يقرر الشيخ - ﵀ - صفة الكلام لله - ﷿ - على ما يليق به، وأن كلام الله اسم لمجموع اللفظ والمعنى، وأنه كوني خبري، وأنه بصوت وحرف، وأنه تكلم مع من أراد من رسله وملائكته وسمعوا كلامه حقيقة، ولا يزال يتكلم بقضائه وتسمعه ملائكته وسيتكلم مع أهل الجنة ومع أهل النار يوم القيامة كل بما يناسبه (٣).
_________________
(١) الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية (نونية ابن القيم) تحقيق: محمد بن عبدالرحمن العريفي، وناصر بن يحيى الحنيني، عبد الله بن عبدالرحمن الهذيل، وفهد بن علي المساعد (١/ ١٨٤).
(٢) ينظر: الدرء (٢/ ١٢٤ - ١٤٥، ١٤٧ - ١٤٨)، مجموع الفتاوى (٦/ ٢١٧)، صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة (ص ٢٨ - ٢٩)، الصفات الإلهية تعريفها، أقسامها لمحمد بن خليفة بن علي التميمي (ص ٦٥ - ٦٦)، الصفات الإلهية في الكتاب والسنة النبوية في ضوء الإثبات والتنزيه للدكتور محمد أمان بن علي الجامي (١/ ١٥٣).
(٣) ينظر: الإحكام في أصول الأحكام (١ج١/ ٢٠٤)،وتفسير الجلالين (٨، ٢٨، ٢٥٢)، وفتاوى اللجنة (٣/ ٢٠٨).
[ ١٦٢ ]
يعتقد أهل السنة والجماعة أن الله - ﷿ - يتكلم ويقول ويتحدث وينادي، وأن كلامه بصوت وحرف، وأن القرآن كلامه (١)، منزل غير مخلوق، وكلام الله صفةٌ ذاتيةٌ فعلية -ذاتية باعتبار أصله وفعليةٌ باعتبار آحاده- (٢).
الدليل على إثبات هذه الصفة لله - ﷿ - من الكتاب:
- قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾ النساء: ١٦٤.
- وقوله: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٣٠)﴾ القصص: ٣٠.
- وقوله: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا (٨٧)﴾ النساء: ٨٧.
ومن السنة:
- حديث احتجاج آدم وموسى وفيه: (قال آدم: يا موسى! اصطفاك الله بكلامه) (٣).
- حديث أبي سعيد الخدري ش: (إن الله ﵎ يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة! فيقولون: لبيك ربنا وسعديك. فيقول: هل رضيتم؟ ) (٤).
- حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - مرفوعًا: (يقول الله: يا آدم! فيقول: لبيك وسعديك، فينادي بصوت: إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثًا إلى النار) (٥).
_________________
(١) سنتطرق إلى هذا بشيء من التفصيل في المطلب الذي هو بعنوان معنى الإيمان بالقرآن وما يتضمنه إن شاء الله.
(٢) ينظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٤٩٦)، ودرء التعارض (٢/ ٣ - ١٠)، وشرح العقيدة الطحاوية (١٢٥ - ١٢٦)، صفات الله - ﷿ - الواردة في الكتاب والسنة (ص ٢٥٩).
(٣) أخرجه البخاري في كتاب القدر، باب تحاج آدم وموسى عند ربه، برقم (٦٦١٤)، ومسلم في كتاب القدر، باب حجاج آدم وموسى ﵉، برقم (٢٦٥٢).
(٤) أخرجه البخاري في كتاب التوحيد باب كلام الرب مع أهل الجنة (٧٥١٨)، ومسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب إحلال الرِّضْوان على أهل الجنَة فلا يسخط عليهم أبَدًا، برقم (٢٨٣٢).
(٥) أخرجه البخاري في كتاب التوحيد، باب ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٢٣)﴾ سبأ: ٢٣، برقم (٧٤٨٣).
[ ١٦٣ ]
قال الإمام البخاري (١) - ﵀ -: " وإن الله - ﷿ - ينادي بصوت يسمعه من بَعُد كما يَسمعُه من قرب فليس هذا لغير الله جل ذكره، وفي هذا دليل أن صوت الله لا يشبه أصوات الخلق لأن صوت الله جل ذكره يُسمع من بُعْد كما يُسمع من قُرب وأن الملائكة يصعقون من صوته فإذا تنادى الملائكة لم يصعقوا وقال ﷿: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ البقرة: ٢٢، فليس لصفة الله ند ولا مثل ولا يوجد شيء من صفاته في المخلوقين" (٢).
وقال عبد الله (٣) ابن الإمام أحمد رحمهما الله: " سألت أبي: عن قوم يقولون: لما كلم الله - ﷿ - موسى لم يتكلم بصوت قال أبي تكلم ﵎ بصوت، وهذه الأحاديث نرويها كما جاءت" (٤).
وقال قوام السنة الأصبهاني - ﵀ -: " وخاطر أبو بكر - ﵁ - (٥)، فقرأ عليهم القرآن، فقالوا: هذا من كلام صاحبك. فقال: ليس بكلامي ولا كلام صاحبي، ولكنه كلام الله تعالى، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة" (٦).
_________________
(١) هو: محمد بن إسماعيل بن إبراهيم الجعفي البخاري، أبو عبد الله، ولد سنة (١٩٤ هـ) ونشأ يتيمًا في حجر أمه، وقد رزق - ﵀ - حافظة قوية، وذكاءً حادًا، وذهنًا متوقدًا، واطلاعًا واسعًا، توفي سنة (٢٥٦ هـ)، ومن مؤلفاته: صحيح البخاري"الجامع الصحيح"، والتاريخ الكبير، والأدب المفرد، خلق أفعال العباد، والقراءة خلف الإمام. ينظر: تاريخ بغداد (٢/ ٦) وما بعدها، سير أعلام النبلاء (١٢/ ٤٠٧) وما بعدها، تهذيب الكمال (٢٤/ ٤٦١).
(٢) خلق أفعال العباد (١/ ٩٨).
(٣) هو: أبو عبد الرحمن عبد الله بن الإمام أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني المروزي، الإمام الحافظ الناقد المحدِّث، روى عن أبيه شيئًا كثيرًا، من جملته: المسند كله، والزهد، وله كتاب السنة، وكان ثقة ثبتًا فهمًا، توفي - ﵀ - سنة (٢٩٠ هـ). ينظر: تاريخ بغداد (٩/ ٣٨٢)، سير أعلام النبلاء (١٣/ ٥١٦)، تقريب التهذيب (١/ ٤٧٧)، شذرات الذهب (٢/ ٢٠٣).
(٤) المسائل والرسالة المروية عن الإمام أحمد (١/ ٣٠٢)، درء التعارض (٢/ ٣٩).
(٥) أي: راهن قومًا من أهل مكة.
(٦) الحجة (١/ ٣٣١ - ٣٣٢).
[ ١٦٤ ]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: "واستفاضت الآثار عن النبي - ﷺ - والصحابة والتابعين ومن بعدهم من أئمة السنة؛ أنه سبحانه ينادي بصوت؛ نادى موسى، وينادي عباده يوم القيامة بصوت، ويتكلم بالوحي بصوت، ولم ينقل عن أحد من السلف أنه قال: إن الله يتكلم بلا صوت أو بلا حرف، ولا أنه أنكر أن يتكلم الله بصوت أو بحرف" (١).
ومن كلامه سبحانه القرآن والتوراة والإنجيل؛ فالقرآن كلامه تعالى على الحقيقة لا كلام غيره، وأنزله على نبينا محمد - ﷺ - منه بدأ وإليه يعود، مُنزَّل غير مخلوق، ومن زعم أنه مخلوق فقد كفر (٢).
والذين يقولون: القرآن مخلوق، يجعلون الكلام لغيره، فيسلبونه صفات الكمال، ويقولون: إنه لا يقدر على الكلام في الأزل لا على كلام مخلوق ولا غيره، وهم وإن لم يصرحوا بالعجز عن الكلام فهو لازم لقولهم (٣).
وللمسألة اتصال بالمبحث الخاص بالإيمان بالكتب، وبالمبحث الخاص بالفرق. وسيتم التفصيل في موضعه إن شاء الله.