إن العناية بمعرفة منهج السلف في الدفاع عن العقيدة هو من العناية بالعقيدة الإسلامية نفسها؛ لأن في ذلك اهتمام بها، وتلمس لمصادرها، وتصفية لها مما يشوبها من البدع، وتلق لها عن النبي ﷺ وأصحابه والتابعين لهم بإحسان.
"فمعرفة منهج السلف في الدفاع عن العقيدة يعطي الباحث قوة في الاستدلال والرد على المخالفين؛ نظرًا لوضوح الأثر القوي والفعال في كتب السلف مع أنها أقل بكثير من كتب المتأخرين، وكذلك فإن قوة بعض علماء أهل السنة العلمية التي ظهرت من خلال تقريرهم لمسائل الاعتقاد والرد على المخالفين، كان من أعظم الأسباب: اعتمادهم على منهج السلف في تقرير وتدوين مسائل العقيدة وتبرز الأهمية أكثر في العصور المتأخرة التي قل فيها العلم المؤصل على المنهج الصحيح والله المستعان" (^١).
قال عبد الله بن مسعود -﵁-: " من كان مستنًا فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب رسول الله ﷺ أبر هذه الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه فاعرفوا لهم حقهم وتمسكوا بهديهم، فإنهم كانوا على الهدي المستقيم" (^٢).
وقال الإمام الشافعي -﵀-: " هم فوقنا في كل علم وعقل ودين وفضل وكل سبب يُنال به علم أو يُدرك به هدى، ورأيهم لنا خير من رأينا لأنفسنا" (^٣).
وقال ابن رجب -رحمه الله تعالى-: " وفي كلامهم -أي السلف- من رد الأقوال المخالفة للسنة بألطف إشارة وأحسن عبارة بحيث يغني ذلك من فهمه عن إطالة المتكلمين في ذلك بعدهم؛ بل ربما لم يتضمن تطويل كلام من بعدهم من الصواب في ذلك ما تضمنه كلام السلف والأئمة مع اختصاره وإيجازه.
وفي كلامهم في ذلك كفاية وزيادة فلا يوجد في كلام من بعدهم من حق إلا وهو في كلامهم موجود بأوجز لفظ وأخصر عبارة، ولا يوجد في كلام من بعدهم من باطل إلا وفي كلامهم ما يُبين بطلانه لمن فهمه وتأمله، ويوجد في كلامهم من المعاني البديعة والمآخذ الدقيقة ما لا يهتدى إليه من بعدهم ولا يلم به.
_________________
(١) منهج أهل السنة والجماعة في تدوين علم العقيدة إلى نهاية القرن الثالث الهجري، ناصر بن يحيى الحنيني: ١/ ٦٨.
(٢) مجموع الفتاوى، لابن تيمية: ٣/ ١٢٦، وأورد ابن عبدالبر نحوه في جامع بيان العلم وفضله، رقم (١٨١١): ٢/ ٩٤٨.
(٣) مجموع الفتاوى: ٤/ ١٥٧، وانظر: اهتمام علماء المسلمين بعقيدة السلف، د. أبو اليزيد العجمي، مجلة البحوث الإسلامية، العدد (١٥) الصادر عام ١٤٠٦ هـ
[ ٧ ]
فمن لم يأخذ العلم من كلامهم فاته ذلك الخير كله مع ما يقع في كثير من الباطل متابعة لمن تأخر عنهم، قال الأوزاعي: " العلم ما جاء به أصحاب محمد ﷺ فما كان غير ذلك فليس بعلم" (^١)، " (^٢).
وتكمن أهمية معرفة منهج السلف في الدفاع عن العقيدة في وضع منهج واضح المعالم في الرد والمناقشة للمخالفين فإن "مما يظهر أهمية الرد على المخالفين والدفاع عن عقيدة الأمة: وضع منهج واضح للعلماء، ولطلبة العلم إذا أرادوا إبطال أي شبهة أو الرد على أي انحراف، بحيث تؤتي هذه الجهود المباركة ثمارها المرجوة منها من تصحيح لما فسد في المعتقد، وإبطال لتلبيس الملبسين، وغيرها من الثمار، والمصالح التي تنتج عن الالتزام بالمنهج الصحيح في الرد والمناقشة.
ومن هنا نؤكد على أهمية الدفاع عن العقيدة والرد على المبطلين ليس لأجل الرد على أهل الباطل فحسب، بل لأجل وضع منهج واضح المعالم لمن يأتي من أجيال الأمة" (^٣).
_________________
(١) جامع بيان العلم وفضله رقم (١٠٦٧)، (١٤٢١): ١/ ٦١٨، ١/ ٧٦٩.
(٢) فضل علم السلف على الخلف،: ٣٤ - ٤٢.
(٣) منهج أهل السنة والجماعة في تدوين علم العقيدة: ٢/ ٨٣٤.
[ ٨ ]