يقرر الشيخ - ﵀ - صفتي الحياة والقيومية لله - ﷿ - بنفيه السِّنَة والنوم عن الله، وأن نفيهما كمال له سبحانه، مستدلًا بقوله تعالى ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ البقرة: ٢٥٥، وقول الرسول - ﷺ -: (إن الله - ﷿ - لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه) (٤) " (٥).
_________________
(١) شرح العقيدة الطحاوية (١/ ١٧٠)، وينظر: الصواعق المرسلة لابن القيم (١/ ١١٠).
(٢) مجموع الفتاوى (٦/ ١٤٢). وينظر: كلامه في القدم في مجموع الفتاوى (٩/ ٣٠٠). وسبق أن ذكرته في آخر المطلب الثاني عند الحديث عن القِدَم.
(٣) بدائع الفوائد (١/ ١٦٢)، وينظر: مختصر العقيدة الطحاوية تعليق الألباني - ﵀ - (ص ١٩).
(٤) أخرجه مسلم كتب الإيمان، باب في قوله ﵇: إن الله لا ينام برقم (١٧٩).
(٥) ينظر: فتاوى اللجنة (٣/ ٢١٢).
[ ١٥٩ ]
والرب ﵎ حي حياة كاملة لم يسبقها عدم، ولا يعتريها نقص، ولا يعقبها فناء؛ بل هو الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، وهاتان الصفتان ذاتيتان لله سبحانه ثابتتان بالكتاب والسنة، كما سبق بعض أدلتها في كلام الشيخ - ﵀ - السابق:
فمن الكتاب:
- قال تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢)﴾ آل عمران: ٢.
- وقال تعالى: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ طه: ١١١.
ومن السنة:
- عن يسار بن زيد عن أبيه - ﵁ - أنه سمع النبي - ﷺ - يَقُولُ: (من قال: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه، غفر له وإن كان فر من الزحف) (١).
- وعن أنس بن مالك - ﵁ - أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - جالسًا ورجل يصلي ثم دعا: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم، فقال النبي - ﷺ -: (لقد دعا الله باسمه العظيم الذي إذا دُعي به أجاب وإذا سُئِل به أعطى) (٢).
قال شيخ الإسلام - ﵀ -: " فنفي أَخْذ السِّنَة والنوم له مستلزم لكمال حياته وقيوميته، فإن النوم ينافي القيومية، والنوم أخو الموت؛ ولهذا كان أهل الجنة لا ينامون" (٣).
قال ابن القيم - ﵀ -: " صفة الحياة متضمنة لجميع صفات الكمال مستلزمة لها، وصفة القيومية متضمنة لجميع صفات الأفعال، ولهذا كان اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى هو اسم الحي القيوم، والحياة التامة تضاد جميع الأسقام والآلام، ولهذا لما كملت حياة أهل الجنة؛ لم يلحقهم هم ولا غم ولا حزن ولا شيء من الآفات، ونقصان
_________________
(١) أخرجه أبو داود في كتاب الصلاة، باب في الاستغفار برقم (١٥١٧)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (١٦٢٢).
(٢) أخرجه أبو داود في كتاب الصلاة، باب الدعاء برقم (١٤٩٥)، وصححه الألباني في صحيح أبي داود (١/ ٢٧٩) (١٣٢٦).
(٣) مجموع فتاوى ابن تيمية (التفسير) (٥/ ١٢٦).
[ ١٦٠ ]
الحياة يضر بالأفعال وينافي القيومية؛ فكمال القيومية لكمال الحياة؛ فالحي المطلق التام لا يفوته صفة الكمال البتة، والقيوم لا يتعذر عليه فعل ممكن البتة " (١).
وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي - ﵀ -: " وقوله: ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ البقرة: ٢٥٥، هذان الاسمان الكريمان يدلان على سائر الأسماء الحسنى دلالة مطابقة وتضمنا ولزوما، فالحي من له الحياة الكاملة المستلزمة لجميع صفات الذات، كالسمع والبصر والعلم والقدرة، ونحو ذلك، والقيوم: هو الذي قام بنفسه وقام بغيره، وذلك مستلزم لجميع الأفعال التي اتصف بها رب العالمين من فعله ما يشاء من الاستواء والنزول والكلام والقول والخلق والرزق والإماتة والإحياء، وسائر أنواع التدبير، كل ذلك داخل في قيومية الباري، ولهذا قال بعض المحققين: إنهما الاسم الأعظم الذي إذا دعي الله به أجاب، وإذا سئل به أعطى، ومن تمام حياته وقيوميته أن ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ البقرة: ٢٥٥، والسنة النعاس" (٢).
واسم الله القيوم يدل باللزوم على الوجود والبقاء والغنى بالنفس وسائر أنواع الكمال في الذات والصفات والأفعال، جميع الأسماء الحسنى تدل على صفة الحياة باللزوم ما عدا الحي فإنه يدل عليها بالتضمن كذلك القول في اسم الله القيوم؛ فإن جميع الأسماء الحسنى تدل على صفة القيومية باللزوم ما عدا القيوم فإنه يدل عليها بالتضمن، ولولا صفة الحياة والقيومية ما كملت بقية أسمائه وصفاته وأفعاله فدوام الحياة والقيومية من دلائل دوام الملك والربوبية وكمال الصفات الإلهية (٣).
وقد أحسن ابن قيم الجوزية حين وصف ذلك في النونية فقال:
وله الحياة كمالها فلأجل ذا ما للممات عليه من سلطان
وكذلك القيوم من أوصافه ما للمنام لديه من غشيان
وكذاك أوصاف الكمال جميعها ثبتت له ومدارها الوصفان
فمصحح الأوصاف والأفعال والأ سماء حقا ذانك الوصفان
ولأجل ذا جاء الحديث بأنه في آية الكرسي وذي عمران
_________________
(١) الطب النبوي (ص ١٥٩).
(٢) تفسير السعدي (١/ ١١٠).
(٣) ينظر: أسماء الله الحسنى في الكتاب والسنة، د. محمود عبد الرازق الرضواني (٢/ ١٥٧).
[ ١٦١ ]
اسم الإله الأعظم اشتملا على اسـ ـم الحي والقيوم مقترنان
فالكل مرجعها إلى الاسمين يد ري ذاك ذو بصر بهذا الشان (١).