يقرر الشيخ - ﵀ - هاتين الصفتين، فيقول عند قول الله تعالى: ﴿وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٦)﴾ التغابن: ٦: "غني عن جميع خلقه وحميد عن جميعهم بما يسديه إليهم من جميل أياديه وكريم فعاله، وفي سائر نعوت جلاله وصفات كماله" (١).
والغنى صفة ذاتية لله - ﷿ - بالكتاب والسنة، كما أن الله - ﷿ - يوصف بأنه الحميد، وهي صفةٌ ذاتيةٌ له كذلك.
والدليل من الكتاب:
- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ فاطر: ١٥.
- وقوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ التوبة: ٢٨.
- قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٢٦٧)﴾ البقرة: ٢٦٧.
ومن السنة:
- قال - ﷺ -: ( من يستعفف؛ يعفه الله، ومن يستغن؛ يغنه الله ) (٢).
- حديث كعب بن عجرة - ﵁ - في التشهد: ( قولوا: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد) (٣).
_________________
(١) تفسير الجلالين (ص ١٨٤).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الزكاة، باب لا صدقة إلا عن ظهر غنى، برقم (١٤٦٩)، وأخرجه مسلم في كتاب الزكاة، باب فضل التعفف والصبر، برقم (١٠٥٣).
(٣) أخرجه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى (واتخذ الله إبراهيم خليلا وقوله إن إبراهيم كان أمة قانتا لله ..، برقم (٣٣٧٠)، وأخرجه مسلم في كتاب صلاة، باب الصلاة على النبي - ﷺ -، برقم (٤٠٦).
[ ١٤٦ ]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -:
"والفَقْرُ لِي وَصْفُ ذَاتٍ لاَزِمٌ أبدا كَمَا أَنَّ الغِنى أَبدًا وَصْفٌ لَهُ ذَاتِي" (١).
وقال ابن القيم - ﵀ -:
"وَهُوَ الغَنِيُّ بِذَاتِهِ فَغِنَاهُ ذَا تِيٌّ لِهُ كَالجُود وِالإحْسَانِ" (٢).
قال الشيخ الهراس: ومن أسمائه الحسنى (الغني)؛ فله سبحانه الغنى التام المطلق من كل وجه؛ بحيث لا تشوبه شائبة فقر وحاجة أصلًا، وذلك لأن غناه وصف لازم له، لا ينفك عنه؛ لأنه مقتضى ذاته، وما بالذات لا يمكن أن يزول؛ فيمتنع أن يكون إلا غنيًا كما يمتنع أن يكون إلا جوادًا محسنًا برًا رحيمًا كريمًا (٣).
وقيل: "الواسع: الغني، يقال: فلان يعطي من سعة؛ أي: من غنى وجدة " (٤).
قال ابن منظور (٥): "الحميد من صفاته ﷾، بمعنى المحمود على كل حال، وهو فعيل بمعنى مفعول" (٦).
والحميد هو المحمود المثنى عليه، والله ﷿ هو الحميد بحمده لنفسه أزلًا، وبحمد عباده له أبدًا، والحميد من العباد من حمدت عقائده وأخلاقه وأعماله وأقواله وإن كان لا يخلو أحد عن مذمة ونقص وإن كثرت محامده، فالحميد المطلق هو الله تعالى فهو سبحانه
_________________
(١) ينظر: العقود الدرية من مناقب شيخ الإسلام أحمد بن تيمية لمحمد بن أحمد بن عبد الهادي بن قدامة المقدسي أبو عبد الله (١/ ٣٩١)، طريق الهجرتين لابن القيم (ص ٦)، مدارج السالكين (١/ ٤٤٠).
(٢) النونية (٢/ ٧٤).
(٣) ينظر: شرح الواسطية (ص ١١٤).
(٤) ينظر: اشتقاق أسماء الله (ص ٧٢)،وشرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة لسعيد بن علي بن وهف القحطاني (ص ٢٥).
(٥) هو: محمد بن مكرم بن على جمال الدين بن منظور صاحب لسان العرب الإمام اللغوي الحجة ولد بمصر وخدم في ديوان الإنشاء بالقاهرة طول عمره وولي قضاء طرابلس، وكان عارفًا بالنحو واللغة والتاريخ والكتابة، وتوفى بمصر سنة (٧١١ هـ)، قال الذهبي: كان عنده تشيع بلا رفض، ومن مؤلفاته مختصر الأغاني، وجمع في اللغة كتابا سماه لسان العرب جمع فيه بين التهذيب والمحكم والصحاح والجمهرة جوده ما شاء ورتبه ترتيب الصحاح وهو كبير. ينظر: الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة لابن حجر (٦/ ١٥)، بغية الوعاة للسيوطي (١/ ٢٤٨)، تاج العروس للزبيدي (١/ ٥)، أبجد العلوم للقنوجي (٣/ ١٠).
(٦) اللسان (٣/ ١٥٥)، ينظر: جامع الأصول (٤/ ١٨٠).
[ ١٤٧ ]
المستحق للحمد والثناء فهو سبحانه المحمود على ما خلق وشرع ووهب ونزع وضر ونفع وأعطى ومنع (١).
"وهو المستحق لأن يحمد لأنه جل ثناؤه بدأ فأوجد، ثم جمع بين النعمتين الجليلتين الحياة والعقل، ووالى بعد منحه، وتابع آلاءه ومننه، حتى فاتت العد، وإن استفرغ فيها الجهد، فمن ذا الذي يستحق الحمد سواه؟ بل له الحمد كله لا لغيره، كما أن المن منه لا من غيره.
قال الخطابي: هو المحمود الذي استحق الحمد بفعاله، وهو فعيل بمعنى مفعول، وهو الذي يحمد في السراء والضراء، وفي الشدة والرخاء، لأنه حكيم لا يجري في أفعاله الغلط ولا يعترضه الخطأ فهو محمود على كل حال ومنها القاضي قال الله ﷿: ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾ غافر: ٢٠" (٢).