يقرر الشيخ - ﵀ - صفة النزول لله - ﷿ - كما يشاء، فيقول: " ففي الإمكان أن ينزل كما يشاء نزولًا يليق بجلاله في الثلث الأخير من الليل بالنسبة إلى كل قطر - من الأرض-، ولا ينافي ذلك علوه واستواءه على العرش؛ لأننا في ذلك لا نعلم كيفية النزول ولا كيفية الاستواء، بل ذلك مختص به سبحانه، بخلاف المخلوق فإنه يستحيل في حقه أن ينزل في مكان ويوجد بمكان آخر في تلك اللحظة كما هو معلوم، إلاَّ الله - ﷿ - فهو على كل
_________________
(١) الشريعة (ص ٢٧٧).
(٢) هو: القاسم بن سلام بن عبد الله البغدادي، المشهور بأبي عبيد، من أئمة الحديث وكبار السلف، اللغوي، المحدث، الفقيه، توفي بمكة سنة (٢٢٤ هـ)، قيل أنه أول من صنف في غريب الحديث من مؤلفاته: غريب الحديث، والإيمان، كتاب الأموال، وغيرها. ينظر: تهذيب الكمال للمزي (٢٣/ ٣٥٤)، سير أعلام النبلاء (١٠/ ٤٩٠)، بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة لجلال الدين السيوطي (٢/ ٢٥٣).
(٣) ينظر: أخرج هذه الرواية عن أبو عبيد القاسم بن سلام - ﵀ - الدارقطني في كتاب الصفات (ص ٦٨ - ٦٩)، والآجري في الشريعة (ص ٢٥٥)، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٣/ ٥٢٦) برقم (٩٢٨)، وابن عبد البر في التمهيد (٧/ ١٤٩ - ١٥٠)، وابن تيمية في مجموع الفتاوى (٥/ ٥١).
[ ١٨٦ ]
شيء قدير، ولا يقاس ولا يمثل به؛ لقوله - ﷿ -: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٧٤)﴾ النحل: ٧٤، وقوله سبحانه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ الشورى: ١١، ومما ذكرناه يتضح لك أنه لا تعارض بين نزوله واستوائه، وأن اختلاف الأقطار لا يؤثر في ذلك" (١).
والنزول صفة فعلية خبرية ثابتة لله - ﷿ - بالسنة الصحيحة.
الدليل من السنة:
- حديث النزول المشهور: (يَنْزِلُ ربنا ﵎ إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر ) (٢).
- حديث علي بن أبي طالب وأبي هريرة - ﵄ - مرفوعًا: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة ولأخرت عشاء الآخرة إلى ثلث الليل الأول فإنه إذا مضى ثلث الليل الأول هبط الله تعالى إلى السماء الدنيا فلم يزل هناك حتى يطلع الفجر ) (٣).
قال أبو سعيد الدارمي -بعد أن ذكر ما يثبت النزول من أحاديث رسول الله - ﷺ -: "فهذه الأحاديث قد جاءت كلها وأكثر منها في نزول الرب ﵎ في هذه المواطن، وعلى تصديقها والإيمان بها أدركنا أهل الفقه والبصر من مشايخنا، لا ينكرها منهم أحد، ولا يمنع من روايتها" (٤).
_________________
(١) فتاوى اللجنة (٣/ ١٨٦ - ١٨٧).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب التوحيد باب قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾ الفتح: ١٥، برقم (٧٤٩٤)، ومسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها باب الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل والإجابة فيه، برقم (٧٥٨)؛ من حديث أبي هريرة.
(٣) أخرجه أحمد في مسند العشرة المبشرين بالجنة، من أخبار عثمان بن عفان (٩٦٧و٩٦٨ شاكر) بإسناد حسن، وأخرجه النسائي في كتاب الزينة، باب الوقت الذي يستجاب فيه الاستغفار، برقم (١٠٢٣٦)، وأخرجه الدارمي في سننه في كتاب الصلاة، باب ينزل الله إلى السماء الدنيا، برقم (١٤٨١).
(٤) الرد على الجهمية (ص ٧٩)، ينظر: شرح أصول الاعتقاد للالكائي (٣/ ٤٨١)، رد الدارمي على بشر (١/ ٤٩٧)، النزول للدار قطني (ص ٢٥) وما بعدها.
[ ١٨٧ ]
وقال الإمام محمد بن خزيمة: "باب: ذكر أخبار ثابتة السند في نزول الرب جل وعلا إلى السماء الدنيا كل ليلة: نشهد شهادة مقرٍ بلسانه، مصدقٍ بقلبه، مستيقن بما في هذه الأخبار من ذكر نُزول الرب، من غير أن نصف الكيفية؛ لأن نبينا المصطفى لم يصف لنا كيفية نزول خالقنا إلى سماء الدنيا، وأعلمنا أنه ينزل، والله جل وعلا لم يترك، ولا نبيه ﵇، بيان ما يحتاج إليه المسلمون من أمر دينهم؛ فنحن قائلون مصدقون بما في هذه الأخبار من ذكر النزول، غير متكلفين القول بصفته أو بصفة الكيفية؛ إذ النبي - ﷺ - لم يصف لنا كيفية النزول.
وفي هذه الأخبار ما بان وثبت وصح أن الله جل وعلا فوق سماء الدنيا الذي أخبرنا نبينا - ﷺ - أنه ينزل إليه، إذ محال في لغة العرب أن يقول: نزل من أسفل إلى أعلى، ومفهوم في الخطاب أن النزول من أعلى إلى أسفل" (١).
وقال أبو القاسم اللالكائي: "سياق ما روي عن النبي - ﷺ - في نزول الرب ﵎، رواه عن النبي - ﷺ - عشرون نفسًا" (٢).
وقد تواترت الأخبار عن النبي - ﷺ - في نزول الرب إلى السماء الدنيا، ورواه عنه نحو ثمانية وعشرين صحابيًا. وهذا يدل على أنه كان يبلغه في كثير من المواطن، مما يؤكد أنه نزول حقيقي يليق بالله ﷾ (٣).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: " والقول المشهور عن السلف عند أهل السنة والحديث: هو الإقرار بما ورد به الكتاب والسنة من أنه يأتي وينزل، وغير ذلك من الأفعال اللازمة" (٤).
ونزول الرب -﷾- الثابت له بالأدلة المتقدمة على تسعة أنواع هي: نزوله سبحانه إلى السماء الدنيا كل ليلة، وعشية عرفة، وليلة النصف من شعبان، وبعد أن
_________________
(١) ينظر: كتاب التوحيد (١/ ٢٨٩).
(٢) أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٣/ ٤٣٤)، ينظر: التسعينية لشيخ الإسلام ابن تيمية (٣/ ٩١٤).
(٣) ينظر: حكاية التواتر، وذكر الصحابة الذين رووه، وطرقه في مختصر الصواعق المرسلة (٢/ ٣٦٦)، (٢/ ٣٧١ - ٣٨٢)، مجموع الفتاوى (٥/ ٥٧٧ - ٥٧٨).
(٤) مجموع الفتاوى (٥/ ٥٧٧)، ينظر: صفة النزول الإلهي للجعيدي (ص ٢٢٣).
[ ١٨٨ ]
ينادي المنادي بين يدي الساعة، ونزوله تعالى إلى الأرض بين النفختين في الصور، ويوم القيامة، ونزوله جل وعلا من العرش إلى الكرسي يوم القيامة، ونزوله ﷿ على القنطرة يوم القيامة، ونزوله جل وعلا لأهل الجنة (١).
وقد أورد البعض على حديث النزول في ثلث الليل الآخر، بأن ثلث الليل يختلف باختلاف البلدان، فلا يمكن النزول في وقت معين.
قال ابن رجب - ﵀ -: " وقد اعترض من كان يعرف هذا على حديث النزول ثلث الليل الآخر، وقال: ثلث الليل يختلف باختلاف البلدان، فلا يمكن أن يكون النزول وقت معين.
ومعلوم بالضرورة من دين الإسلام قبح هذا الاعتراض، وأن رسول الله - ﷺ - وخلفاءه الراشدين لو سمعوا من يعترض به لما ناظروه، بل بادروا إلى عقوبته وإلحاقه بزمرة المخالفين المنافقين المكذبين" (٢).
قال الإمام الترمذي (٣)
- ﵀ -: " وقد قال غير واحد من أهل العلم في هذا الحديث (٤) وما يشبه هذا من الروايات من الصفات ونزول الرب ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا، قالوا: قد ثبتت الروايات في هذا ويؤمن بها ولا يتوهم ولا يقال كيف " (٥).
_________________
(١) ينظر: أدلة هذا الأنواع وتخريجها في صفة النزول الإلهي (ص ١٤٩ - ١٥١).
(٢) فضل علم السلف على الخلف (ص ١٣٤).
(٣) هو: محمد بن عيسى بن سورة بن موسى بن الضحاك السلمي الترمذي الضرير فقد بصره -على الصحيح- في كبره بعد رحلته وكتابته العلم، كان عالمًا حافظًا إمامًا بارعًا، شارك البخاري في بعض شيوخه وتتلمذ عليه توفي - ﵀ - سنة (٢٧٩ هـ)، وقيل غير ذلك، له مصنفات منها: الجامع المشهور بسنن الترمذي، وكتاب العلل. ينظر: وفيات الأعيان (٤/ ١٠٤)، وتذكرة الحفاظ (٢/ ٦٣٣)، والسير (١٣/ ٢٧٠).
(٤) يعني حديث أبي هريرة مرفوعًا: (ما تصدق أحد بصدقة من طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب، إلا أخذها الرحمن بيمينه ) الحديث، أخرجه البخاري في كتاب الزكاة باب الصدقة من كسب طيب، برقم (١٤١٠)، ومسلم في كتاب الزكاة باب قبول الصدقة من الكسب الطيب وتربيتها، برقم (١٠١٦).
(٥) السنن (٣/ ٤١ - ٤٢).
[ ١٨٩ ]
وقال ابن عبد البر (١) - ﵀ -: " والذي عليه جمهور أئمة أهل السنة أنهم يقولون: ينزل كما قال رسول الله - ﷺ - ويصدقون بهذا الحديث ولا يكيفون، والقول في كيفية النزول كالقول في كيفية الاستواء والمجيء، والحجة في ذلك واحدة" (٢).
_________________
(١) هو: يوسف بن عبد الله بن محمد بن عاصم، النميري المالكي، أبو عمر، حافظ المغرب، وصاحب التصانيف الشهيرة، من مؤلفاته: التمهيد، والاستذكار، والاستيعاب، توفي سنة (٤٦٣ هـ). ينظر: سير أعلام النبلاء (١٨/ ١٥٣)، شذرات الذهب (٣/ ٣١٤).
(٢) التمهيد (٧/ ١٤٣)، وينظر: (٧/ ١٥٣).
[ ١٩٠ ]