فإن انتشار العقائد الباطلة يؤدي إلى التفرق والاختلاف، وتترب عليه الآثار السيئة على الأمة في جميع أمورها العقدية والاجتماعية والأخلاقية وغيرها؛ ولذلك حرص السلف -﵏- على رد تلك العقائد الباطلة لجمع كلمة المسلمين وردهم لما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه.
قال الشيخ عبدالعزيز بن باز -﵀- في مقال له بعنوان: "كيف نحارب الغزو الثقافي الغربي والشرقي"، قال: " إن أخطر ما تواجهه المجتمعات الإسلامية في الوقت الحاضر هو ما يسمى بالغزو الثقافي بأسلحته المتنوعة، من كتب وإذاعات وصحف ومجلات وغير ذلك من الأسلحة الأخرى" (^٣).
ومن تلك الآثار التي تترتب على انتشار العقائد الباطلة هو الاختلاف والفرقة المذمومة، فالبدعة طريق سالك إلى الفرقة والاختلاف المذمومين، وقد ثبت ذم هذا الاختلاف في نصوص كثيرة منها قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥)﴾ [آل عمران: ١٠٥]، قال السيوطي -﵀-: " أمر الله المؤمنين بالجماعة ونهاهم عن الاختلاف والفرقة وأخبرهم أنما هلك من كان قبلكم بالمراء والخصومات في دين الله" (^٤).
_________________
(١) الفوائد: ٢٥٧ - ٢٥٨.
(٢) الدرة البهية شرح العقيدة التائية في حل المشكلة القدرية، للشيخ عبد الرحمن السعدي: ١١.
(٣) مجلة البحوث الإسلامية، العدد ١٧ ص ٧، والعدد ٤٠ ص ١٣٩.
(٤) الدر المنثور في التفسير بالمأثور، للسيوطي: ٢/ ٦٢.
[ ١٧ ]
ومنها قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٥٩]، قال الحافظ ابن كثير -﵀-: " وكانوا شيعًا: أي فرقًا كأهل الملل والنحل والأهواء والضلالات فإن الله تعالى قد برأ رسول الله ﷺ مما هم فيه" (^١).
ومن أخطر آثارها أنه إذا تأصلت مثل هذه المحدثات واتخذها بعض المنتسبين إلى الإسلام معقدًا للولاء والبراء فضلوا بذلك عن جادة الحق، حدث الشرخ بين هذه الجماعة وبين جماعة الإسلام الأصيلة المتمسكة بسنة النبي ﷺ.
ومن الآثار كذلك موت السنة وضياعها: فأنه لا تظهر بدعة إلا بموت سنة، ولا تظهر سنة إلا بذبول بدعة تعارضها، فعن عكرمة عن ابن عباس -﵄- قال: " ما يأتي على الناس عام إلا احدثوا فيه بدعة وأماتوا سنة حتى تحيا البدع وتموت السنن" (^٢).
ومن الآثار كذلك: التفرق والتشرذم والخروج عن الجماعة: قال الله تعالى: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ [الأنعام: ٦٥]، قال مجاهد: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾ "الأهواء المفترقة" (^٣).
ومن الآثار كذلك: استحلال السيف في رقاب المسلمين واستباحة الأعراض والأموال المحرمة: فعن ابن عمر ﵄ أنه سمع النبي ﷺ يقول: " لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض" (^٤)، فلا يستغرب لمن انتحل البدعة وخالف السنة أن تكون أولى ثمار بدعته هذه استحلال السيف في رقاب أمة محمد ﷺ كما حدث من الخوارج.
قال أيوب السختياني -﵀ - وكان يسمى أصحاب البدع خوارج، ويقول: " إن الخوارج اختلفوا في الاسم واجتمعوا على السيف" (^٥).
إلى غير ذلك من الآثار التي تبين خطورة انتشار العقائد الباطلة على المجتمع المسلم.
_________________
(١) تفسير القرآن العظيم، لابن كثير: ٢/ ٢٠٤.
(٢) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة والتابعين ومن بعدهم، لأبي القاسم هبة الله الحسن اللالكائي: ١/ ٩٢.
(٣) جامع البيان عن تأويل آي القرآن، لابن جرير الطبري: ٧/ ٢٥٦.
(٤) صحيح البخاري، كتاب الفتن، باب: قول النبي - ﷺ - "لا ترجعوا بعدي كفارا"، رقم (٧٠٧٧).
(٥) الاعتصام لأبي إسحاق الشاطبي: ١/ ٦٥.
[ ١٨ ]