إن من قواعد الشريعة أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وقد كان النبي ﷺ يرى بمكة أكبر المنكرات وأكبر الأصنام ولا يغيرها، وترك المنافقين ولم يقتلهم مع ثبوت كفرهم لئلا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه.
والتعامل مع كل مخالف منوط بهذه القاعدة فلا يسوغ الرد عليه إذا ترتب على ذلك مفسدة كبرى، وقد نهى الله تعالى عن سب آلهة المشركين لما يترتب على ذلك من مفسدة أعظم من مصلحة سبها، قال تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨].
_________________
(١) ذم التأويل، لابن قدامة المقدسي: ١٨.
(٢) رسالة الإكليل في المتشابه والتأويل، لابن تيمية: ٣/ ١٨٧.
(٣) المرجع السابق: ٥/ ٢٥.
[ ٢٥ ]
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- -﵀-: " إذا لم يحصل النور الصافي، بأن لم يوجد إلا النور الذي ليس بصاف، وإلا بقى الإنسان في الظلمة فلا ينبغي أن يعيب الرجل وينهي عن نور فيه ظلمة إلا إذا حصل نور لا ظلمة فيه، وإلا فكم ممن عدل عن ذلك يخرج عن النور بالكلية" (^١).
وقال ابن القيم﵀-: " إن النبي ﷺ شرع لأمته إيجاب إنكار المنكر ليحل بإنكاره من المعروف ما يحبه الله ورسوله، فإذا كان إنكار المنكر يستلزم ما هو أنكر منه وأبغض إلى الله ورسوله، فإنه لا يسوغ إنكاره وإن كان الله يبغضه ويمقت أهله" (^٢).
وقال الإمام مسلم -﵀- في مقدمته لصحيحه: " وقد تكلم بعض منتحلي الحديث من أهل عصرنا في تصحيح الأسانيد وتسقيمها بقول وهو لو ضربنا عن حكايته وذكر فساده صفحًا، لكان رأيًا متينًا، ومذهبًا صحيحًا، إذ الإعراض عن القول المطرح أحرى لإماتته، وإخمال ذكر قائله، وأجدر أن لا يكون ذلك تنبيهًا للجهال عليه، غير أنا تخوفنا من شرور العواقب، واغترار الجهلة بمحدثات الأمور، وإسراعهم إلى اعتقاد خطأ المخطين، والأقوال الساقطة عند العلماء، رأينا الكشف عن فساد قوله، ورد مقالته بقدر ما يليق بها من الرد أجدى على الأنام وأحمد للعاقبة إن شاء الله".
قال الشيخ محمد بن عثيمين -﵀- في تعليقه على هذا الكلام " هذا صحيح، وذلك أنك إذا أردت الشيء ينتشر فرد عليه، يأخذ الناس هذا الرد ويتجادلون فيه، فيكون في هذا الرد نشرًا للقول، لكن يخشى لو تركناه لاغتر به الجهال، فكان مقتضى النصيحة أن يذكر، وكونه يشتهر بأنه ضعيف وأنه مردود عليه خير من كونه يسكت عنه" (^٣).