من منهج السلف ﵏ ترك الجدل والمراء والخصومة في الدين امتثالًا لقول الله تعالى في ذم المجادلة بالباطل: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (٣٥)﴾ [غافر: ٣٥]، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ (٦٩)﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا﴾ " (^٤).
_________________
(١) مجموع الفتاوى: ١٠/ ٣٦٤.
(٢) أعلام الموقعين: ٣/ ٤.
(٣) التعليق على صحيح مسلم، للشيخ محمد بن عثيمين: ١/ ٧٢.
(٤) صحيح البخاري: كتاب التفسير، سورة البقرة، باب: وهو الألد الخصم رقم (٤٥٢٣)، وصحيح مسلم: كتاب العلم، باب: النهي عن اتباع متشابه القرآن والتحذير من متبعيه عن الاختلاف في القران، رقم (٢٦٦٨).
[ ٢٦ ]
قال ابن رجب -﵀-: "ومما أنكره أئمة السلف الجدال والخصام والمراء في مسائل الحلال والحرام أيضًا، ولم يكن ذلك طريق أئمة الإسلام، وإنما أحدث ذلك بعدهم كما أحدثه فقهاء العراقيين.
وقد أنكر ذلك السلف وورد في الحديث المرفوع في السنن: " ما ضل قوم بعد هدى إلا أوتوا الجدال" (^١) ثم قرأ: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨)﴾ [الزخرف، آية: ٥٨].
وقال مالك: أدركت أهل هذه البلدة وإنهم ليكرهون هذا الإكثار الذي فيه الناس اليوم، يريد المسائل (^٢).
وكان يكره الجواب في كثرة المسائل، ويقول: قال الله -﷿-: ﴿سَبِيلًا (٨٤) وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ﴾ [الإسراء: ٨٥] فلم يأته في ذلك جواب.
وقيل له: الرجل يكون عالمًا بالسنن يجادل عنها؟ قال: لا، ولكن يُخبر بالسنة، فإن قُبل منه وإلا سكت.
وقال: المراء في العلم يُقسي القلب، ويُورث الطعن، وكان يقول في المسائل التي يُسأل عنها كثيرًا: لا أدري، وكان الإمام أحمد يسلك سبيله في ذلك" (^٣).