بين الشيخ عبد الرزاق عفيفي - ﵀ - بأن: " كثيرًا من الأسماء مشتركة بين الله تعالى وبين غيره من مخلوقاته في اللفظ والمعنى الكلي الذهني، فتطلق على الله بمعنى يخصه ويليق بجلاله سبحانه، وتطلق على المخلوق بمعنى يخصه ويليق به، فقال مثلًا: الله حليم، وإبراهيم الخليل † حليم، وليس حلم إبراهيم كحلم الله، والله رؤوف رحيم، ومحمد - ﷺ - رؤوف رحيم، وليست رأفة محمد - ﷺ - ورحمته كرأفة الله بخلقه ورحمته إلى غير ذلك من الأمثلة الكثيرة المذكورة في كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - الثابتة عنه، ولا يلزم من ذلك تشبيه المخلوق بالخالق في الاسم أو الصفة. وأسلوب الكلام وما احتف به من القرائن يدل على الفرق بين
_________________
(١) هو محمد بن أحمد بن سليمان السفاريني النابلسي، شمس الدين، سلفي حنبلي، من مؤلفاته: الدرة المضيئة في عقيدة الفرقة المرضية وشرحها، لوامع الأنوار البهية وسواطع الأثرية، والذخائر لشرح منظومة الكبائر، توفي سنة ١١٨٨ هـ. ينظر: سلك الدرر للمرادي (٤/ ٣١)، الأعلام للزركلي (٦/ ١٤).
(٢) قال - ﵀ -: " (القديم) نعت لله، وهو اسم من أسمائه وإن جرى مجرى الأعلام، فهو وصف يراد به الثناء، فأسماؤه - تعالى - أسماء ونعوت. والقديم هو الذي لم يسبق وجوده عدم، فإنه - ﷾ - متصف بالقدم فقدمه - تعالى - ذاتي واجب له - تعالى، غير مسبوق بعدم، إذ هو - تعالى - لا ابتداء لوجوده. واعلم أن القدم إما ذاتي كقدم الواجب، وإما زماني كقدم زمان الهجرة بالنسبة لليوم، ومنه ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩)﴾، ومنه القدم الإضافي كقدم الأب بالنسبة للابن. (فائدة): القديم أخص من الأزلي; لأن القديم موجود لا ابتداء لوجوده، والأزلي ما لا ابتداء له وجوديًا كان أو عدميًا، فكل قديم أزلي ولا عكس". لوامع الأنوار (١/ ٣٨).
(٣) هو عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد العزيز بن عبد الرحمن أبو بطين، من أعلام الدعوة السلفية في نجد، وأحد الفقهاء الحنابلة المتأخرين، من مؤلفاته: الانتصار لحزب الموحدين، وتأسيس التقديس في كشف تلبيس داود بن جرجيس، وتعليقات على لوامع الأنوار للسفاريني، توفي سنة ١٢٨٢ هـ. ينظر: علماء الدعوة (ص ٧٩)، الأعلام (٤/ ٩٧).
(٤) كلام الشيخ في تعليقه على لوامع الأنوار (١/ ٣٨).
[ ١٠٢ ]
ما لله من الكمال في أسمائه وصفاته وما للمخلوق مما يخصهم من ذلك على وجه محدود يليق بهم" (١).
وقال كذلك - ﵀ -: "يجب أن تُنَزَّه أسماؤُه التي سمى بها نفسه أو سماه بها رسوله - ﷺ - عن جحدها أو تحريفها عن مواضعها، وعن تعطيلها عما تضمنته من صفات الجلال والكمال، وعن تسميته بما لم يثبت عنه ولا عن رسوله - ﷺ -؛ فإن ذلك من الإلحاد فيها، وقد حذرنا الله من ذلك في قوله: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ الأعراف: ١٨٠ " (٢).
ولكن ضلت طوائف، فمنهم من ألحدت في أسماء الله وأنكرت معاني الكثير منها وادعت أنها مجاز، وأن الله لا يجوز أن يسمى بالأسماء التي يسمى بها المخلوق وهؤلاء هم الجهمية، أصحاب الجهم بن صفوان (٣)
الذي لم يثبت من الأسماء إلا التي لا يجوز أن يتسمى بها المخلوق كالخالق والمحيي والمميت (٤).
وهذا الرأي من الجهمية فاسد حيث إن تسمية الخلق ببعض أسامي الله ﷿ لا يقتضي أي تشبيه أو تمثيل، لأن معناها في حق الله - ﷿ - على ما يليق به، وفي حق خلقه على ما يليق بهم.
_________________
(١) فتاوى اللجنة الدائمة (٣/ ١٦٣ - ١٦٤).
(٢) تعليق الشيخ عبد الرزاق عفيفي على تفسير الجلالين (ص ١٤١).
(٣) الجهم بن صفوان أبو محرز الراسبي من موالي بني راسب من أهل خرسان، ينسب إلى سمرقند وترمذ، وهو رأس فرقة الجهمية، وإليه تنسب، وكان صاحب مجادلات ومخاصمات. قال الذهبي عنه: " الضال المبتدع، رأس الجهمية، من أشهر بدعه نفي الصفات، وقوله بإرجاء (الإيمان هو المعرفة فقط)، وبالجبر، وبفناء الجنة والنار؛ هلك في ١٨٨ هـ ". ينظر ترجمته في: السير (٦/ ٢٦ - ٢٧)، ميزان الاعتدال (١/ ٤٢٦)، لسان الميزان (٢/ ١٤٢)، تاريخ الإسلام للذهبي (ص ١٢١ - ١٤٩).
(٤) ينظر: الفرق بين الفرق لعبد القاهر البغدادي (ص ٢١٢)، تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد.
[ ١٠٣ ]
وقد رد عليهم الإمام ابن خزيمة (١): فقال: " وليس في تسميتنا بعض الخلق ببعض أسامي الله بموجب عند العقلاء الذين يعقلون عن الله خطابه أن يقال: إنكم شبهتم الله بخلقه، إذ أوقعتم بعض أسامي الله على خلقه، وهل يمكن عند هؤلاء الجهال حل هذه الأسامي من المصحف أو محوها من صدور أهل القرآن؟ أو ترك تلاوتها في المحاريب وفي الخدور والبيوت؟
أليس قد أعلمنا منزل القرآن على نبيه - ﷺ - أنه الملك؟ وسمى بعض عبيده ملكًا، وخبرنا أنه السلام وسمى تحية المؤمنين بينهم سلامًا في الدنيا وفي الجنة، فقال: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا (٤٤)﴾ الأحزاب: ٤٤،ونبينا المصطفى - ﷺ - قد كان يقول حين فراغه من تسليم الصلاة: (اللهم أنت السلام ومنك السلام) (٢)، وقال - ﷿ -: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ النساء: ٩٤. فثبت بخبر الله: أن الله هو السلام، كما قال: ﴿السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣)﴾ الحشر: ٢٣. وأوقع هذا الاسم على غير الخالق البارئ، وأعلمنا - ﷿ - أنه المؤمن، وسمى بعض عباده" المؤمنين" فقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ الأنفال: ٢ " (٣).
وما قرره الشيخ عبد الرزاق: في هذا الباب هو ما عليه أهل السنة والجماعة، فقد حكى ابن تيمية اتفاق السلف الصالح على ذم التشبيه بنوعيه (٤) فقال: فلا ريب أن أهل السنة والجماعة والحديث وغيرهم متفقون على تنزيه الله تعالى عن مماثلة الخلق، وعلى ذم
_________________
(١) هو محمد بن إسحاق بن إسحاق، أبو بكر، السلمي النيسابوري الشافعي، المشهور بابن خزيمة من أئمة السلف وعلمائهم، من مؤلفاته: التوحيد، والصحيح وغيرهما، توفي سنه ٣١١ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء (١٤/ ٣٦٥)، شذرات الذهب (٢/ ٢٦٢).
(٢) جزء من حديث أخرجه مسلم في كتاب المساجد باب استحباب الذكر بعد الصلاة وبيان صفته برقم (٥٩١).
(٣) كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب لابن خزيمة (١/ ٦٥ - ٦٦)، تحقيق د. عبد العزيز الشهوان.
(٤) النوع الأول: تشبيه جميع صفات الله التي هي من خصائصه بصفات المخلوقين والعكس. النوع الثاني: تشبيه في القدر المشترك بين مسميات صفات الخالق والمخلوق. ينظر: منهاج السنة (٢/ ٥٢٦)، تلبيس إبليس (ص ٨٦، ٨٧)، الفرق بين الفرق (ص ٢١٤).
[ ١٠٤ ]
المشبهة الذين يشبهون صفاته بصفات خلقه، ومتفقون على أن الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، لكن نفاة الصفات ربما أطلقوا على من أثبت ما في الكتاب والسنة من الصفات على ما يليق بجلال الله وعظمته مشبهة، وبسبب ذلك حصل إجمال واشتراك كان من مظاهره أن اختلط الحق والباطل، حق المثبتة من السلف بباطل المشبهة (١).
_________________
(١) ينظر: منهاج السنة النبوية (٢/ ٥٢٣).
[ ١٠٥ ]