بين الشيخ - ﵀ - هذه النسبة بقوله: "لم يرد في النصوص نسبة الجهة إلى الله نفيًا ولا إثباتًا، ثم هي كلمة مجملة تحتمل حقًا وباطلًا؛ فإن إثباتها لله يحتمل أن يراد به أنه تعالى فوق عباده مستو على عرشه، وهذا حق، ويحتمل أن يراد به أنه يحيط به شيء من خلقه، وهذا باطل، ونفيها عن الله يحتمل نفي علوه على خلقه واستوائه على عرشه، وهذا باطل، ويحتمل تنزيهه عن أن يحيط به شيء من خلقه، وهذا حق، وإذن لا يصح نسبة الجهة إلى الله نفيًا ولا إثباتًا لعدم ورودها ولاحتمالها الحق والباطل" (٣).
_________________
(١) فمثلًا: قول الله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ الإسراء: ٢٣، إن كان الخطاب لأمة الدعوة فقضى هنا بمعنى: أمر، وإن كان الخطاب لأمة الإجابة فقضى بمعنى: أوجب، فالقضاء المطلق هو بمعنى الأمر فقط الذي لا يشمل جزمًا، وإن كان لأمة الإجابة الذين آمنوا وصدقوا محمدًا ﷺ فهو على سبيل الإيجاب والجزم.
(٢) سلسلة الأسماء والصفات للشيخ محمد الحسن الددو الشنقيطي عبارة عن دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية http://www.islamweb.net. ينظر: توضيح الكافية الشافية (ص ١٢٧) والحق الواضح المبين (ص ٨٠).
(٣) الإحكام في أصول الأحكام (١ج١/ ٣٧٠) و(٢ج٤/ ١٢٩).
[ ١٥٠ ]
وبين الشيخ عبد الرزاق عفيفي - ﵀ - أن الألفاظ المجملة (١) إذا أُرِيدَ بها معنى صحيحًا أقررناها وقلنا: التعبير خطأ، وإذا أُرِيدَ بها معنى فاسدًا أنكرنا على من قال بها (٢).
وقال الشيخ - ﵀ - مبينًا المسلك الصحيح في مثل هذه التعبيرات: "ولو اقتصر من يتكلم في التوحيد على ما ورد من التعبير في نصوص الشريعة، وما عرف عن السلف الصالح في أسماء الله وصفاته؛ لكان في ذلك عصمة لهم من زلل الرأي والتوسع في التعبير، ولو اكتفوا في الاستدلال على مسائل الدين وخاصة السمعية بما دلهم عليه الكتاب والسنة من الأدلة السمعية والعقلية لهدوا إلى صراط مستقيم ونجوا من فرقة الأهواء ومن الحيرة التي طوحت بهم في المتاهات" (٣).
ويغني عن لفظ (الجهة) وصف الله بالعلو والفوقية، وأنه ﷾ في السماء وهذه ما وردت بها نصوص الشريعة (٤).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: " فلفظ الجهة قد يراد به شيء موجود غير الله، فيكون مخلوقًا، كما إذا أريد بالجهة نفس العرش أو نفس السماوات، وقد يراد به ما ليس بموجود غير الله تعالى؛ كما إذا أريد بالجهة ما فوق العالم.
ومعلوم أنه ليس في النص إثبات لفظ الجهة ولا نفيه؛ كما فيه إثبات العلو، والاستواء، والفوقية، والعروج إليه ونحو ذلك، وقد علم أنَّ ما ثم موجود إلا الخالق والمخلوق، والخالق ﷾ مباين للمخلوق، ليس في مخلوقاته شيء من ذاته، ولا في ذاته شيء من مخلوقاته.
_________________
(١) وهي التي تحتمل حقًا وباطلًا، مثل: وصف الله بالجسم، والحيز، والجهة، والحد. ينظر: فتاوى ورسائل سماحة الشيخ عبد الرزاق عفيفي (١/ص ١٥٩).
(٢) فتاوى ورسائل سماحة الشيخ عبد الرزاق عفيفي (١/ ١٥٩).
(٣) الإحكام في أصول الأحكام (٢ج٤/ ١٢٩).
(٤) ينظر: صفات الله - ﷿ - الواردة في الكتاب والسنة (ص ٩٩).
[ ١٥١ ]
فيقال لمن نفى الجهة: أتريد بالجهة أنها شيء موجود مخلوق؟ فالله ليس داخلًا في المخلوقات، أم تريد بالجهة ما وراء العالم؟ فلا ريب أنَّ الله فوق العالم مباين للمخلوقات. وكذلك يقال لمن قال: الله في جهة، أتريد بذلك أن الله فوق العالم؟ أو تريد به أنَّه داخل في شيء من المخلوقات؟ فإن أردت الأول؛ فهو حق، وإن أردت الثاني؛ فهو باطل" (١).
ويقول شيخ الإسلام: كذلك: "فإذا قال القائل: هو في جهة أو ليس في جهة؟ قيل له: الجهة أمر موجود أو معدوم، فإن كان أمرًا موجودًا، ولا موجود إلا الخالق والمخلوق، والخالق بائن عن المخلوق؛ لم يكن الرب في جهة موجودة مخلوقة، وإن كانت الجهة أمرًا معدومًا؛ بأن يسمى ما وراء العالم جهة، فإذا كان الخالق مباينًا العالم، وكان ما وراء العالم جهة مسماة، وليس هو شيئًا موجودًا؛ كان الله في جهة معدومة بهذا الاعتبار. لكن؛ لا فرق بين قول القائل: هو في معدوم، وقوله: ليس في شيء غيره؛ فإنَّ المعدوم ليس شيئًا باتفاق العقلاء.
ولا ريب أن لفظ الجهة يريدون به تارة معنىً موجودًا، وتارة معنىً معدومًا، بل المتكلم الواحد يجمع في كلامه بين هذا وهذا، فإذا أزيل الاحتمال؛ ظهر حقيقة الأمر.
فإذا قال القائل: لو كان في جهة؛ لكانت قديمة معه. قيل له: هذا إذا أريد بالجهة أمرٌ موجود سواه؛ فالله ليس في جهة بهذا الاعتبار.
وإذا قال: لو رئُي؛ لكان في جهة، وذلك محال. قيل له: إن أردت بذلك: لَكَانَ فِي جِهَةٍ مَوْجُودَةٍ؛ فذلك محال؛ فإن الموجود يمكن رؤيته، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي مَوْجُودٍ غَيْرِهِ؛ كالعالم، فإنه يمكن رؤية سطحه وليس هو في عالم آخر. وإن قال: أردت أنه لا بدَّ أنَّ يكون فيما يسمى جهة، ولو معدومًا؛ فإنه إذا كان مباينًا للعالم؛ سمي ما وراء العالم جهة. قيل له: فلم قلت: إنه إذا كان في جهة بهذا الاعتبار كان ممتنعًا؟ فإذا قال: لأن ما باين العالم ورئُي لا يكون إلا جسمًا أو متحيزًا؛ عاد القول إلى لفظ الجسم والمتحيز كما عاد إلى لفظ الجهة. فقال له: المتحيز يراد به ما حازه غيره. ويراد به ما بان عن غيره فكان متحيزًا عنه، فإن أرادت بالمتحيز الأول؛ لم يكن سبحانه متحيزًا؛ لأنه بائن
_________________
(١) الرسالة التدمرية القاعدة الثانية (٦٠ - ٦٨).
[ ١٥٢ ]
عن المخلوقات، لا يحوزه غيره، وإن أردت الثاني؛ فهو سبحانه بائن عن المخلوقات، منفصل عنها، ليس هو حالًا فيها، ولا متحدًا بها؛ فبهذا التفصيل يزول الاشتباه والتضليل" (١).
وقال الشيخ العثيمين - ﵀ -: " ومما لم يرد إثباته ولا نفيه لفظ (الجهة)، فلو سأل سائل: هل نُثبت لله تعالى جهة؟ قلنا له: لفظ الجهة لم يرد في الكتاب والسنة إثباتًا ولا نفيًا، ويُغني عنه ما ثبت فيهما من أن الله تعالى في السماء، وأما معناه؛ فإمَّا أنَّ يراد به: جهة سُفْلٍ أو جهة علو تحيط بالله أو جهة عُلُوٍ لا تحيط به.
فالأول باطل؛ لمنافاته لعلو الله تعالى الثابت بالكتاب والسنة والعقل والفطرة والإجماع.
والثاني باطل أيضًا؛ لأن الله تعالى أعظم من أنْ يحيط به شيء من مخلوقاته.
والثالث حقٌّ؛ لأن الله تعالى العلي فوق خلقه ولا يحيط به شيء من مخلوقاته" (٢).
يقول ابن القيم - ﵀ -: " أسماء الله تعالى يجري على نفسه منها أكملها وأحسنها ومالا يقوم غيره مقامه فتأمل ذلك فأسماؤه أحسن الأسماء كما أن صفاته أكمل الصفات فلا تعدل عما سمى به نفسه إلى غيره كما لا تتجاوز ما وصف به نفسه ووصفه به رسوله - ﷺ - إلى ما وصفه به المبطلون والمعطلون" (٣).