ومن أخلاق السلف -رحمهم الله تعالى- أنهم يعلمون الحق ويرحمون الخلق، فهم حين يردون على المخالف لا يريدون بذلك الانتصار لأنفسهم، وإنما رغبة في الأجر الأخروي، ورحمة بذلك الشخص الذي يرد عليه؛ ليبعده عما هو فيه من عقائد ضاله، يقول النبي ﷺ: " الراحمون يرحمهم الرحمن" (^٦)، ويقول ﷺ: " من لا يَرحم لا يُرحم" (^٧)، وقال ﷺ: " لا يرحم الله من لا يرحم الناس" (^٨).
_________________
(١) الدر المنثور، للسيوطي: ٦/ ٩٢.
(٢) المرجع السابق: ٦/ ٩٩.
(٣) آداب الشافعي ومناقبه، لعبدالرحمن بن أبي حاتم الرازي: ٢٧٤.
(٤) الخِب: الخدّاع الخائن.
(٥) مجموع الفتاوى: ١٠/ ٣٠٢.
(٦) سنن أبي داود: كتاب الأدب، باب: في الرحمة، رقم (٤٩٤١).
(٧) صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب: رحمة الولد وتقبيله ومعانتقه، رقم (٥٩٩٧).
(٨) صحيح البخاري، كتاب التوحيد، باب: قول الله ﵎: ﴿أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ﴾، رقم (٧٣٧٦).
[ ٤٢ ]
وقد سار سلف الأمة على ذلك، فهذا أبو أمامة الباهلي ﵁ يقول الحق، ويرحم الخلق، فإنه لما رأى سبعين رأسًا من الخوارج، وقد جزت تلك الرؤوس ونصبت على درج دمشق، فقال ﵁ إعلامًا بالحق: "سبحان الله، ما يصنع الشيطان ببني آدم، كلاب جهنم، شر قتلى تحت ظل السماء"، ثم بكى قائلًا: "بكيت رحمة لهم حين رأيتهم كانوا من أهل الإسلام" (^١).
يقول ابن تيمية -﵀-: " وأئمة السنة والجماعة وأهل العلم والإيمان فيهم العلم والعدل والرحمة، فيعلمون الحق الذي يكونون به موافقين للسنة، سالمين من البدعة ويعدلون على من خرج منها ولو ظلمهم، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨]، ويرحمون الخلق، فيريدون لهم الخير والهدى والعلم، لا يقصدون الشر لهم ابتداء، بل إذا عاقبوهم، وبينوا خطأهم وجهلهم وظلمهم، كان قصدهم بذلك بيان الحق ورحمة الخلق" (^٢).
_________________
(١) الاعتصام للشاطبي: ١/ ٧١ - ٧٣.
(٢) تلخيص كتاب الاستغاثة المعروف بالرد على البكري، لشيخ الإسلام ابن تيمية: ٢٥٧.
[ ٤٣ ]