من خصائص منهج السلف الرجوع إلى فهم الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان ممن لزم منهجهم واقتفى أثرهم في تفسير نصوص الكتاب والسنة، والأخذ بأقوالهم والاسترشاد بها.
فهم خير أمة محمد ﷺ، فقد شاهد الصحابة ﵃ التنزيل وعاصروه ولازموا رسول الله ﷺ وسمعوا منه وتلقوا عنه وحفظوا مقالته ورعوها ثم نقولها إلى من بعدهم كما سمعوها وفهموها، ولذا فهم أفقه الأمة وأعلمهم بمراد الله ورسوله ﷺ.
وكان السلف إذا اشتد الخلاف بينهم وبين معارضيهم من أصحاب المذاهب والاتجاهات المنحرفة يدعونهم إلى التحاكم إلى أهل القرون الثلاثة الأولى، ومن ذلك على سبيل المثال قول شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- في مناظراته في العقيدة الواسطية: " قد أمهلت من خالفني في شيء منها -يعني عقيدة السلف الصالح- ثلاث سنين، فإن جاء بحرف واحد عن القرون الثلاثة يخالف ما ذكرته فأنا راجع عن ذلك، وعلى أن آتي بنقول جميع الطوائف عن القرون الثلاثة يوافق ما ذكرته" (^٣).
_________________
(١) مجموع الفتاوى: ١٩/ ١٥٥ - ١٥٦.
(٢) المرجع السابق: ٣/ ٣٤٧.
(٣) مجموعة الرسائل الكبرى: ١/ ٤١٧.
[ ٢١ ]
ويقول أيضا في الأخذ بأقوال أهل القرون الثلاثة الأولى: " معرفة أقوالهم في العلم والدين وأعمالهم خير وأنفع من معرفة أقوال المتأخرين وأعمالهم في جميع علوم الدين وأعماله كالتفسير وأصول الدين وفروعه والزهد والعبادة والأخلاق والجهاد وغير ذلك، فإنهم أفضل ممن بعدهم كما دل عليه الكتاب والسنة، فالاقتداء بهم خير من الاقتداء بمن بعدهم، ومعرفة إجماعهم ونزاعهم في العلم والدين خير وأنفع من معرفة ما يذكر من إجماع غيرهم ونزاعهم، وذلك أن إجماعهم لا يكون إلا معصومًا، وإذا تنازعوا فالحق لا يخرج عنهم، فيمكن طلب الحق في بعض أقاويلهم، ولا يحكم بخطأ قول من أقوالهم حتى يعرف دلالة الكتاب والسنة على خلافه لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩] " (^١).