والقول بخلاف ذلك قول مبتدع أحدثته الجهمية (١)
والمعتزلة (٢) لكي تسلم لهم أصولهم الفاسدة التي أصَّلوها في باب أفعال الله وأسمائه وصفاته ﵎، ولما رأوا أن هذه الأخبار لا توافق ما ذهبوا إليه، قالوا: هذه أخبار آحاد ولا تفيد القطع، والعقائد لا بد فيها من القطع واليقين! (٣).
ثالثًا: رفض دعوى التعارض بين النقل الصحيح والعقل الصريح، ورفض ما يترتب على ذلك من القول بالتأويل.
إن من أبرز السمات للمدرسة السلفية رفض الدعوى الذائعة بين المتكلمين
بتعارض النقل والعقل، وقد قام شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - بتأليف كتابه
الكبير "درء تعارض العقل والنقل" (٤) للرد على هذه القضية التي تولى كبْرها الفخر
_________________
(١) الجهمية: هم طائفة من أهل البدع، ينتسبون إلى الجهم بن صفوان السمرقندي، من بدعهم: القول بنفي الأسماء والصفات عن الله تعالى، وأن العبد مجبور على فعله ولا قدرة له ولا اختيار، وأن الإيمان إنما هو المعرفة، وأنه لا يزيد ولا ينقص، وغيرها؛ وسيأتي بسط القول عنهم إن شاء الله تعالى في الباب الثاني من هذه الرسالة المبحث الثالث: أهل الكلام. ينظر: مقالات الإسلاميين للأشعري (١/ ٢١٤)، الفرق بين الفرق للبغدادي (ص ٢١١)، الملل والنحل لأبي منصور البغدادي (ص ١٤٥)، الملل والنحل للشهرستاني (١/ ٨٦).
(٢) المعتزلة: هم أصحاب واصل بن عطاء الغزال الذي اعتزل حلقة الحسن البصري، وهي فرقة ظهرت في أول القرن الثاني، تقدم العقل على نصوص الكتاب والسنة، وأصول الدين عندهم خمسة: التوحيد، والعدل، والوعد والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد ستروا تحت كل وحد منها معنى باطلًا يخالف المتبادر منه؛ وسيأتي بسط القول عنهم إن شاء الله تعالى في الباب الثاني من هذه الرسالة المبحث الثالث: أهل الكلام. ينظر: الفرق بين الفرق (ص ٨٣)، والملل والنحل للشهرستاني (١/ ٦٣)، وتأويل مختلف الحديث لابن قتيبة (ص ٦٩)، مقالات الإسلاميين (١/ ٢٣٥)، البرهان في عقائد أهل الأديان لعباس السكسكي (ص ٤٩).
(٣) ينظر: الكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي (ص ٧٢)، والتمهيد لابن عبد البر (١/ ٢)،شرح الكوكب المنير لابن النجار الفتوحي (٢/ ٣٥٢)،ولوامع الأنوار البهية (١/ ١٩)، والمسودة في أصول الفقه لآل تيمية (ص ٢٤٨)،ومجموع الفتاوى (٢٠/ ٢٥٩ - ٢٦٣)، شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز (٢/ ٥٤٠ - ٥٤٣)،ومذكرة في أصول الفقه للشنقيطي (١٠٤ - ١٠٥)، شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار (ص ٧٦٩).
(٤) درء تعارض العقل والنقل، ألفه شيخ الإسلام ابن تيمية للرد على قانون الرازي في كتابه تأسيس التقديس، فذكر - ﵀ - أربعة وأربعين وجهًا للرد على الرازي، وقد ألف ابن قيم الجوزية - ﵀ - كتابه، الصواعق المرسلة، فذكر مائتين وواحد وأربعين وجهًا للرد على هذا القانون.
[ ٤٢ ]
الرازي (١) في كتابه "تأسيس التقديس"، فأتى شيخ الإسلام على جميع ما في كتاب الرازي ونقضه حرفًا حرفًا، وأتى فيه بعجائب العلوم القرآنية وسواطع الحجج الأثرية، وقابل الحجج العقلية بمثلها وبما يبطلها ويؤيد الحق، فكان ذلك العمل مما يحمده عليه أهل الإسلام والإيمان إلى أن تقوم الساعة.
فالله ﷾ هو الذي خلق العقل وهو الذي أنزل الوحي ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ الأعراف: ٥٤، فيستحيل وجود التعارض بين العقل والوحي، والله جل وعلا قد أعطى العقل القدرة على إدراك أن الوحي من عند الله، وإدراك أن الرسول صادق فيما جاء به عن الله، فإذا وصل العقل إلى هذه الحقيقة وجب عليه الانصياع لأوامر الدين والتقيد بها، لأنه مخلوق كسائر المخلوقات، أما أن يكون حاكمًا في كل مسألة من مسائل الدين، فهذا تطوير للعقل مرفوض، وتعدٍّ للحدود يؤدي إلى هدم الشريعة، وهذا هو ما تنادي به العلمانية (٢)
المعاصرة (٣).
وما جهود الشيخ في تقرير توحيد الأسماء والصفات (٤) إلا أدل دليل على هذا المنهج.