قال تعالى: ﴿(٥٤) وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام: ٥٥]، وذلك أن "من استبان له سبيل المؤمنين وسبيل المجرمين على التفصيل علمًا وعملًا فهو أعلم الخلق" (^٢).
يقول الإمام الدارمي -﵀-: "ولولا ما بدأكم هذا المعارض بإذاعة ضلالات المريسي وبثها فيكم ما اشتغلنا بذكر كلامه، مخافة أن يعلق بعض كلامه بقلوب بعض الجهال، فيلقيهم في شك من خالقهم.
فخشينا ألا يسعنا إلا الإنكار على من بثها -يعني الشبهات- ودعا الناس إليها منافحة عن الله وتثبيتًا لصفاته العلى ولأسمائه الحسنى ودعاء إلى الطريقة المثلى ومحاماة عن ضعفاء الناس وأهل الغفلة من النساء والصبيان أن يضلوا بها ويفتتنوا إذ بثها فيهم" (^٣).
ويُروى عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: " إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام ممن لا يعرف الجاهلية" (^٤).
_________________
(١) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، لشيخ الإسلام ابن تيمية: ١/ ٦٠ - ٦٤.
(٢) الفوائد لابن القيم: ٢٥٩.
(٣) نقض الإمام أبي سعيد عثمان بن سعيد على المريسي الجهمي العنيد فيما افترى على الله ﷿ في التوحيد، للإمام الدارمي: ١/ ١٤٢ - ١٤٥.
(٤) المستدرك على الصحيحين، لأبي عبدالله الحاكم: ٤/ ٤٢٨ بنحوه وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه" ووافقه الذهبي.
[ ١٦ ]
قال الإمام ابن القيم - بعد أن ذكر كلام أمير المؤمنين عمر ﵁: " .. وهذا من كمال عمر ﵁، فإنه إذا لم يعرف الجاهلية وحكمها، وهو كل ما خالف ما جاء به الرسول ﷺ فإنه من الجاهلية، فإنها منسوبة إلى الجهل، وكل ما خالف الرسول فهو من الجهل، فمن لم يعرف سبيل المجرمين ولم تستبن له أوشك أن يظن في بعض سبيلهم أنها من سبيل المؤمنين، كما وقع في هذه الأمة من أمور كثيرة في باب الاعتقاد والعلم والعمل، هي من سبيل المجرمين والكفار وأعداء الرسل أدخلها من لم يعرف أنها من سبيلهم في سبيل المؤمنين، ودعا إليها، وكفر من خالفها، واستحل منه ما حرمه الله ورسوله، كما وقع لأكثر أهل البدع من الجهمية والقدرية والخوارج والروافض وأشباههم، ممن ابتدع بدعة ودعا إليها وكفر من خالفها" (^١).
وقد ذكر الشيخ عبد الرحمن السعدي -﵀- في مقدمة شرحه للقصيدة التائية في حل المشكلة القدرية لشيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- أن في الرد على المخالف كشفًا لشبهاته وشكوكه، فقال: " وهذا النظم قد أتى فيه الشيخ بالعجب العجاب، وبين الحق الصريح، وكشف الشكوك والشبهات، التي طالما خالطت قلوب أذكياء العلماء، وحيرت كثير من أهل العلم الفضلاء" (^٢).