تعددت أسباب تسمية هذا الجدل المذموم بعلم الكلام، وأكثر من جمع هذه الأسباب هو التفتازاني في شرح العقائد النسفية، وهي (٥):
_________________
(١) كتاب المواقف (١/ ٣١)، لعضد الدين الإيجي، تحقيق د. عبدالرحمن عميرة، الطبعة الأولى ١٩٧٧ م، دار الجيل، بيروت؛ كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم (١/ ٢٩)، لمحمد التهانوي، تحقيق: د. علي دحروج، الطبعة الأولى ١٩٩٦ م، مكتبة لبنان، بيروت.
(٢) شرح المقاصد في علم الكلام (١/ ٦)، لسعد الدين التفتازاني، ١٤٠١، دار المعارف النعمانية، باكستان.
(٣) التعريفات ص ٢٣٧، لعلي الجرجاني، تحقيق: إبراهيم الأبياري، الطبعة الأولى ١٤٠٥، دار الكتاب العربي، بيروت.
(٤) علم الكلام والتأويل وأثرهما على العقيدة الإسلامية، مجلة البحوث الإسلامية - العدد ٦٨، ص ٢٨١، الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء، المملكة العربية السعودية.
(٥) انظر: حقيقة التوحيد بين أهل السنة والمتكلمين ص ٤٧ - ٤٨، لعبدالرحيم السلمي، الطبعة الأولى ١٤٢١، دار المعلمة، الرياض.
[ ١١٣ ]
١ - لأن عنوان مباحثه كان قولهم: الكلام في كذا وكذا.
٢ - لأن مسألة الكلام كانت أشهر مباحثه، وأكثرها نزاعًا وجدالًا، حتى إن بعض المتغلبة قتل كثيرًا من أهل الحق، لعدم قولهم بخلق القرآن؛ وهذا السبب قد نقده شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله: "وأيضًا فما ذكره الشهرستاني ليس بصحيح في اسم المتكلمين كانوا يسمون بهذا الاسم قبل منازعتهم في مسألة الكلام، وكانوا يقولون عن واصل بن عطاء أنه متكلم، ويصفونه بالكلام، ولم يكن الناس اختلفوا في مسألة الكلام" (١).
٣ - لأنه يورث قدرة على الكلام في تحقيق الشرعيات، وإلزام الخصم كالمنطق للفلسفة؛ قال الباحث: وهذا السبب باطل، بل علم الكلام يورث صاحبه العيَّ والسفسطة العقلية بشهادة أئمته.
٤ - لأنه أول ما يجب من العلوم التي إنما تُعلم وتُتعلم بالكلام، فأطلق عليه هذا الاسم لذلك ثم خص به، ولم يطلق على غيره تمييزًا؛ قال الباحث: وهذا السبب باطل، بل أول واجب من العلوم هو الإيمان بالكلام الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
٥ - لأنه إنما يتحقق بالمباحثة وإدارة الكلام من الجانبين، وغيره قد يتحقق بالتأمل ومطالعة الكتب.
٦ - لأنه أكثر العلوم خلافًا ونزاعًا فيشتد افتقاره إلى الكلام مع المخالفين، والرد عليهم.
٧ - لأنه لقوة أدلته صار كأنه هو الكلام دون ما عداه من العلوم كما يقال للأقوى من الكلامين: هذا هو الكلام؛ قال الباحث: وهذا السبب واضح البطلان، فأيُّ قوة توصل
صاحبها إلى الشك والحيرة.
٨ - لأنه لابتنائه على الأدلة القطعية المؤيدة أكثرها بالأدلة السمعيّة أشد العلوم تأثيرًا في القلب، وتغلغلًا فيه، فسُمي بالكلام المشتق من الكَلْم وهو الجرح؛ قال الباحث: وهذا السبب كسابقه.
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٣/ ١٨٤).
[ ١١٤ ]
٩ - لأن المتكلمين كانوا يتكلمون حيث ينبغي الصمت اقتداء بالصحابة والتابعين الذين سكتوا عن المسائل الاعتقادية لا يخوضون فيها، فأصبح الكلام هنا ضد السكوت؛ قال الباحث: وهذا السبب إن أريد به أن المتكلمين خاضوا بالكيفيات حتى عطلوا الصفات فهذا صحيح، وإن أريد أن الصحابة والتابعين صمتوا في معاني الصفات وفوضوها فهذا باطل.
١٠ - لأن المتكلمين قوم يقولون في أمور ليس تحتها عمل، فكلامهم نظري لفظي لا يتعلق به فعل، فأصبح الكلام - هنا - ضد الفعل؛ قال الباحث: وهذا السبب ضعيف، فكثير من العلوم الخبرية لا يتعلق بها فعل ومع ذلك لا تسمى علم كلام، ثم القول بأن المتكلمين يقولون في أمور ليس تحتها عمل غير دقيق، فبعض المسائل التي يذكرها أهل الكلام يتعلق بها فعل، فالمتكلم الذي ينفي العلو مثلًا ويقول بالحلول فسيعبد الخلق، والمتكلم الذي ينفي الرؤية في الآخرة لن يدعو بها، والترك عمل.