إن صحة الفهم ركيزة رئيسة لصحة التلقي، ولا يستطيع المرء أن يعرف مراد الله ﷿، ومراد رسوله - ﷺ - إلا حينما يستقيم فهمه لدلائل الكتاب والسنة، وكثير من البدع والضلالات إنما حدثت بسبب غلط الفهم.
قال ابن القيم ﵀: "صحة الفهم وحسن القصد من أعظم نعم الله التي أنعم بها على عبده، بل ما أعطي عبد عطاء بعد الإسلام أفضل ولا أجل منهما، بل هما ساقا الإسلام، وقيامه عليهما، وبهما أمن العبد طريق المغضوب عليهم الذين فسد قصدهم، وطريق الضالين الذين فسدت فهومهم، ويصير من المنعم عليهم الذين حسنت أفهامهم وقصودهم وهم أهل الصراط المستقيم الذين أُمرنا أن نسأل الله أن يهدينا صراطهم في كل صلاة" (١).
وإن الرجوع إلى فهم السلف وأقوالهم وتفسيراتهم لنصوص القرآن والسنة متعين قطعًا في أمور الدين عامة، وفي نصوص العقيدة بصفة خاصة.
فالصحابة هم خير القرون وأفضلها، ولا شك أن هذه الخيرية متمثلة في كمال العلم وتمام الفهم لما ورد عن الله ورسوله - ﷺ -، وقد حصل لهم ذلك لفضل صحبتهم، وكثرة ملازمتهم لرسول الله - ﷺ -.
قال عبدالله بن مسعود - ﵁ -: "من كان منكم متأسيًا فليتأس بأصحاب محمد - ﷺ -، فإنهم كانوا أبر هذه الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا، وأقومها هديًا، وأحسنها حالًا، قومًا اختارهم الله تعالى لصحبه نبيه - ﷺ - وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم في آثارهم فإنهم كانوا على الهدى المستقيم" (٢).
_________________
(١) إعلام الموقعين عن رب العالمين (١/ ٨٧)، تحقيق: طه عبدالرؤف سعد، دار الجيل، بيروت، ١٩٧٣.
(٢) جامع بيان العلم وفضله (٢/ ١٩٨)، لأبي عمر بن عبدالبر، تحقيق: فواز أحمد زمرلي، الطبعة الأولى ١٤٢٤، مؤسسة الريان-دار ابن حزم.
[ ٨٥ ]