من منهج السلف -﵏- تقديم النقل على العقل، فالأساس الأول عند السلف هو الشرع، فهو الأسلم والأعلم والأحكم، لأنه لا يأتيه الباطل، ولا يتطرق إليه الشك والضلال، ولا يعتريه التنافر والتناقض، فعليه المعتمد في الدين كله، ويأتي العقل تبعًا له في ذلك.
يقول الشاطبي - ﵀-: " الواجب تقديم ما حقه التقديم وهو الشرع، وتأخير ما حقه التأخير وهو نظر العقل، فلا يصح تقديم الناقص المفتقر حاكمًا على الكامل المستغني، فهذا خلاف المعقول والمنقول" (^٢).
ويقول أيضًا: " لا ينبغي للعقل أن يتقدم بين يدي الشرع، فإنه من التقدم بين يدي الله ورسوله، بل يكون ملبيًا من وراء وراء، فهذا هو المذهب للصحابة ﵃، وعليه دأبوا، وإياه اتخذوا طريقًا إلى الجنة فوصلوا" (^٣).
وهم مع تقديمهم للنقل على العقل لا يعارضونه برأي ولا ذوق ولا وجد ولا عقل ولا قياس، ولا يقدمون كلام أحد كائنًا من كان على كلام الله وكلام رسوله، عملًا بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١)﴾ [الحجرات: ١].
وقد نص السلف على هذه القاعدة وأكدوها وحثوا عليها، ومن ذلك أنه روي عن عمر بن عبد العزيز -﵀- أنه قال: " لا رأي لأحد مع سنة سنها رسول الله ﷺ" (^٤).
_________________
(١) عقيدة السلف وأصحاب الحديث، أو الرسالة في اعتقاد أهل السنة وأصحاب الحديث والأئمة لإسماعيل الصابوني: ٣٥.
(٢) الاعتصام: ٣/ ٢٢٨.
(٣) المرجع السابق: ٣/ ٢٣٥ - ٢٣٦.
(٤) الإبانة عن شريعة الفرق الناجية: ٢٦٢ - ٢٦٣، والشريعة للآجري: ١/ ٤٢٣.
[ ٣١ ]
وروي عن الإمام مالك -﵀ - أنه قال: " والتسليم للسنن، لا تُعارض برأي ولا تدافع بقياس" (^١).
ويقول الإمام الشافعي - ﵀-: " يسقط كل شيء خالف أمر النبي ﷺ ولا يقوم معه رأي ولا قياس، فإن الله ﷿ قطع العذر بقوله ﷺ" (^٢).
ويؤكد ابن أبي العز الحنفي - ﵀- هذه القاعدة فيقول: " وطريق أهل السنة أن لا يعدلوا عن النص الصحيح ولا يعارضوه بمعقول ولا قول فلان" (^٣).
وتعارض النص الصريح من الكتاب والسنة مع العقل الصحيح السليم غير متصور أصلًا، بل هو مستحيل، فإذا جاء ما يوهم ذلك فإن الوحي مقدم ومحكم، لأنه صادر عن المعصوم ﷺ والعقل لا عصمة له بل هو نظر البشر الناقص (^٤)، وهو معرض للوهم والخطأ والنسيان والهوى والجهل والعجز، فهو قطعًا ناقص (^٥).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: " المنقول الصحيح لا يعارضه معقول صريح قط، وقد تأملت ذلك في عامة ما تنازع الناس فيه، فوجدت ما خالف النصوص الصحيحة الصريحة شبهات فاسدة يُعلم بالعقل بطلانها، بل يُعلم بالعقل نقيضها الموافق للشرع.
ووجدت ما يعلم بصريح العقل لم يخالفه سمع قط، بل السمع الذي يقال إنه يخالفه: إما حديث موضوع، أو دلالة ضعيفة، فلا يصلح أن يكون دليلًا لو تجرد عن معارضة العقل الصريح، فكيف إذا خالفه صريح المعقول؟ " (^٦).
ويقول أيضًا: " إن النصوص الثابتة عن الرسول ﷺ لم يعارضها قط صريح معقول، فضلًا عن أن يكون مقدمًا عليها، وإنما الذي يعارضها شبه وخيالات مبناها على معان متشابهة وألفاظ مجملة، فمتى وقع الاستفسار والبيان ظهر أن ما عارضها شبه سوفسطائية لا براهين عقلية" (^٧).
_________________
(١) الجامع في السنن والآداب والمغازي: ١٤٨.
(٢) الأم، لمحمد بن إدريس الشافعي: ٢/ ١٩٢.
(٣) شرح الطحاوية في العقيدة السلفية: ٣٤١.
(٤) انظر: درء تعارض العقل مع النقل: ١/ ٨٨ - ٢٨٠.
(٥) بحوث في عقيدة أهل السنة والجماعة، وموقف الأشاعرة والحركات الإسلامية المعاصرة منها، د. ناصر العقل: ٣٢.
(٦) درء تعارض العقل مع النقل: ١/ ١٤٧.
(٧) المرجع السابق: ١/ ١٥٥ - ١٥٦.
[ ٣٢ ]
ولا يفهم من هذا أن السلف يهملون العقل ويقللون من أهميته ويعطلون وظيفته، بل إنهم -﵏- يحترمون العقل ويقدرونه قدره ويعرفون له قيمته وفضله، لاعتقادهم بأن فهم نصوص الكتاب والسنة يحتاج إلى قلب يتدبر وعقل يفكر، إلا أنهم يرفضون الغلو في تقدير العقل وتمجيده، كما يرفضون إعماله في غير مجاله الذي حدده له الشارع الحكيم وإقحامه فيما ليس في مقدوره واستطاعته أن يحكم فيه (^١).