام الذريعة إلى أحكام الشريعة، ص ٣٧١.
(٣) إحكام الذريعة إلى أحكام الشريعة، ص ٤٨٩.
(٤) إحكام الذريعة إلى أحكام الشريعة، ص ٦١٣.
(٥) خصائص سيد العالمين [ق ٢٦/و-ظ].
[ ٩٦ ]