أهلية القائم بالرد في معرفة الحق، وإبرام أدلته، ونصبها دليلًا عليه، وإلا فقد ذم الله تعالى من يحاج بلا علم، فقال سبحانه: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٦٦)﴾ [آل عمران: ٦٦]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ [الأعراف: ٣٣].
وفي التزام السلف بهذا الشرط، يقول ابن تيمية -﵀-: " وقد ينهون عن المجادلة والمناظرة، إذا كان المناظر ضعيف العلم بالحجة وجواب الشبهة، فيُخاف عليه أن يفسده ذلك المُضل، كما يُنهى الضعيف في المقاتلة أن يقاتل عِلجًا قويًا من علوج الكفار، فإن ذلك يضره ويضر المسلمين بلا منفعة.
والمقصود أنهم نهوا عن المناظرة من لا يقوم بواجبها، أو مع من لا يكون في مناظرته مصلحة راجحة، أو فيها مفسدة راجحة، فهذه أمور عارضة تختلف باختلاف الأحوال" (^٥).
أما الاستقامة فإنها: من صفات الكمال، وهي أن يكون القائم بهذا الواجب غير متلبس ببدعة أو فجور، فإن التلبس بشيء من ذلك يصرف القلوب عن قبول أقواله، أو تفتح للخصم هضم الحق بواسطته، والنصوص في هذا كثيرة (^٦).
_________________
(١) كتاب الشريعة، للآجري: ١/ ٤٥٢.
(٢) شرح السنة، للبغوي: ١/ ٢٢٧.
(٣) شرح السنة: ١/ ٢٢٧.
(٤) انظر: تعريف الخلف بمنهج الخلف، لإبراهيم البريكان: ١٦٦ - ١٨٧.
(٥) درء تعارض العقل والنقل: ٧/ ١٧٣ - ١٧٤.
(٦) الرد على المخالف: ٥٧ - ٥٩ باختصار، وانظر: علم الملل ومناهج العلماء فيه، لأحمد جود: ٢٣٩ - ٢٤١.
[ ٢٨ ]
وذلك "أن من يقوم بهذه الوظيفة داع إلى الله تعالى، والداعي ينبغي أن يكون قدوة فيما يدعو إليه، لكن العلماء ذكروا: أن الاستقامة صفة كمال، وليس شرط وجوب أو صحة" (^١).
قال الحافظ النووي -رحمه الله تعالى-: " قال العلماء لا يشترط في الآمر بالمعروف، والناهي عن المنكر أن يكون كامل الحال، ممتثلًا ما يأمر به، مجتنبا ما ينهى عنه، بل عليه الأمر وإن كان مخلًا بما يأمر به، والنهي وإن كان متلبسًا بما ينهى عنه، فإنه يجب عليه شيئان: أن يأمر نفسه وينهاها، ويأمر غيره وينهاه، فإذا أخل بأحدهما فكيف يباح له الإخلال بالآخر" (^٢).
_________________
(١) انظر: فقه التعامل مع المخالف، د. عبد الله الطريقي: ٣٥.
(٢) شرح صحيح مسلم، للنووي: ٢/ ٢٣.
[ ٢٩ ]