يرى الشيخ - ﵀ - أن قول النبي - ﷺ -: (إن الله خلق آدم على صورته) (٤) أي على صورة الرحمن كما ثبت في الرواية الأخرى (٥)، والصورة لله تعالى ثابتة في الصحيحين أنه تعالى يأتي على صورته وعلى غيره صورته (٦).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٦/ ٣٩ - ٤٠).
(٢) القواعد المثلى (ص ٤٠).
(٣) بدائع الفوائد (١/ ١٦٨).
(٤) أخرجه البخاري، كتاب الاستئذان، باب بدء السلام (٤/ ١٩٥٩) برقم (٦٢٢٧)، ومسلم، كتاب الجنة، باب يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير (٤/ ٢١٨٣) برقم (٢٨٤١) من حديث أبي هريرة - ﵁ - به.
(٥) ذكرت في البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة تالية الذكر.
(٦) فتاوى ورسائل سماحة الشيخ عبد الرزاق عفيفي (١/ص ١٦٠).
[ ١٥٣ ]
وصفة الصورة صفةٌ ذاتيةٌ خبريةٌ ثابتةٌ لله - ﷿ - بالأحاديث الصحيحة.
الدليل:
- حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - الطويل في رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة، وفيه: (فيأتيهم الجبار في صورته التي رأوه فيها أوَّل مرة، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا ) (١).
- حديث أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: (إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه، فإن الله خلق آدم على صورته) (٢).
استشكل بعض أهل العلم قوله - ﷺ -: (خلق الله آدم على صورته)، حيث فهموا أن القول: بإعادة الضمير على الله تعالى في هذا الحديث، يلزم منه التشبيه - تشبيه صورة آدم بصورة الله تعالى- ولذلك اختلفوا في متعلق الضمير.
وجملة الخلاف يعود إلى أربعة أقوال هي كما يلي:
أولًا: أن الضمير في قوله: (على صورته) عائد على غير الله تعالى: ففي حديث: (إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه، فإن الله خلق آدم على صورته) يعود إلى المضروب (٣).
ثانيًا: أن الضمير في قوله: (على صورته) عائد إلى الله تعالى، وأن إضافة الصورة إلى الله تعالى من باب إضافة الصفة إلى الموصوف، وعلى هذا جمهور أهل السنة، بل قال شيخ الإسلام ابن تيمية: -وهو ممن انتصر لهذا القول وأطال الكلام جدًا على هذا الحديث (٤)
- قال: "هذا الحديث لم يكن بين السلف من القرون الثلاثة نزاع في أن الضمير
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب التوحيد، باب قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ برقم (٧٤٣٩)، وأخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية برقم (١٨٣).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب العتق، باب إذا ضرب العبد فليجتنب الوجه، برقم (٢٥٥٩)، مسلم في صحيحه كتاب البر والصلة، باب النهي عن ضرب الوجه برقم (٢٦١٢) واللفظ لمسلم.
(٣) ينظر: فتح الباري لابن حجر (٥/ ١٨٣)، شرح النووي على مسلم (١٦/ ٤٠٣)، صحيح ابن حبان (١٢/ ٤٢٠ - ٤٢١)، التوحيد لابن منده (١/ ٢٢٣ - ٢٢٤)، التوحيد لابن خزيمة (١/ ٨٤)، الأسماء والصفات للبيهقي (٢/ ٦٣).
(٤) في كتابه الذي يرد فيه على الرازي واسمه: (بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية) أو (نقض تأسيس الجهمية)، وقد طبع منه مجلدان كبيران بهذا العنوان، وأما بقية الكتاب فلا يزال مخطوطًا، وقد قام عدد من الباحثين في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بتحقيق الكتاب كاملًا، لكنه لم يطبع بعد. وكلام ابن تيمية عن هذا الحديث في هذه البقية التي لم تطبع، وقد لخصه الشيخ حمود التويجري - ﵀ - في كتابه: (عقيدة أهل الإيمان في خلق آدم على صورة الرحمن). ينظر: أحاديث العقيدة المتوهم إشكالها في الصحيحين جمعًا ودراسة، د. سليمان محمد الدبيخي (ص ١٢٢).
[ ١٥٤ ]
عائد إلى الله، فإنه مستفيض من طرق متعددة عن عدد من الصحابة، وسياق الأحاديث كلها يدل على ذلك" (١).
ثالثًا: أن الضمير في قوله: (على صورته) يعود على الله ﷿، وتكون إضافة الصورة إلى الله تعالى من باب إضافة المخلوق إلى خالقه كما في قوله تعالى: ﴿نَاقَةُ اللَّهِ﴾ وكما يقال في الكعبة: بيت الله وهكذا (٢).
رابعًا: إنكار حديث: (إن الله خلق آدم على صورته) والنهي عن التحديث به، وهذا مروي عن الإمام مالك: (٣).
ومما لا ريب فيه أن الصورة ثابتة لله تعالى على ما يليق بجلاله وعظمته، وأن الضمير في قوله: (على صورته) عائد إلى الله تعالى، وإضافة الصورة إليه من باب إضافة الصفة إلى الموصوف - على ما جاء في القول الثاني- كما هو مقتضى ظاهر لفظ الحديث، ولا يجوز تأويل الحديث وصرفه عن ظاهره لمجرد توهم التشبيه والتمثيل، فإن هذا شأن أهل البدع، أما أهل السنة فإنهم يؤمنون بما صح من أحاديث الصفات كلها، ويجرونها على ظاهرها على ما يليق بجلال الله وعظمته مع نفي المماثلة على حد قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ الشورى: ١١ (٤).
_________________
(١) بيان تلبيس الجهمية تحقيق، د. عبد الرحمن اليحيى (٢/ ٣٩٦).
(٢) ينظر: التوحيد لابن خزيمة (١/ ٨٧ - ٩١)، الأسماء والصفات للبيهقي (٢/ ٦٣ - ٦٤)، والمعلم للمازري (٣/ ١٧١)، وشرح النووي على مسلم (١٦/ ٤٠٣ - ٤٠٤).
(٣) ينظر: التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد لأبي عمر يوسف النمري (٧/ ١٥٠)، الضعفاء الكبير للعقيلي (٢/ ٢٥١ - ٢٥٢)، ونقله عنه الذهبي في الميزان (٤/ ٩٥)، وفي السير (٥/ ٤٤٩).
(٤) ينظر: أحاديث العقيدة المتوهم إشكالها في الصحيحين جمعًا ودراسة، د. سليمان محمد الدبيخي (ص ١٣٧).
[ ١٥٥ ]
قال أبو محمد ابن قتيبة (١):
"والذي عندي -والله تعالى أعلم- أن الصورة ليست بأعجب من اليدين والأصابع والعينين، وإنما وقع الإلف (٢) لتلك لمجيئها في القرآن، ووقعت الوحشية من هذه لأنها لم تأت في القرآن، ونحن نؤمن بالجميع، ولا نقول في شيء منه بكيفية ولا حد" (٣).
وقال أبو يعلى الفراء (٤) في التعليق على حديث: (رأيت ربي في أحسن صورة) (٥)؛ قال: " اعلم أن الكلام في هذا الخبر يتعلق به فصول: أحدها جواز إطلاق الصورة عليه" (٦).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: "والوجه الخامس: أن الأحاديث مع آيات القرآن أخبرت بأنه يأتي عباده يوم القيامة على الوجه الذي وصف، وعند هؤلاء هو كل آتٍ، وما في الدنيا والآخرة، وأما أهل الإلحاد والحلول الخاص، كالذين يقولون بالاتحاد أو الحلول في المسيح أو علي أو بعض المشايخ أو بعض الملوك أو غير ذلك مما قد بسطنا القول عليهم في غير هذا الموضع؛ فقد يتأولون أيضًا هذا الحديث كما تأوله أهل الاتحاد والحلول المطلق؛ لكونه قال: فيأتيهم الله في صورة، لكن يقال لهم: لفظ (الصورة) في الحديث -يعني ﵀:
_________________
(١) في تعليقه على قول النبي - ﷺ -: " إن الله خلق آدم على صورته". وهو: عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، أبو محمد، خطيب أهل السنة وأحد أئمة السلف، من مؤلفاته: تفسير غريب القرآن، تأويل مختلف الحديث، الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية وغيرها، توفي سنة (٢٧٦ هـ). ينظر: سير أعلام النبلاء (١٣/ ٢٩٦)، شذرات الذهب (٢/ ١٦٩).
(٢) "إِلْفًا" من باب عَلِمَ أنست به وأحببته والاسم "الأُلْفَة" بالضم و"الأَلْفَةُ" أيضا اسم من "الائْتِلافِ" وهو الالتئام والاجتماع. ينظر: المصباح المنير- العصرية - (١/ ١٥)، المحيط في اللغة (١٠/ ٣٤٥)، معجم مقاييس اللغة لابن فارس (١/ ١٣١)، مقاييس اللغة (١/ ١٣٥).
(٣) تأويل مختلف الحديث (ص ٢٦١).
(٤) هو: محمد بن الحسين بن محمد بن خلف بن أحمد، المعروف بأبي يعلى الفراء البغدادي، شيخ الحنابلة وفقيههم، صاحب التصانيف الفريدة، كان إمامًا لا يدرك قراره، ولا يشق غباره، درَّس وأفتى، توفي - ﵀ - سنو (٤٥٨ هـ)، ومن مؤلفاته: إبطال التأويل، وكتاب مسائل الإيمان. ينظر: تاريخ بغداد للخطيب البغدادي (٢/ ٢٥٢)، شذرات الذهب (٣/ ٣٠٦).
(٥) أخرجه الترمذي في كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة ص برقم (٣٢٣٣)، وابن خزيمة في كتاب التوحيد برقم (٣١٨) (١/ ٣١٨)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة الكاملة برقم (٣١٦٩).
(٦) ينظر: إبطال التأويلات (١/ ١٢٦).
[ ١٥٦ ]
حديث أبي سعيد- كسائر ما ورد من الأسماء والصفات التي قد يسمى المخلوق بها على وجه التقييد، وإذا أطلقت على الله مختصة به؛ مثل العليم والقدير والرحيم والسميع والبصير، ومثل خلقه بيديه واستوائه على العرش ونحو ذلك" (١).
وبهذا يتضح أن الصورة صفة من صفات الله - ﷿ - الذاتية كسائر الصفات الثابتة بالأحاديث الصحيحة.