طريقته في الاستدلال.
المتأمل لكلام الشيخ - ﵀ - وفتاويه يتضح له أنه كان متبعًا لمنهج السلف في الاستدلال تحقيقًا، وتطبيقًا، ومما يؤيد ذلك عدة أمور:
١ - أنه اقتصر في الاستدلال على الأحكام- ومنها أمور الاعتقاد -، على ما اقتصر عليه السلف الصالح الكتاب والسنة وفهم السلف من الصحابة - ﵃ - والتابعين وتابعيهم وسائر الأئمة المقتدى بهم في الدين (١).
٢ - احتجاجه بخبر الآحاد (٢) في مسائل الاعتقاد (٣).
٣ - تقديم الشرع على العقل:
والسلف -﵏- يقدمون الشرع على العقل، ويرون أن كل ما خالف الشرع فهو خيال وأوهام (٤) لا حقائق؛ وإلاّ ففي حقيقة الواقع لا يمكن أن يتعارض النقل الصحيح مع العقل الصريح (٥).
قال الشيخ عبد الرزاق: وهو يبين أن العقل لا يقوى على معارضة النقل: " لا يغترَ إنسان بما آتاه الله من قوة في العقل وسعة في التفكير، وحصيلة في العلم، فيجعل عقله أصلًا، ونصوص الكتاب والسنة الثابتة فرعًا، فما وافق منهما عقله قبله واتخذه دينًا وما خالفه منهما لوى به لسانه وحرفه عن موقعه، وأوله على غير تأويله إن لم يسعه إنكاره ثقة بعقله واتهامًا لرسول الله - ﷺ - واتهامًا لثقات الأمة وعدولها، الذين نقلوا إلينا
_________________
(١) أغلب كلام الشيخ في هذه الرسالة مصداقًا لهذا المنهج.
(٢) خبر الآحاد: الآحاد جمع واحد، وخبر الواحد ما يرويه شخص واحد، واصطلاحًا: ما لم يجمع شروط المتواتر. ينظر: لسان العرب (٣/ ٤٤٨)، نزهة النظر (ص ١٣)، إرشاد الفحول (ص ٤١ - ٤٣).
(٣) ينظر: لكلام الشيخ عبد الرزاق عفيفي - ﵀ - عن خبر الآحاد في المصدر الثاني من مصادر التشريع (ص ٤٥).
(٤) ينظر: درء التعارض (٧/ ٢٩).
(٥) ينظر: درء تعارض العقل والنقل (١/ ١٤١)، الصواعق المرسلة (٢/ ٧٤١،٧٤٢)، قواعد المنهج السلفي مصطفى حلمي (٢٥٣ - ٢٥٧).
[ ٥٣ ]
نصوص الشريعة ووصلت إلينا عن طريقهم قولًا وعملًا فأي عقل من العقول يجعل أصلًا يحكم في نصوص الشريعة فترد أو تنزل على مقتضاه فهما وتأويلًا؟ " (١).
قال شيخ الإسلام - ﵀ -: "ولهذا لا يوجد في كلام أحد من السلف أنه عارض القرآن بعقل ورأي وقياس، ولا بذوق ووجد ومكاشفة، ولا قال قط تعارض في هذا العقل والنقل، فضلًا عن أن يقول: فيجب تقديم العقل" (٢).
٤ - عدم الأخذ بالأحاديث الضعيفة:
وكان من منهج السلف -﵏- طرح الأحاديث الضعيفة وعدم الأخذ بها؛ لأن الدين لا يبنى على حديث ضعيف غير ثابت، فضلًا عن أن يبنى على حديث موضوع يعلم كذبه، بل ولا يجوز تأويل ما علم كذبه بتقدير ثبوته (٣).
يقول شيخ الإسلام - ﵀ -: " فأما إذا علم أن اللفظ كذب على رسول الله - ﷺ - لم يجز أن يرويه عن النبي - ﷺ -؛ لقوله - ﷺ -: (مَنْ حَدَّثَ عَنِّى، بِحَدِيثٍ يُرَى أَنَّهُ كَذِبٌ فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبِينَ) (٤)، ولا يجوز تفسير ما علم أنه كذب بتقدير ثبوته" (٥).
٥ - الأخذ بظاهر النصوص:
ويعتقد أهل السنة أن الله خاطبنا بما نفهم، وأراد منا اعتقاد ظاهر النصوص على الوجه اللائق، فنصوص الصفات مثلًا تجري على ظاهرها بلا كيف، كما تظافرت عبارات السلف في ذلك، فتثبت له الصفات الواردة بلا تمثيل، فلو كان ظاهر النصوص غير مراد لما
_________________
(١) مجموعة ملفات الشيخ (ص ٤٠ - ٤١).وينظر: مجموعة ملفات الشيخ (٨٨ - ٨٩) و(١٢٧ - ١٢٨)، وشبهات حول السنة (٥٨) وما بعدها.
(٢) الفرقان بين الحق والباطل، ضمن مجموع الفتاوى (١٣/ ٢٨ - ٢٩)، وينظر: درء التعارض (٥/ ٢٥٥ - ٢٥٦)، والصواعق المرسلة (٢/ ٧٤١ - ٧٤٢)، قواعد المنهج السلفي لمصطفى حلمي (ص ٢٥٣)، في العقيدة الإسلامية بين الفلاسفة والمعتزلة لمحمد خفاجي (ص ٨١ - ٨٤).
(٣) والمتأمل لكلام الشيخ - ﵀ - وفتاويه يلحظ أنه لا يحتج بالضعيف بل في أكثر الأحيان يقول: "وفي الحديث الصحيح".
(٤) أخرجه مسلم في مقدمة صحيحه (١/ ٩).
(٥) نقض التأسيس (٣/ ٤٨٦ - ٤٨٨)، وينظر: ذمّ التأويل لابن قدامة (ص ٤٧)، التوسل والوسيلة لشيخ الإسلام ابن تيمية ضمن مجموع الفتاوى (١/ ٢٥٠ - ٢٥١).
[ ٥٤ ]
خاطبنا بها ربّنا تعالى، ولما أمرنا بتدبر كتابه، كما قال: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾ ص: ٢٩. (١)
فبهذا نعلم أن الواجب الأخذ بظواهر النصوص، وأنه ليس هناك باطن يخالف الظاهر، فالباطن الحق عند السلف موافق للظاهر الحق، وكل معنى باطن يخالف ظاهر الكتاب والسنّة فهو خيال وجهل وضلال (٢).
قال الشيخ عبد الرزاق عفيفي - ﵀ -: " فيستحيل أن تتوارد النصوص وتتتابع الآيات والأحاديث على إثبات أسماء الله وصفاته بطريقة ظاهرة واضحة والمراد غير ما دلت عليه حقيقة، ويقصد الله منها أو يقصد رسوله ﵊ إلى معان مجازية من غير أن ينصب من كلامه دليلا على ما أراد من المعاني المجازية اعتمادًا على ما أودع عباده من العقل وقوة الفكر، فإن ذلك لا يتفق مع كمال علمه تعالى وسعة رحمته وفصاحة كلامه وقوة بيانه وبالغ حكمته، ولأن يتركهم الله دون أن يعرفهم ويعرفهم به رسوله - ﷺ - بوحيه، خير لهم وأيسر سبيلا، لعدم وجود المعارض للشبه الباطلة التي زعموها أدلة وبراهين وما هي إلا الخيالات ووساوس الشيطان، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا فمن جحد شيئًا من هذه النصوص أو تأولها على معان من غير دليل يرشد إلى ما تأولها عليه فقد ألحد في آيات الله وأسمائه وصفاته وحق عليه ما توعد الله به الملحدين في ذلك بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا﴾ فصلت: ٤٠، وقوله: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ الأعراف: ١٨٠" (٣).
هذه من أهم الخصائص والمميزات التي اتسم بها منهج الشيخ عبد الرزاق عفيفي - ﵀ - في طريقته في الاستدلال على مسائل الاعتقاد، ولعله يأتي في المباحث القادمة بيانها بوضوح بإذن الله تعالى.
_________________
(١) ينظر: موقف المتكلمين من الاستدلال بنصوص الكتاب والسنة لسليمان الغصن (١/ ٧٢ - ٧٣).
(٢) ينظر: درء التعارض (٥/ ٨٦).
(٣) مجموعة ملفات الشيخ عبد الرزاق عفيفي - ﵀ - (١٤٦ - ١٤٧).
[ ٥٥ ]