يقرر الشيخ - ﵀ - صفة الإتيان لله - ﷿ -، فيقول: " إتيانٌ حقيقي يليق بجلاله تعالى لا يشبه إتيان المخلوق، ولا نتأوله على إتيان رحمته أو ملك من ملائكته، بل نثبته كما أثبته السلف في تفسير قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ الأنعام: ١٥٨" (٤).
_________________
(١) (ينظر: أحاديث العقيدة المتوهم إشكالها في الصحيحين جمعًا ودراسة (ص ١٨٥ - ١٨٦)، وبيان تلبيس الجهمية القسم السادس (١/ ١٥١).
(٢) ينظر: أحاديث العقيدة المتوهم إشكالها في الصحيحين جمعًا ودراسة (ص ١٨٧ - ١٨٨).
(٣) ينظر: القواعد المثلى (ص ٧٢)، وإزالة الستار (ص ٣١).
(٤) فتاوى اللجنة (٣/ ١٧٦).
[ ١٨٢ ]
وهما صفتان فعليتان خبريتان ثابتتان بالكتاب والسنة.
فمن الكتاب:
- قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ البقرة: ٢١٠.
- وقوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ الأنعام: ١٥٨.
- وقوله: ﴿جَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ الفجر: ٢٢.
ومن السنة:
- حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - في الرؤية: ( قال: فيأتيهم الجبار في صورة غير صورته التي رأوه فيها أول مرة، فيقول: أنا ربكم ) (١).
- حديث أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا: ( وإن تقرب إلي ذراعًا؛ تقربت إليه باعًا، وإن أتاني يمشي؛ أتيته هرولة) (٢).
- ولقد جاءت صفتا الإتيان والمجيء مقترنتين في حديث واحدٍ، رواه مسلم (٣)
من حديث أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا: (إذا تلقَّاني عبدي بشبرٍ؛ تلقَّيْته بذراع، وإذا تلقاني بذراع، تلقَّيْته بباع، وإذا تلقاني بباع، جئته أتيته بأسرع) (٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: (وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة، برقم (٧٤٣٩)، ومسلم في كتاب الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية، برقم (١٨٣).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب التوحيد، باب ذكر النبي - ﷺ - وروايته عن ربه، برقم (٧٤٠٥)، ومسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب فضل الذكر والدعاء والتقرب إلى الله تعالى، برقم (٢٦٧٥).
(٣) هو: مسلم بن الحجاج بن مسلم بن وَرْدٍ القشيري النيسابوري، أبو الحسين، ولد على الصحيح سنة ست ومائتين، توفي سنة إحدى وستين ومائتين. له تصانيف أغلبها إن لم يكن كلها في الحديث وعلومه، منها: المسند الصحيح المعروف بصحيح مسلم، الأسماء والكنى، التمييز، الطبقات، المنفردات والوحدان. ينظر: سير أعلام النبلاء (١٢/ ٥٧٩)، تذكرة الحفاظ للذهبي (٢/ ٥٩٠)، الإمام مسلم بن الحجاج ومنهجه في الصحيح لمشهور آل سلمان (١/ ٢٣٣) وما بعدها.
(٤) أخرجه مسلم في كتاب الذكر والدعاء، باب الحث على ذكر الله تعالى، برقم (٦٧٤٨).
[ ١٨٣ ]
قال النووي: "هكذا هو في أكثر النسخ: (جئته أتيته)، وفي بعضها (جئتُه بأسرع) فقط، وفي بعضها: (أتيته)، وهاتان ظاهرتان، والأول صحيح أيضًا، والجمع بينهما للتوكيد، وهو حسن، لا سيما عند اختلاف اللفظ، والله أعلم" (١).
وأهل السنة والجماعة يثبتون لله إتيانٌ حقيقي يليق بجلاله تعالى لا يشبه إتيان المخلوق.
قال ابن جرير: في تفسير قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ البقرة: ٢١٠: "اختلف في صفة إتيان الرب ﵎ الذي ذكره في قوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ البقرة: ٢١٠، فقال بعضهم: لا صفة لذلك غير الذي وصف به نفسه - ﷿ - من المجيء والإتيان والنزول، وغير جائز تكلف القول في ذلك لأحد إلا بخبرٍ من الله ﷻ أو من رسول مرسل، فأما القول في صفات الله وأسمائه؛ فغير جائز لأحد من جهة الاستخراج؛ إلا بما ذكرنا. وقال آخرون: " (٢) ورجح: القول الأول.
وقال أبو الحسن الأشعري (٣): "وأجمعوا على أنه - ﷿ - يجيء يوم القيامة والملك صفًا صفًا " (٤).
وقال الشيخ محمد خليل الهراس -بعد أن حكى ما ذكره شيخ الإسلام عن الآيات السابقة -: " في هذه الآيات إثبات صفتين من صفات الفعل، وهما صفتا الإتيان والمجيء، والذي عليه أهل السنة والجماعة الإيمان بذلك على حقيقة، والابتعاد عن التأويل الذي هو في الحقيقة إلحاد وتعطيل أ. هـ " (٥).
_________________
(١) ينظر: المنهاج شرح صحيح مسلم ابن الحجاج (١٧/ ٦ - ٧).
(٢) تفسير الطبري (٢/ ٣٢٩).
(٣) هو: علي بن إسماعيل بن سالم بن إسماعيل الأشعري أبو الحسن، شيخ الأشاعرة وإمامهم، مر بثلاثة أطوار في حياته: طور انتحل فيه الاعتزال، وطور سلك فيه مسلك ابن كلاب، وطور نهج فيه منهج السلف مع لوثة اعتزالية، من مؤلفاته: مقالات الإسلاميين، الإبانة، اللمع وغيرها، توفي سنة (٢٣٤ هـ). ينظر: سير أعلام النبلاء (١٥/ ٨٥)، شذرات الذهب (٢/ ٣٠٣).
(٤) رسالة إلى أهل الثغر (ص ٢٢٧).
(٥) شرح الواسطية (ص ١١٢).
[ ١٨٤ ]