نشأ جمال الدين السرمري ﵀ في سر من رأى، وحفظ القرآن في صباه، وتفقه على سراج الدين الحسين بن يوسف التستري وغيره (١)، وقد برز في شبابه حتى كتب إليه الصلاح الصفدي بقوله:
أيا فاضلًا في سر من را حوى العلا فكان له بدر الدياجي مسامرا (٢)
ثم انتقل إلى بغداد سنة ٧٢٩ (٣) وعمره آنذاك في حدود الثلاثة والثلاثين سنة، وأخذ عن الأئمة والمسندين من شيوخ بغداد، منهم: محمود بن علي الدقوقي أبو الثناء، والصفي
عبدالمؤمن بن عبدالحق وغيرهما من العلماء (٤)، كما أجازه من متقدمي شيوخ بغداد ابن الخراط الدواليبي، قال السرمري: "ومن شيوخي العوالي بالإجازة المسند عفيف الدين أبو عبدالله محمد بن عبدالمحسن بن أبي الحسن الواعظ البغدادي، والمسند شهاب الدين أبو العباس أحمد بن أبي طالب الحجار الصالحي وغيرهم" (٥) وسمع الكتب الستة ومسند الإمام احمد والسنن الكبير للبيهقي وغير ذلك مما يطول ذكره (٦)، ثم انتقل إلى دمشق سنة ست وأربعين وسبعمائة، قال الإمام الذهبي في المعجم المختص " تفقه على جماعة، ثم قدم علينا سنة ست وأربعين وسبعمائة، وقرأ علي، وله نظم جيد، ومعرفة بالمذهب وغيره، ونظم في الفقه مختصر ابن رزين،
_________________
(١) انظر: إحكام الذريعة إلى أحكام الشريعة ص ٦٥ نقلًا عن ترجمة كُتبت على طرة النسخة الخطية، وهو في الدرر الكامنة (٦/ ٢٤٧)، والسحب الوابلة (٣/ ١١٨٢): "التبريزي"، وفي إنباء الغمر (١/ ١٥٠): "التستري".
(٢) السحب الوابلة (٣/ ١١٨٥).
(٣) إنباء الغمر (١/ ١٥٠).
(٤) انظر: تاريخ ابن قاضي شهبة (٣/ ٤٧٦)، التبيان (٢/ ٣١٩)، درر العقود الفريدة (٣/ ٥٥٨)، إنباء الغمر (١/ ١٥٠)، الدرر الكامنة (٦/ ٢٤٧)، لحظ الألحاظ ص ١٦٠، المنهج الأحمد (٥/ ١٤٤)، بغية الوعاة (٢/ ٣٦٠)، رفع النقاب ص ٣٢٩.
(٥) انظر: الأعلام للزركلي (٨/ ٢١٥) نقلًا عن نموذج خطه على ثبت النذرومي.
(٦) انظر: الأعلام للزركلي (٨/ ٢١٥) نقلًا عن نموذج خطه على ثبت النذرومي.
[ ٣٧ ]
ونظم التقريب في علوم الحديث لامية نحو ألف بيت" (١) وسمع بها من جماعة من أصحاب الفخر ابن البخاري، وأصحاب ابن عبدالدائم المقدسي الصالحي وغيرهم (٢)، وقد كان من شيوخه ابن تيمية (٣) وابن القيم (٤)، وكانت بينه وبين الحافظ المزي مراسلات قال السرمري في شرح اللؤلؤة: " حكاية طريفة في المعنى أخبرنا بها الحافظ أبو الحجاج يوسف بن الزكي عبدالرحمن المزي في كتابه لي بخطه مرارًا" (٥)، فأكثر وبرع في علوم كثيرة منها الحديث والفقه والعربية والفرائض والطب، ونظم عدة أراجيز في عدة فنون، وخرج لغير واحد، وكتب بخطه
الجميل (٦) كثيرًا، حتى بلغت مصنفاته المائة وزادت، في بضعة وعشرين علمًا (٧)، وقد تصدى جمال الدين السرمري للتدريس والدعوة فتتلمذ عليه نخبة من النابهين في سائر الفنون، منهم: الإمام المقرئ ابن الجزري (٨)، والإمام اللغوي الفيروزآبادي (٩)، وأخذ عنه ابن رافع مع تقدمه
_________________
(١) إحكام الذريعة إلى أحكام الشريعة ص ٦٥ نقلًا عن ترجمة كُتبت على طرة النسخة الخطية، تاريخ ابن قاضي شهبة (٣/ ٤٧٦) وفيهما: "الغريب" بدل (التقريب)، وجاء في إنباء الغمر (١/ ١٥٠ - ١٥١): "قدم علينا سنة ست وأربعين وقرأ عليّ، وله معرفة بالمذهب، ونظم جيد في علوم الحديث وغيرها".
(٢) انظر: تاريخ ابن قاضي شهبة (٣/ ٤٧٦)، إنباء الغمر (١/ ١٥٠)، الدرر الكامنة (٦/ ٢٤٧).
(٣) وصفه في الحمية الإسلامية في الانتصار لمذهب ابن تيمية بـ: "شيخنا"، في البيت رقم (١٠٢) و(١٤٧).
(٤) شفاء الآلام في طب أهل الإسلام (مخطوط) ورقة: ٣ ب قال: "قال شيخنا شمس الدين ابن القيم ﵀" وقد وصفه بـ"شيخنا" في أكثر من موضع في كتابه هذا.
(٥) انظر: حاشية المقدمة اللؤلؤة في النحو للسرمري ص ١٦٩، تحقيق: عبدالرحمن العثيمين.
(٦) قال الدكتور: عبدالرحمن العثيمين في حاشية السحب الوابلة (٣/ ١١٨٢) في ترجمة السرمري "ورأيت نماذج من خط السرمري وهو في غاية الإتقان والضبط"، وقال في حاشية المقدمة اللؤلؤة في النحو ص ١٦٧: "ويوجد نسخة من (القلادة السمطية في توشيح الدريدية) للحسن بن محمد الصغاني كلها بخط السرمري هذا، منسوخة سنة ٧٢٩ بخط جميل".
(٧) انظر: تاريخ ابن قاضي شهبة (٣/ ٤٧٦)، الدرر الكامنة (٦/ ٢٤٧)، إنباء الغمر (١/ ١٥١)، وجيز الكلام (١/ ٢١٠)، المنهج الأحمد (٥/ ١٤٤)، شذرات الذهب (٨/ ٤٣٠)، معجم مصنفات الحنابلة (٤/ ١٧٥ - ١٧٦).
(٨) قال ابن الجزري في كتابه (أسنى المطالب في مناقب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب): "أخبرنا الإمام العالم المحدث الكبير أبو المظفر يوسف بن محمد السرمري الحنبلي ﵀ مشافهة منه لي بمنزله من المدرسة الحنبلية داخل دمشق المحروسة في الثالثة عشرة من ذي الحجة سنة ست وستين وسبعمائة". انظر: أسمى المناقب في تهذيب أسنى المطالب ص ١١٧، تهذيب وتحقيق الرافضي: محمد باقر المحمودي، ١٤٠٣، بيروت؛ وجاء في طبعة أخرى للكتاب باسم (مناقب الأسد الغالب) ص ٤٥، تحقيق: طارق الطنطاوي، مكتبة القرآن، مصر: "سنة ست وسبعين وسبعمائة" وهو خطأ. ؛ وروى الأيوبي في المناهل المسلسلة ص ٢٤ الحديث المسلسل بالمصافحة من طريق ابن الجزري عن السرمري.
(٩) روى الأيوبي في المناهل المسلسلة الحديثَ المسلسل بمناولة السبحة من طريق الفيروز آبادي عن السرمري. انظر: المناهل المسلسلة في الأحاديث المسلسلة ص ٣٣ - ٣٤، لمحمد الأيوبي، الطبعة الأولى ١٤٠٣، دار الكتب العلمية، بيروت.
[ ٣٨ ]
وحدث عنه ومات قبله (١)، وأجاز الخليفة العباسي المصري: المعتضد بالله (٢)، فقد جاء في كتابه (شرح اللؤلؤة) في قصة طريفة وقعت له في مجلس الخليفة، يقول: "فصل كنا عند الإمام أمير المؤمنين المعتضد بالله، الخليفة المصري العباسي بدمشق حين قدمها في سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة فقرأت له جزءًا من مسموعاتي والتمسته أن يكتب الطبقة بخطه الشريف، فكتبها ثم كتب في آخرها: كتبه أبا - بالنصب - بكر بن سليمان، فتناول الجزء بعض الحاضرين من يده فقرأه، فالتفت إلى آخر عن جانبه فغمزه، فانتبهت لهما، وقد كنت رأيته حين كتب ذلك، ولم يحتمل المجلس تلحين الخليفة، ولا هان عليّ مادار بين ذينك الشخصين، فانشدت في الحال قولهم:
إنَّ أباها وأبا أباها قد بلغا في المجد غايتها
فطرب من في المجلس لذلك، أما الحاضرون فإنهم عجبوا لإستحضار دليل جواز ذلك بسرعة، وأما مولانا أمير المؤمنين فإنه اتخذه في معرض المدح له ولآبائه " (٣).
وكان ﵀ قائمًا بالمعروف والنهي عن المنكر متحملًا في سبيل ذلك مايلقاه من أذى، فقد رد بقصيدة على التقي السبكي في قصيدته البائية المشهورة دفاعًا عن شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية، فتململ بها المتهالكون من أهل البدع والأهواء لوقعها الشديد على قلوبهم، فرماه
_________________
(١) انظر: الدرر الكامنة (٦/ ٢٤٧)، إنباء الغمر (١/ ١٥٠)، شذرات الذهب (٨/ ٤٢٩)، معجم المؤلفين (١٣/ ٣٣٢)، لعمر كحالة، مكتبة المثنى ودار إحياء التراث، لبنان.
(٢) هو المعتضد بالله الثاني أبو الفتح أبو بكر بن المستكفي بالله من خلفاء العباسيين بمصر، ولي الخلافة بعد وفاة أخيه سنة ٧٥٣ بعهد منه، وكان خيّرًا متواضعًا محبًا لأهل العلم، وقد توفي سنة ٧٦٣. انظر: شذرات الذهب (٦/ ١٩٧)، تاريخ الخلفاء ص ٤٣٠، لجلال الدين السيوطي، تحقيق: محمد محي الدين عبدالحميد، الطبعة الأولى ١٣٧١، مطبعة السعادة، مصر.
(٣) شرح اللؤلؤ في النحو ص ٨٥، تحقيق: إبراهيم حمد الدليمي، رسالة ماجستير في اللغة العربية وآدابها بكلية الدراسات العليا في الجامعة الأردنية، ١٩٩٥ م.
[ ٣٩ ]
أحدهم بعميه في البصيرة وافتتانه بابن تيمية (١)، ونبزه ثان (٢) بالحشوي، ووصفه ثالث (٣) بأنه
يسير وراء ابن تيمية في شواذه حذو النعل بالنعل، ومن أبياته فيها:
يا أيها المعتدي قولًا ومعتقدًا على ابن تيمية ظلمًا ومذهبه
بيّن لنا بصريح القول معتمد ال إنصاف والعدل فيه ماتريد به (٤)
وحين لمز السبكي ابن تيمية بعد موته وتعالى في لمزه فقال:
لو كان حيًا يرى قولي ويسمعه رددت ما قال ردًا غير مشتبه
كما رددت عليه في الطلاق وفي ترك الزيارة أقفو إثر سبسبه (٥)
رد عليه السرمري:
فضحت نفسك في هذا المقال ولم تشعر وعجت عن المرعى وأخصبه
عرفتنا أن ماقد قلت ليس لوجـ ـه الله بل للمرا أقبح بمنصبه
إذ لو أردت بيان الحق قلت به في محضر الخصم إما في مغيبه (٦)
_________________
(١) انظر: التوفيق الرباني في الرد على ابن تيمية الحراني ص ٧٧.
(٢) وهو (النبهاني) في كتابه: شواهد الحق في الاستغاثة بسيد الخلق - ﷺ - ص ١٢٦، المطبعة الميمنية، مصر، ١٣٢٣؛ قال عنه الشيخ سليمان بن سحمان - ﵀ - "مَن يوسف النبهاني وما يوسف؟ لا أكثر الله في الناس أمثاله صنَّف كتابًا في الاستغاثة بالنبي - ﷺ -، ورد عليه أئمة أهل الإسلام وبيَّنوا ما في كتابه من الأغلاط والأوهام والغلو المفرط الذي خرج به من دين الإسلام، إلى دين عبادة القبور من المشركين، وكان في عقيدته على طريقة أهل الاتحاد كابن عربي وأمثاله من أهل الكفر والعناد ﴿الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (١١) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ﴾ [الفجر: ١١ - ١٢]، وهم من أكفر خلق الله على الإطلاق، ومن أهل الزندقة والنفاق، وكان يجحد علو الله على خلقه واستواءه على عرشه، وأنه ليس فوق السماء إله يُعبد، ولا يُصلى له ويُسجد ". كشف غياهب الظلام عن أوهام جلاء الأوهام ص ٢٩٧ - ٢٩٨، الطبعة الأولى ١٤٢٦، أضواء السلف، الرياض.
(٣) وهو (الكوثري) في هامش: لحظ الألحاظ ص ١٦١، ولا عجب أن يصف هذا القِذِّيف الشَّغَّاب السَّبَّاب الطَّعَّان الشَّتَّام هذا الوصف القبيح فقد اجتمعت فيه أمراض متنوعة من التقليد الأصم، والتمشعر بغلو وجفاء، والتصوف السادر، والقبورية المكِبَّة للمخلوق عن الخالق. انظر: براءة أهل السنة من الوقيعة في علماء الأمة ص ٦، ٣٤، لبكر أبو زيد، الطبعة الثانية ١٤٠٨، إدارة المطبوعات بوزارة الإعلام، الرياض.
(٤) الحمية الإسلامية في الانتصار لمذهب ابن تيمية ص ٥٣.
(٥) الحمية الإسلامية ص ٧٥.
(٦) الحمية الإسلامية ص ٧٦.
[ ٤٠ ]
إلى أن قال:
لكن إذا الأسد الضرغام غاب عن الـ ـالعرين تسمع فيه ضبح (١) ثعلبه
كذا الجبان خلا في البر صاح ألا مبارز وتغالى في توثبه (٢)
وكان - ﵀ - يسكن بالمدرسة الحنبلية وفي آخر عمره أقعد فصار الناس يقصدونه بها يقرؤن عليه (٣) حتى توفي ﵀ رحمة واسعة، وهكذا قضى السرمري حياته حافلة بالتفقه، والإستجازة، والسماع، والتدريس، والإملاء، والتصنيف في علوم شتى نظمًا ونثرًا، ومدافعًا عن العقيدة الصحيحة، ومنافحًا عن منهج السلف الصالح، ولا غرابة فهو القائل في مطلع اللؤلؤة:
"وبعد فالعلم زين فافن عمرك في تحصيل ما اسطعت منه واعص من عذلا" (٤).