قال الشيخ - ﵀ -: " الاشتراك إنما هو في المفهوم الكلي فلا يلزم المحال (١)، وبالجملة؛ فهذا مبني على توهم أن المشاركة بين الخالق والمخلوق في المفهوم الكلي تستلزم المشاركة في الخارج والمشابهة التي نزه الله نفسه عنها بقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ الشورى: ١١، وليس كذلك؛ إذ الكلي لا وجود له إلا في الذهن ويتضح ذلك باللون فإن معناه الكلي لا وجود له إلا في الذهن ويشترك فيه أفراده الموجودة في الخارج كسواد الفحم وبياض القطن إلخ. ولم يلزم من اشتراكها في معناه الكلي تشابهها في الخارج ولا مداخلة كل الآخر في خواصه، بل ما زالت متضادة متميزًا كل منها عن الآخر بخواصه، وإذا لم يلزم ذلك في الألوان وهي مخلوقة فأولى أن لا يلزم ذلك بين الله وعباده" (٢).
وبين كذلك: أن الاشتراك إنما هو في اللفظ لا في الحقيقة، فقال: " الصفات المشتركة بين الله وخلقه كالسمع والبصر والعزيز والقدير فلا بأس بذلك مع الإيمان بأن صفة الله جل وعلا لا تشابه صفات المخلوقين في الحقيقة والمعنى (٣) وإن اشتركا في اللفظ، وأصل المعنى في الذهن، وقد أجمع أهل السنة والجماعة وهم أصحاب النبي - ﷺ - وأتباعهم بإحسان
_________________
(١) ردًا على من قال إن الاشتراك في الصفات محال، ينظر: الإحكام في أصول الأحكام (١/ ٣٩).
(٢) تعليق الشيخ على الإحكام (١/ ٣٩).
(٣) الاشتراك يكون أيضًا في المعنى الكلي، قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: فالقدر المشترك لا يختص بأحدهما دون الآخر، لكن ما يختص به كل واحد ويتميز به لم يقع فيه اشتراك، وحينئذ لا محذور من الاشتراك في هذا المعنى الكلي، وإنما المحذور أن يجعل أحدهما مشاركًا للآخر فيما يختص به؛ وقال الشيخ عبد الله الغنيمان حفظه الله: الكمال المطلق لله جل وعلا لا يشاركه المخلوق في صفاته، وإن حصل الاشتراك في المسمى، بل وقد يكون في المعنى، ولابد أن يكون الاشتراك في الاسم والمعنى، ولكن إذا أضيف هذا الفعل أو هذه الصفة زال الاشتراك نهائيًا، فيصبح ما يخص المخلوق لا يشاركه الرب جل وعلا فيه، وما يخص الرب جل وعلا لا يشاركه المخلوق فيه، ولولا هذا الاشتراك في الاسم والمعنى لم يفهم الخطاب، وهذا شيء لابد منه غير أنه عند الإضافة والتخصيص يزول الاشتراك نهائيًا. ينظر: التدمرية (١/ ١٢٦)، تقريب التدمرية لمحمد بن صالح العثيمين (١/ ٧٠ - ٧٢).
[ ١٠٨ ]
على أن القول في الصفات كالقول في الذات، فكما أن ذات الله سبحانه حق لا تشبه الذوات فهكذا صفاته ثابتة له على الوجه اللائق به ولا تشبه صفات المخلوقين" (١).
وما قرره الشيخ عبد الرزاق عفيفي - ﵀ - من كون الاشتراك في نصوص الصفات في الألفاظ دون الحقائق والكيفيات، هو ما عليه أهل السنة والجماعة، يقول ابن تيمية - ﵀ -: إن الاشتراك في الأسماء والصفات لا يستلزم تماثل المسميات والموصوفات، ولكن إذا كان ذلك القدر المشترك لا يستلزم إثبات ما يمتنع على الرب ﷾، ولا نفي ما يستحقه لم يكن ممتنعًا (٢).
الأدلة من السمع والعقل والحس:
دل على ما سبق السمع، والعقل، والحس:
أما السمع: فقد قال الله عن نفسه: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)﴾ النساء: ٥٨. وقال عن الإنسان: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢)﴾ الإنسان: ٢. ونفي أن يكون السميع كالسميع والبصير كالبصير فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ الشورى: ١١. وأثبت لنفسه علمًا وللإنسان علمًا، فقال عن نفسه: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾ البقرة: ٢٣٥، وقال عن الإنسان: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ الممتحنة: ١٠. وليس علم الإنسان كعلم الله تعالى، فقد قال الله عن علمه: ﴿وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا (٩٨)﴾ طه: ٩٨. وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (٥)﴾ آل عمران: ٥. وقال عن علم الإنسان: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ الإسراء: ٨٥.
_________________
(١) ينظر: فتاوى اللجنة الدائمة (٣/ ١٨٣).
(٢) ينظر: التدمرية (ص ١٢٥) وما بعدها.
[ ١٠٩ ]
وأما العقل: فمن المعلوم بالعقل أن المعاني والأوصاف تتقيد وتتميز بحسب ما تضاف إليه، فكما أن الأشياء مختلفة في ذواتها فإنها كذلك مختلفة في صفاتها وفي المعاني المضافة إليها، فإن صفة كل موصوف تناسبه لا يفهم منها ما يقصر عن موصوفها أو يتجاوزه، ولهذا نصف الإنسان باللين، والحديد المنصهر باللين، ونعلم أن اللين متفاوت المعنى بحسب ما أضيف إليه.
وأما الحس: فإننا نشاهد للفيل جسمًا وقدمًا وقوة، وللبعوضة جسمًا وقدمًا وقوة، ونعلم الفرق بين جسميهما، وقدميهما، وقوتيهما.
فإذا علم أن الاشتراك في الاسم والصفة في المخلوقات لا يستلزم التماثل في الحقيقة مع كون كل منها مخلوقًا ممكنًا، فانتفاء التلازم في ذلك بين الخالق والمخلوق أولى وأجلى، بل التماثل في ذلك بين الخالق والمخلوق ممتنع غاية الامتناع؛ والاشتراك في أصل المعنى لا يستلزم المماثلة في الحقيقة (١).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية (٢) - ﵀ -: لا يصح الاعتماد في ضابط النفي على مجرد نفي التشبيه وذلك لوجهين:
الأول: أنه إن أريد بالنفي نفي التشابه المطلق - أي نفي التساوي من كل وجه بين الخالق والمخلوق - فإن هذا لغو من القول إذ لم يقل أحد بتساوي الخالق والمخلوق من كل وجه، فإنه مما يعلم بضرورة العقل وبداهة الحس انتفاؤه، لأنه يستلزم التعطيل المحض.
فإذا نفي عن الله تعالى صفة الوجود "مثلًا" بحجة أن للمخلوق صفة وجود فإثباتها للخالق يستلزم التشبيه على هذا التقدير، لزم على نفيه أن يكون الخالق معدومًا، ثم يلزمه على هذا اللازم الفاسد أن يقع في تشبيه آخر وهو تشبيه الخالق بالمعدوم لاشتراكهما في صفة العدم فيلزمه على "قاعدته" تشبيه بالمعدوم، فإن نفى عنه الوجود والعدم وقع في تشبيه
_________________
(١) ينظر: الصدفية لابن تيمية (١/ ١٠١)، التدمرية لابن تيمية (ص ١١٦) وما بعدها، تقريب التدمرية لمحمد بن صالح العثيمين (١/ ١٣ - ١٥).
(٢) ينظر: التدمرية لابن تيمية (ص ١٢٤ - ١٢٥)، تقريب التدمرية لمحمد بن صالح العثيمين (١/ ٧٠ - ٧٢).
[ ١١٠ ]
ثالث أشد وهو تشبيه بالممتنعات؛ لأن الوجود والعدم نقيضان يمتنع انتفاؤهما كما يمتنع اجتماعهما.
الثاني: أن يريد بالنفي مطلق التشابه - أي نفي التشابه من بعض الوجوه - فهذا النفي لا يصح إذ ما من شيئين إلا وبينهما قدر مشترك يشتركان فيه، وقدر مختص يتميز به كل واحد عن الآخر، فيشتبهان من وجه، ويفترقان من وجه.
فالحياة "مثلًا" وصف مشترك بين الخالق والمخلوق، قال الله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ الفرقان: ٥٨. وقال: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ الروم: ١٩. لكن حياة الخالق تختص به فهي حياة كاملة من جميع الوجوه لم تسبق بعدم ولا يلحقها فناء، بخلاف حياة المخلوق فإنها حياة ناقصة مسبوقة بعدم متلوة بفناء قال الله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ الرحمن: ٢٦ - ٢٧، فالقدر المشترك "وهو مطلق الحياة" كلي لا يختص بأحدهما دون الآخر، لكن ما يختص به كل واحد ويتميز به لم يقع فيه اشتراك، وحينئذ لا محذور من الاشتراك في هذا المعنى الكلي، وإنما المحذور أن يجعل أحدهما مشاركًا للآخر فيما يختص به.
[ ١١١ ]
أنواع الصفات التي تكلم عنها الشيخ من حيث تعلقها بذات الله وأفعاله:-
قسم العلماء صفات الله تعالى إلى قسمين:
١ - صفات ذاتية.
٢ - صفات فعلية.
قال الإمام أبو حنيفة - ﵀ -: "لم يزل، ولا يزال بأسمائه، وصفاته الذاتية والفعلية" (١).
فأما الصفات الذاتية فهي التي لا تنفك عن الله سبحانه، كالعلم، والحياة والقدرة، والسمع، والبصر، إلخ، وأما صفات الفعل فهي ما تعلق بمشيئة الله وقدرته، كالنزول، والاستواء، والمجيء، ونحو ذلك (٢).
وقد تكون الصفة ذاتية وفعلية باعتبارين، كصفة الكلام، فإنه باعتبار أصله صفة ذاتيه؛ لأن الله تعالى لم يزل ولا يزال متكلمًا، وباعتبار آحاد الكلام صفة فعلية لأن الكلام يتعلق بمشيئته، يتكلم متى شاء، كما شاء، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ يس: ٨٢ (٣).
وهذا التقسيم أصل متفق عليه بين السلف، كما دلت نصوص الكتاب والسنة، وقد بين ذلك الشيخ ابن سعدي:، فقال: "ومن الأصول المتفق عليها بين السلف، التي دلت عليها النصوص، أنّ صفات الباري قسمان: صفات ذاتية لا تنفك عنها الذات، كصفة الحياة، والعلم، والقدرة، ، وصفات فعلية تتعلق بها أفعاله في كل وقت وآن وزمان، ولها آثارها في الخلق والأمر " (٤).
_________________
(١) كتاب الفقه الأكبر لأبي حنيفة، مع شرحه لملا علي قاري الحنفي (ص ٢٥).
(٢) ينظر: مجموع الفتاوى (٦/ ٢١٧) وما بعدها، الإيمان لمحمد نعيم ياسين (ص ٣٤).
(٣) ينظر: القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى لابن عثيمين (ص ٢٥).
(٤) ابن سعدي وجهوده في توضيح العقيدة للعباد (ص ١٢٦)، نقلًا عن الحق الواضح المبين لابن سعدي، باختصار، وينظر عن هذا التقسيم: الأسماء والصفات للبيهقي (١/ ١٨٨ - ١٨٩)، شرح العقيدة الطحاوية (١/ ٩٦)، الكواشف الحلية عن معاني الواسطية للسلمان (ص ٤٢٩)، القواعد المثلى لابن عثيمين (ص ٢٥).
[ ١١٢ ]
القسم الأول: