أ- تعريف السحر:
يعرف الشيخ عبد الرزاق عفيفي - ﵀ - السحر، بقوله: "السحر في اللغة: عبارة عما خفي ولطف سببه؛ وفي الاصطلاح: السحر: عزائم ورقى" (٢).
والسحر في اللغة:
السحر في اللغة يدور حول عدة معانٍ؛ فيطلق على كل ما لطف مأخذه ودق، وقيل أصل السحر صرف الشيء عن حقيقته إلى غيره، وقيل في معنى قوله تعالى: ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (٨٩)﴾ المؤمنون: ٨٩: فأنى تصرفون (٣).
وفي الاصطلاح:
اختلفت تعريفات العلماء للسحر لكثرة أنواعه، وقد أشار الشافعي - ﵀ - إلى ذلك بقوله: "والسحر اسم جامع لمعان مختلفة" (٤)، كما أوضح هذا الاختلاف الشيخ محمد الأمين الشنقيطي بقوله: " اعلم أن السحر في الاصطلاح لا يمكن حده بحد جامع مانعًا
_________________
(١) وجه إدخال السحر في أبواب التوحيد أن كثيرًا من أقسامه لا يتأتى إلا بالشرك، والتوسل بالأرواح الشيطانية إلى مقاصد الساحر، فلا يتم للعبد توحيد حتى يدع السحر كله قليله وكثيره. ولهذا قرنه الشارع بالشرك، فالسحر يدخل في الشرك من جهتين: من جهة ما فيه من استخدام الشياطين ومن التعلق بهم، وربما تقرب إليهم بما يحبون ليقوموا بخدمته ومطلوبه. ومن جهة ما فيه من دعوى علم الغيب، ودعوى مشاركة الله في علمه وسلوك الطرق المفضية إلى ذلك، وذلك من شعب الشرك والكفر. وفيه أيضا من التصرفات المحرمة والأفعال القبيحة كالقتل والتفريق بين المتحابين والصرف والعطف والسعي في تغيير العقول، وهذا من أفظع المحرمات، وذلك من الشرك ووسائله، ولذلك تعين قتل الساحر لشدة مضرته وإفساده. القول السديد في مقاصد التوحيد (١/ ١٠٦)
(٢) ينظر: فتاوى اللجنة (١/ ٥٤٤، ٥٤٧).
(٣) ينظر: معجم المقاييس (٣/ ١٣٨)، لسان العرب (٤/ ٤٣٨)، ترتيب القاموس المحيط على طرقة المصباح المنير وأساس البلاغة للأستاذ الطاهر أحمد الزاوي (٢/ ٥٢٨)، أعلام الحديث للخطابي (ص ١٠٣٥)، والمفردات في غريب القرآن للأصفهاني (ص ٢٢٥).
(٤) الأم (١/ ٣١٩).
[ ٢٠١ ]
لكثرة الأنواع المختلفة الداخلة تحته، ولا يتحقق قدر مشترك بينها يكون جامعًا لها مانع لغيرها، ومن هنا اختلفت عبارات العلماء في حده اختلافًا متباينًا" (١).
ومن أشهر هذه التعريفات: تعريف ابن قدامة (٢)
حين قال: السحر: عزائم ورقى وعقد يؤثر في القلوب والأبدان فيمرض ويقتل، ويفرق بين المرء وزوجته، ويأخذ أحد الزوجين عن صاحبه" (٣).
السحر حقيقة أم تخييل:
السحر منه ما يكون له حقيقة وأثر لذا جاء الأمر بالاستعاذة منه كما في قوله تعالى ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤)﴾ الفلق: ٤، يعني السواحر (٤). ومنه ما يكون تخييل (٥) كما في قوله تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (٦٦)﴾ طه: ٦٦.
وفي معجم المناوي (٦) قال: " السحر: يقال على معان:
الأول: تخيلات لا حقيقة لها، نحو ما يفعله المشعوذة (٧).
الثاني: استجلاب معاونة الشيطان بضرب من التقرب إليه.
_________________
(١) أضواء البيان (٤/ ٤٤).
(٢) هو: الإمام موفق الدين أبو محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الصالحي الحنبلي، فقيه من أكابر الحنابلة، وهو عالم مجاهد، قاتل مع صلاح الدين، ولد سنة (٥٤١ هـ) وتوفي سنة (٦٢٠ هـ) له تصانيف منها المغني شرح مختصر الخرقي، والكافي، وروضة الناظر في أصول الفقه، والمقنع. ينظر: سير أعلام النبلاء (٢٢/ ١٦٥)، وشذرات الذهب (٧/ ١٥٥)، والأعلام (٤/ ٦٧).
(٣) الكافي في مذهب الإمام أحمد (٤/ ١٦٤)، وينظر: السحر بين الحقيقة والخيال، د. أحمد بن ناصر الحمد (ص ١٣ - ١٦).
(٤) جامع البيان (٣٠/ ٢٢٧)، تفسير القرآن العظيم (٤/ ٥٧٤).
(٥) ينظر: تفسير القرآن العظيم (١/ ١٤٧)، أضواء البيان (٤/ ٤٣٧).
(٦) هو: العلامة محمد عبد الرؤوف بن علي بن زين العابدين الحدادي ثم المناوي القاهري، من كبار العلماء ومن سليل أسرة علمية عريقة، انزوى للبحث والتصنيف، وقد مرض وضعفت أطرافه، فجعل ولده محمد يستملي منه تأليفه، ولد سنة (٩٥٢)، وتوفي سنة (١٠٣١ هـ)، له مصنفات عديدة منها: فيض القدير، وشرح الشمائل للترمذي، التوقيف على مهمات التعاريف. ينظر: البدر الطالع (١/ ٣٥٧)، والأعلام (٦/ ٢٠٤)، ومعجم المؤلفين لعمر رضا كحالة (٢/ ١٤٣)، والمسائل العقدية في فيض القدير للمناوى عرض ونقد للدكتور عبد الرحمن بن عبد الله التركي (ص ٦٦) وما بعدها.
(٧) الشعوذة أو الشعبذة: لَعِبٌ بخقة يرى الإنسان منه الشيء بخلاف ما عليه أصله في رأي العين، أي يرى ما ليس له حقيقة. ينظر: لسان العرب مادة شعذ (٥/ ٢٩)، والمصباح المنير للفيومي (١/ ٣٣٧).
[ ٢٠٢ ]
الثالث: ما يغير الصور والطبائع، كجعل الإنسان حمارًا، ولا حقيقة له عند المحصلين" (١).
وفي تفسير الإمام الرازي: لفظ السحر في عرف الشرع، مختص بكل أمر يخفى سببه، ويتخيل على غير حقيقة، ويجري مجرى التمويه والخداع. وإذا أطلق ذم فاعله" (٢)
من التعريفات المتداولة عند الأئمة أن السحر عزائم ورقى وعقد، تؤثر في الأبدان والقلوب، فيمرض ويقتل، ويفرق بين المرء وزوجه (٣).
ب- أنواع السحر:
هناك أنواع يمكن إلحاقها بالسحر لما بينهما من التشابه.
قال الشيخ عبد الرزاق عفيفي - ﵀ -: " والسحر أنواع مختلفة (٤):
١ - يطلق السحر على الفصاحة وقوة البيان، فإن استعمل ذلك في إظهار الحق وإبطال الباطل فهو مشروع محمود، وإن استعمل في التمويه على الناس وقلب الحقائق فهو ممنوع وقد يبلغ درجة الكفر" (٥).
والبيان كما جاء عن النبي - ﷺ -: (إن من البيان لسحرًا) (٦)، البيان ليس سحرًا، فليس فيه استعانة بالشياطين، ولكنه داخل في حقيقة السحر اللغوية؛ لأنه تأثير خفي على
_________________
(١) التوقيف على مهمات التعاريف -وهو معجم لغوي مصطلحي- (ص ٣٩٩)، وينظر: المفردات في غريب القرآن للراغب (ص ٢٢٤ - ٢٢٥).
(٢) التفسير الكبير (٣/ ٢٠٥ - ٢٠٦)، وينظر أعلام الحديث للخطابي (٣/ ١٩٧٦ - ١٩٧٧).
(٣) ينظر: الكافي لابن قدامة (٥/ ٣٣١)، تفسير القرطبي (٢/ ٤٤)، الدين الخالص لمحمد صديق حسن خان (٢/ ٣١٨)، فتح المجيد (ص ٣١٣)، المسائل العقدية في فيض القدير للمناوي عرض ونقد (ص ٣٣٦ - ٣٣٧).
(٤) أنواع السحر كثيرة وخفية، حتى اعتقد كثير من الناس أن من صدرت منه هذه الأمور من الأولياء، وعدّوها من كرامات الأولياء، وليس كل من جرى على يده شيء من خوارق العادة يكون وليًا لله؛ لأن العادة تنخرق بفعل الساحر والمشعوذ وخبر المنجم والكاهن بشيء من الغيب مما يخبره به الشياطين المسترقون للسمع، فأولياء الله هم المتبعون للرسول - ﷺ - باطنًا وظاهرًا، ومن كان بخلاف ذلك فليس بمؤمن فضلًا عن أن يكون وليًا لله تعالى، فلو أن الرجل طار في الهواء أو مشى على الماء لم يغتر به حتى يُنظر متابعته لرسول الله - ﷺ - وموافقته لأمره ونهيه. ينظر: الدر النضيد (١/ ١٧٢)
(٥) فتاوى اللجنة (١/ ٥٤٤ - ٥٤٧، ٥٦٣).
(٦) أخرجه البخاري في كتاب الطب باب إن من البيان لسحرا برقم (٥٧٦٧)، ومسلم في كتاب الجمعة باب تخفيف الصلاة والخطبة برقم (٨٦٩).
[ ٢٠٣ ]
القلوب، فإن الرجل البليغ ذا البيان وذا الإيضاح وذا اللسان الجميل الفصيح يؤثر على القلوب حتى يسبيها، وربما قلب الحق باطلا والباطل حقا ببيانه.
"فقد يستعمل السحر مقيدًا فيما يمدح ويحمد؛ نحو خبر: (إن من البيان لسحرًا).أي أن بعض البيان سحر، لأن بعضه يوضح المشكل، ويكشف عن حقيقة المجمل بحسن بيانه، فيستميل القلوب، كما يستمال بالسحر، وقيل لما كان في البيان من إبداع التركيب، وغرابة التأليف، ما يجذب السامع، ويخرجه إلى حد يكاد يشغله عن غيره، شبه بالسحر الحقيقي" (١).
البيان: البلاغة والفصاحة. وصدق نبيُّ الله - ﷺ -، فإنَّ الرجل يكون عليه الحقُّ وهو ألحنُ بالحجج من صاحب الحق (٢)، فيسحرُ القومَ ببيانه فيذهب بالحق. وقال ابنُ عبد البر: تأولته طائفة على الذم؛ لأن السحر مذموم، وذهب أكثر أهل العلم وجماعة أهل الأدب إلى أنه على المدح؛ لأن الله تعالى مدح البيان. وقد قال عمرُ بن عبد العزيز - ﵀ - لرجلٍ سأله عن حاجة فأحسن المسألة؛ فأعجبه قوله. قال: "هذا والله السحر الحلال"انتهى (٣).
والطائفة التي تأولته على الذم رأت أن المراد به البيان الذي فيه تمويهٌ على السامع وتلبيس، كما قال بعضهم شعرًا:
ففي زخرف القول تزيينٌ لباطله والحقُّ قد يعتريه سوءُ تعبير (٤)
مأخوذ عن قول الشاعر:
تقول هذا مُجاج (٥) النحل تمدحُه وإنْ تشأ قلت ذا قيءُ الزنابير (٦)
_________________
(١) التفسير الكبير (٣/ ٢٠٥ - ٢٠٦)، وينظر: أعلام الحديث للخطابي (٣/ ١٩٧٦ - ١٩٧٧)، المسائل العقدية في فيض القدير للمناوي عرض ونقد (ص ٣٣٧).
(٢) (فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض)، أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الأحكام باب من أقام البينة بعد اليمين برقم (٢٦٢٥).
(٣) فتح المجيد (ص ٣٢٨ - ٣٢٩)، معالم السنن للخطابي (٤/ ١٣٦).
(٤) من كلام أحمد بن شافع الجيلاني (ت ٥٦٥ هـ) ذكره ابنُ رجب في التاريخ (١/ ٣١٣).
(٥) المُجَاجُ بالضم والمُجَاجَةُ أيضا الريق الذي تمجه من فيك يقال المطر مُجَاجُ المزن والعسل مُجَاج النحل. ينظر: غريب الحديث للخطابي (١/ ١٨٨)، مختار الصحاح (١/ ٦٤٢)، مقاييس اللغة (٥/ ٢١٥).
(٦) والزنابير: جمع زنبور، وهو كل ذباب أليم اللسع من النحل وغيره. ينظر: المعجم الوسيط (١/ ٤٠٢)، تاج العروس من جواهر القاموس (١١/ ٤٥٢)، بغية الإيضاح لتلخيص المفتاح في علوم البلاغة لعبد المتعال الصعيدي (١/ ٢٤٨).
[ ٢٠٤ ]
مدحًا وذمًّا وما جاوزتَ وصفهما والحقُّ قد يعتريه سوءُ تعبير (١)
وأما البيان الذي يوضح الحق ويقرِّره، ويبطل الباطل ويبيِّنه. فهذا هو الممدوح. وهكذا حال الرسل وأتباعهم؛ ولهذا علت مراتبُهم في الفضائل، وعظمت حسناتهم.
وبالجملة: فالبيان إذا استعمل لتغطية الحق وتحسين الباطل. فإنه مذموم (٢).
"٢ - ويطلق على النميمة، وهي من كبائر الذنوب إلاَّ إذا نمى خيرًا ليصلح بين الناس، ولها واقع وتأثير في نفس من أصغى إليه" (٣).
قال رسول الله - ﷺ -: (ألا أنبئكم ما العَضْهُ؟ هي النميمة: القالة بين الناس) (٤)،
وأصل العضه في اللغة (٥) يطلق على أشياء ومنها السحر، والنميمة - هي نقل الكلام بين الناس على جهة الإفساد - القالة بين الناس نوع من أنواع السحر، وهي كبيرة من الكبائر ومحرم من المحرمات، ووجه الشبه بين النميمة وبين السحر أن تأثير السحر في التفريق بين المتحابين أو في جمع المتفارقين تأثيره على القلوب خفي، وهذا عمل النمام فإنه يفرق بين الأحباب؛ لأجل كلام يسوقه لهذا وكلام يسوقه لذاك فيفرق بين القلوب، ويجعل العداوة والبغضاء بين قلب هذا وهذا.
وقد دل الحديث على أن النميمة نوع من السحر؛ وذلك لأن النميمة تؤثر ما يؤثر السحر أو أكثر فنتيجتها مثل عمل ونتيجة السحر، وهو تفريق الناس، وتغيير القلوب،
_________________
(١) والبيتان لابن الرومي ينظر: الإيضاح في علوم البلاغة (ص ٢٠٧)، وذكرهما ابن القيم - ﵀ - في مفتاح دار السعادة (ص ١٣٥).
(٢) ينظر: فتح المجيد (٣١٠ - ٣١١).
(٣) فتاوى اللجنة (١/ ٥٤٤ - ٥٤٧، ٥٦٣).
(٤) أخرجه مسلم في كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم النميمة رقم الحديث (٤٧٢٢). والعضه بينها الإمام النووي، فقال: " هذه اللفظة رووها على وجهين أحدهما العضة بكسر العين وفتح الضاد المعجمة على وزن العدة والزنة والثاني العضه بفتح العين وإسكان الضاد على وزن الوجه وهذا الثاني هو الأشهر في روايات بلادنا والأشهر في كتب الحديث وكتب غريبة والأول أشهر في كتب اللغة ونقل القاضي أنه رواية أكثر شيوخهم وتقدير الحديث والله اعلم ألا أنبئكم ما العضه الفاحش الغليظ التحريم". ينظر: شرح النووي على مسلم (١٦/ ١٥٩).
(٥) ينظر: الصحاح للجوهري (٧/ ٩١)، تاج العروس من جواهر القاموس (٣٦/ ٤٤٣)، تهذيب اللغة (١/ ٩٥)، غريب الحديث لإبراهيم الحربي بالحواشي (٣/ ٩٢٥)، لسان العرب (١٣/ ٥١٥).
[ ٢٠٥ ]
وصرف الإنسان عن بعض الأشخاص؛ لكن لم يكفر صاحب النميمة ولم يحكم بقتله، وإنما كفر صاحب السحر وحكم بقتله؛ لأن السحر يقوم على وسائل شركية، والنميمة ليست كذلك (١).
" ذكر ابن عبد البر عن يحيى بن أبي كثير قال: يفسد النمام والكذاب في ساعة ما لا يفسد الساحر في سنة. وقال أبو الخطاب في عيون المسائل: ومن السحر السعي بالنميمة والإفساد بين الناس.
ووجهُه: أنه يقصد الأذى بكلامه وعمله على وجه المكر والحيلة، أشبه السحر، وهذا يعرف بالعرف والعادة أنه يؤثر، وينتج ما يعمله السِّحر أو أكثر فيُعطى حكمُه تسويةً بين المتماثلين أو المتقابلين. لكن يُقال: الساحرُ إنما يكفر لوصف السحر، وهو أمرٌ خاص ودليله خاصّ، وهذا ليس بساحر. وإنما يؤثر عملُه ما يؤثر فيعطى حكمه، إلا فيما اختص به من الكفر وعدم قبول التوبة؛ وقال ابن حزم - ﵀ -:اتفقوا على تحريم الغيبة والنميمة في غير النصيحة الواجبة" (٢).
"والنميمة على قسمين: تارة تكون على وجه التحريش بين الناس وتفريق قلوب المؤمنين فهذا حرام متفق عليه، فأما إن كانت على وجه الإصلاح بين الناس وائتلاف كلمة المسلمين كما جاء في الحديث: (ليس بالكذاب من ينم خيرًا) (٣) أو يكون على وجه التخذيل والتفريق بين جموع الكفرة، فهذا أمر مطلوب كما جاء في الحديث: (الحرب خدعة) (٤)، وكما فعل نعيم بن مسعود في تفريق كلمة الأحزاب وبني قريظة" (٥).
_________________
(١) ينظر: الجديد في شرح كتاب التوحيد لمحمد بن عبدالعزيز السليمان القرعاوي (١/ ٢٣٢).
(٢) فتح المجيد (ص ٣٠٩)، الملخص في شرح كتاب التوحيد (١/ ٢١٠).
(٣) أخرجه الإمام أحمد في مسنده برقم (٢٦٧٢٩). ولهذا الحديث له شاهد عند البخاري ومسلم فقد أخرج البخاري عن أم كلثوم بنت عقبة أنها سمعت النبي - ﷺ - يقول: (ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيرًا أو يقول خيرًا) أخرجه في كتاب الصلح، باب ليس الكاذب الذي يصلح بين الناس، برقم (٢٦٩٢)، وأخرجه مسلم في كتاب البر والصلة والأب، باب تحريم الكذب وبيان المباح منه، برقم (٢٦٠٧).
(٤) أخرجه البخاري في كتاب الجهاد والسير باب الحرب خدعة برقم (٣٠٢٨)، ومسلم في كتاب الجهاد والسير باب جواز الخداع في الحرب برقم (١٧٣٩).
(٥) تفسير ابن كثير (١/ ٢٣١)، أضواء البيان للشنقيطي (٤/ ٤٦).
[ ٢٠٦ ]
"٣ - ويطلق السحر أيضًا على التخييل وإيهام الناظر إلى الشيء أنه يتحرك مثلًا مع أنه لا يتحرك، وهذا من الإيهام والتدجيل، وهذا النوع من السحر حرام؛ لما فيه من التمويه والتلبيس واللعب بالعقول، وهذا النوع من أنواع الكفر الأكبر، وهو سحر سحرة فرعون" (١).
أثبتت النصوص القرآنية والحديثية هذا النوع من أنواع السحر، يقول الحق جل وعلا في محكم كتابه: ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (١١٥) قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (١١٦)﴾ الأعراف: ١١٥ - ١١٦، قال الطبري: " وذكر أن السحرة سحروا عين موسى وأعين الناس قبل أن يلقوا حبالهم وعصيهم، فخيل حينئذ إلى موسى أنها تسعى" (٢).
وقد ثبت من حديث عائشة - ﵂ - أنها قالت: (سُحر رسول الله - ﷺ - حتى أنه ليخيل إليه أنه فعل الشيء وما فعله) (٣).
قال الحافظ ابن حجر - ﵀ -: " قال المازري (٤):
- عن إنكار بعض المبتدعة لهذا الحديث - وهذا كله مردود، لأن الدليل قد قام على صدق النبي - ﷺ - فيما يبلغه عن الله تعالى وعلى عصمته في التبليغ، والمعجزات شاهدات بتصديقه، فتجويز ما قام الدليل على خلافه باطل، وأما ما يتعلق ببعض أمور الدنيا التي لم يبعث لأجلها ولا كانت الرسالة من أجلها فهو في ذلك عرضة لما يعترض البشر كالأمراض، فغير بعيد أن يخيل إليه في أمر من أمور الدنيا ما لا حقيقة له مع عصمته عن مثل ذلك في أمور الدين، قال: وقد قال بعض
_________________
(١) فتاوى اللجنة (١/ ٥٤٤ - ٥٤٧، ٥٦٣).
(٢) جامع البيان في تأويل القرآن (ص ٨/ ٤٣٣).
(٣) متفق عليه أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الطب باب السحر برقم (٥٧٦٣)، وأخرجه مسلم في صحيحه في كتاب السلام باب السحر برقم (٢١٨٩).
(٤) هو: أبو عبد الله محمد بن علي بن عمر بن محمد التميمي المازري المالكي، كان بصيرًا بعلم الحديث، له معرفة بالطب، ألف في الفقه والأصول والحديث وغيرها، توفي - ﵀ - سنة (٥٣٦ هـ)، وله تصانيف من أشهرها: المعلم بفوائد مسلم. ينظر: وفيات الأعيان (٤/ ١٠٩)، والسير (٢٠/ ١٠٤)، وشذرات الذهب (٤/ ١١٤).
[ ٢٠٧ ]
الناس أن المراد بالحديث أنه كان - ﷺ - يخيل إليه أنه وطئ زوجاته ولم يكن وطأهن، وهذا كثير ما يقع تخيله للإنسان في المنام فلا يبعد أن يخيل إليه في اليقظة " (١).
يقول ابن خلدون: "سحر التخيل هو أن يعمد الساحر إلى القوى المتخيلة فيتصرف فيها بنوع من التصرف، ويلقي فيها أنواعا من الخيالات والمحاكاة وصورًا مما يقصده من ذلك، ثم ينزلها إلى الحس من الرائين بقوة نفسه المؤثرة فيه، فينظر الراؤون كأنها في الخارج وليس هناك شيء من ذلك" (٢).
قال الشنقيطي - ﵀ -: " من أنواع السحر هو التخيلات والأخذ بالعيون ومبنى هذا النوع منه على أن القوة الباصرة قد ترى الشيء على خلاف ما هو عليه في الحقيقة لبعض الأسباب العارضة. ولأجل هذا كانت أغلاط البصر كثيرة .. ولا يخفى أن يكون سحرة فرعون من هذا النوع. فهو تخييل وأخذ بالعيون كما دل عليه قوله تعالى: ﴿قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (٦٦)﴾ طه: ٦٦، فإطلاق التخييل في الآية على سحرهم نص صريح في ذلك. وقد دل على ذلك أيضًا قوله في الأعراف: ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (١١٦)﴾ الأعراف: ١١٦، لأن إيقاع السحر على أعين الناس في الآية يدل على أن أعينهم تخيلت غير الحقيقة الواقعة، والعلم عند الله تعالى" (٣).
"٤ - ويطلق السحر أيضًا على التعوذ بالجن والاستعانة بهم على نفع إنسان أو إصابته بضر من مرض أو تفريق أو بغض أو حب أو فك سحر ونحو ذلك، وحكمه أنه كفر أكبر؛ لما فيه من اللجوء والاستعانة بغير الله والتقرب إلى الجن" (٤).
_________________
(١) فتح الباري (١٠/ ٢٢٧).
(٢) مقدمة ابن خلدون (ص ٤٩٨) ٠، ينظر: بدائع التفسير لابن القيم (٥/ ٤١٢)، إعجاز القرآن في علاج السحر والحسد ومسّ الشيطان لمحمد محمود عبد الله (ص ٨٥).
(٣) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (٤/ ٣٥، ٤٣ - ٤٤).
(٤) فتاوى اللجنة (١/ ٥٤٤ - ٥٤٧، ٥٦٣).
[ ٢٠٨ ]
وبين الشيخ - ﵀ - عند قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (٦)﴾ الجن: ٦: " بأن المعنى أنه كان رجال من الإنس يستجيرون بالجن إذا نزلوا واديًا مخيفًا فيقولون: نعوذ بسيد هذا الحي من سفهاء قومه، فزاد الإنس الجن طغيانًا وكبرًا، أو زاد الجن الإنس ذعرًا وخوفًا ليستمروا على الاستعاذة بهم، وهذا من الشرك الذي لا يغفره الله تعالى" (١).
قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (٦)﴾ الجن: ٦
قال مقاتل: كان أول من تعوذ بالجن قوم من أهل اليمن ثم من بني حنيفة ثم فشا ذلك في العرب فلما جاء الإسلام عاذوا بالله وتركوهم، ومعنى الآية أي كان الإنس يعوذون بالجن عند المخاوف والأفزاع ويعبدونهم فزاد الإنس الجن رهقا أي طغيانا وتكبرا لما رأوا الإنس يعبدونهم ويستعيذون بهم ويحتمل أن الضمير وهو (الواو) يرجع إلى الجن أي زاد الجن الإنس رهقا؛ وقوله ﴿فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (٦)﴾، اختلف أهل التأويل في معنى ذلك فقال بعضهم معنى: ذلك أي خوفا وإرهابًا وذعرًا حتى بقوا أشد منهم مخافة وأكثر تعوذا بهم وقيل: ازدادت الجن عليهم بذلك جرأة، وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾،قال: كان رجال من الإنس يبيت أحدهم بالوادي في الجاهلية فيقول أعوذ بعزيز هذا الوادي فزادهم ذلك إثما؛ وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال معنى ذلك فزاد الإنس الجن بفعلهم ذلك إثما وذلك زادوهم به استحلالا لمحارم الله، وعن كردم بن أبي السائب الأنصاري (٢)،
قال: خرجت مع أبي من المدينة في حاجة وذلك أول ما ذكر رسول الله - ﷺ - بمكة فآوانا المبيت إلى راعي غنم فلما انتصف الليل جاء ذئب فأخذ حملا من الغنم فوثب الراعي فقال: يا عامر الوادي جارك
_________________
(١) تفسير الجلالين (ص ٢٢٠)، وينظر: فتاوى اللجنة (١/ ٢٥٥).
(٢) هو: كردم بن قيس بن أبي السائب بن عمران بن ثعلبة، يقال إن له صحبة وقيل إنه من التابعين، يروى المراسيل روى عنه عبد الرحمن ابن إسحاق عن أبيه عنه. ينظر: الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر العسقلاني (٥/ ٥٧٧) رقم الترجمة (٧٣٩٤)، والثقات لابن حبان (٣/ ٣٥٥)، (٥/ ٣٤١).
[ ٢٠٩ ]
فنادى مناد لا نراه يقول يا سرحان أرسله فأتى الحمل يشتد حتى دخل في الغنم لم تصبه كدمة وأنزل الله تعالى على رسوله بمكة ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (٦)﴾ الجن: ٦ (١)، ثم قال وقد يكون هذا الذئب الذي أخذ الحمل وهو ولد الشاة كان جنيا حتى يرهب الإنسي ويخاف منه ثم رده عليه لما استجار به ليضله ويهينه ويخرجه عن دينه والله تعالى أعلم.
وقال سعيد بن جبير: ولا خفاء أن الاستعاذة بالجن دون الاستعاذة بالله كفر وشرك (٢).
سئل سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز - ﵀ - عن حكم استخدام الجن من المسلمين في العلاج إذا لزم الأمر؟ فأجاب - ﵀ - بقوله: " لا ينبغي للمريض استخدام الجن في العلاج ولا يسألهم، بل يسأل الأطباء المعروفين، وأما اللجوء إلى الجن فلا .. لأنه وسيلة إلى عبادتهم وتصديقهم، لأن في الجن من هو كافر ومن هو مسلم ومن هو مبتدع، ولا تعرف أحوالهم فلا ينبغي الاعتماد عليهم ولا يسألون، ولو تمثلوا لك، بل عليك أن تسأل أهل العلم والطب من الإنس وقد ذم الله المشركين بقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (٦)﴾ الجن: ٦، ولأنه وسيلة للاعتقاد فيهم والشرك، وهو وسيلة لطلب النفع منهم والاستعانة بهم، وذلك كله من الشرك" (٣).
قد تؤدي الاستعانة بالجن إلى حصول خلل في العقيدة؛ فترى المستعين يلجأ إليهم ويتعلق بهم تعلقا يبعده عن الخالق ﷾؛ يتمادى الأمر بالمستعين إلى طلب أثر وغيره؛ وينزلق في هوة عميقة تؤدي إلى خلل في العقيدة، وانحراف في المنهج والسلوك، مما يترتب عن ذلك غضب الله وعقوبته (٤)؛ وإن صحة العقيدة وسلامة المنهج أهم من صحة الأبدان وسلامتها.
_________________
(١) ينظر: أخرجه الطبراني في المعجم الكبير برقم (١٥٧٦٢)، والعقيلي في الضعفاء الكبير باب إسحاق، حديث رقم (١٧٣)، وقال عنه الهيتمي في مجمع الزوائد (٧/ ٣٧): فيه عبد الرحمن بن إسحاق الكوفي وهو ضعيف.
(٢) ينظر لما سبق: تفسير الطبري (٢٩/ ١٠٨ - ١٠٩)، وتفسير السعدي (١/ ٨٩)، وتفسير ابن كثير (٤/ ٤٢٩)، وتفسير القرطبي (١٩/ ١٠).
(٣) مجلة الدعوة - العدد ١٦٠٢ ربيع الأول ١٤١٨ هـ (ص ٣٤)، ينظر: السحر والشعوذة للشيخ صالح الفوزان (ص ٨٦ - ٨٧).
(٤) ينظر: القول المعين في مرتكزات معالجي الصرع والسحر والعين (ص ١٢٦)، وكتب عقيدة أهل السنة والجماعة بشكل عام.
[ ٢١٠ ]
سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين - ﵀ - ما حكم خدمة الجن للإنس؟ فأجاب بقوله: " ذكر شيخ الإسلام - ﵀ - في المجلد الحادي عشر من مجموع الفتاوى ما مقتضاه أن استخدام الإنس للجن له ثلاث حالات:
١ - أن يستخدمه في طاعة الله كأن يكون نائبا عنه في تبليغ الشرع، فمثلًا إذا كان له صاحب من الجن مؤمن يأخذ عنه العلم فيستخدمه في تبليغ الشرع لنظرائه من الجن، أوفي المعونة على أمور مطلوبة شرعا فإنه يكون أمرًا محمودًا أو مطلوبًا وهو من الدعوة إلى الله ﷿.
والجن حضروا للنبي - ﷺ -، وقرأ عليهم القرآن وولوا إلى قومهم منذرين، والجن فيهم الصلحاء والعباد والزهاد والعلماء لأن المنذر لا بد أن يكون عالمًا بما ينذر عابدا.
٢ - أن يستخدمهم في أمور مباحة فهذا جائز بشرط أن تكون الوسيلة مباحة فإن كانت محرمة فهو محرم مثل أن لا يخدمه الجني إلا أن يشرك بالله كأن يذبح للجني أو يركع له أو يسجد ونحو ذلك.
٣ - أن يستخدمهم في أمور محرمة كنهب أموال الناس وترويعهم وما أشبه ذلك، فهذا محرم لما فيه من العدوان والظلم. ثم إن كانت الوسيلة محرمة أو شركًا كان أعظم وأشد" (١).
وما ذكره الشيخ عبد الرزاق عفيفي - ﵀ - من أنواع السحر- السابق ذكرها- وأن السحر قد يأتي في النصوص، ولا يراد منه السحر الذي يكون بالشرك بالله -جل وعلا-؛ فإن اسم السحر عام في اللغة، يدخل فيه ذلك الاسم الخاص الذي فيه استعانة بالشياطين وتقرب إلى الشياطين وعبادة الشياطين لتخدم الساحر، وقد يكون بأسماء أخرى يطلق عليها الشارع أنها سحر، وليست كالسحر الأول في الحقيقة، ولا في الحكم.
لأن من أنواع السحر، ما هو شرك أكبر بالله -جل وعلا- وهو المراد إذا أطلق: السحر، وهذه هي الحقيقة العرفية، ومنه ما ليس شركًا أكبر.
_________________
(١) مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين - ﵀ - (١/ ٢٩٠) سؤال رقم (١١٣).
[ ٢١١ ]
وفي ألفاظ الشرع أمور يكون المرجع فيها إلى الحقيقة اللغوية، وأمور يكون المرجع فيها إلى الحقيقة العرفية، وأمور يكون المرجع فيها إلى الحقيقة الشرعية، ومن ذلك هذا الباب فإن فيه ما يطلق عليه لغة أنه سحر، وفيه ما يطلق عليه عرفا أنه سحر، وما يطلق عليه شرعا أنه سحر. والتفريق بين هذه الأنواع مهم (١).
ج- حكم من يذهب إلى الساحر أو الكاهن (٢) ونحوهما:
يبين الشيخ - ﵀ -: " أن من يذهب إلى من يفعل ذلك من الكهان ويصدّقه فهو كافر، قال تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ البقرة: ١٠٢، لقوله - ﷺ -: (من أتى كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد) (٣)، ولقوله - ﷺ -: (من أتى عرافًا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة) (٤)، والعراف يعم الكاهن والمنجم والساحر، ولا تأثير لهذا النوع إلا بإذن الله الكوني القدري؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ البقرة: ١٠٢ " (٥).
قد تظاهرت الأدلة على حرمة الذهاب للسحرة ومن في حكمهم وتصديقهم بما يخبرون، وقد ذكر طرفًا من هذه الأدلة الشيخ عبد الرزاق عفيفي في كلامه السابق، ومنها
_________________
(١) ينظر: مجموع فتاوى ورسائل العثيمين (٩/ ٥٢٨)، التمهيد لشرح كتاب التوحيد دروس ألقاها صالح بن عبد العزيز آل الشيخ (١/ ٤٣٣)، الترتيب الفريد من شروحات كتاب التوحيد رتبه وأعده أبو توحيد لقمان حسن أمين (٢٩/ ٦) المكتبة الشاملة.
(٢) الكاهن: هو الذي يأخذ عن مسترق السمع. ينظر: لسان العرب (١٣/ ٣٦٢)، التعريفات للجرجاني (ص ٢٣٥)، تاج العروس (٣٦/ ٨٢).
(٣) أخرجه الإمام أحمد في مسنده برقم (٩٢٥٢)، وصححه الألباني في السلسلة الصحية برقم (٣٣٨٧) (١٣/ ١٩٠).
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب السلام، باب تحريم الكهانة وإتيان الكاهن برقم (٤١٤١).
(٥) فتاوى اللجنة (١/ ٥٤٤ - ٥٤٧، ٥٦٣).
[ ٢١٢ ]
ما رواه مسلم عن معاوية بن الحكم السلمي - ﵁ - أنه قال لرسول الله - ﷺ -: إني حديث عهد بجاهلية، وقد جاء الله بالإسلام، وإن منا رجالًا يأتون الكهان. قال: (فلا تأتهم) الحديث (١).
" قوله - ﷺ -: (من أتى عرّافًا) ظاهر الحديث: أن الوعيد مُرتبٌ على مجيئه وسؤاله، سواء صدقه أو شك في خبره، فإن في بعض روايات الصحيح: (من أتى عرافًا فسأله عن شيء لم تُقبل له صلاة أربعين ليلة)، وقوله: (لم تُقبل له صلاة) إذا كان هذا حال السائل، فكيف بالمسؤول؟ قال النووي (٢) وغيره: معناه: أنه لا ثواب له فيها، وإن كانت مُجزئةً بسقوط الفرض عنه، ولا بد من هذا التأويل في هذا الحديث، فإن العلماء متفقون على أنه لا يلزم من أتى العرَّاف إعادة صلاة أربعين ليلة.
أما قول الرسول - ﷺ -: (فقد كفر بما أنزل على محمد) - ﷺ -.
قال القرطبي: المراد بالمنزل: الكتاب والسنة.
وهل الكفر في هذا الموضع كفر دون كفر، فلا ينقل عن الملة، أم يُتوقف فيه، فلا يقال: يخرج عن الملة ولا ما يخرج؟ وهذا أشهر الروايتين عن أحمد - ﵀ -.
وهذا الحديث: (من أتى كاهنًا أو ساحرًا فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد) - ﷺ -.
فيه دليل على كفر الكاهن والساحر؛ لأنهما يدعيان علم الغيب وذلك كفر، والمصدق لهما يعتقد ذلك ويرضى به، وذلك كفر أيضًا" (٣).
ومن خلال الأحاديث السابقة الدالة على حرمة الذهاب للسحرة ومن في حكمهم وسؤالهم وتصديقهم يتبين التفصيل في ذلك:
١ - أن من سأل الساحر ومن في حكمه فصدقه فقد كفر.
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب المسجد ومواضع الصلاة، باب تحريم الكلام في الصلاة ونسخ ما كان من إباحة، برقم (٥٣٧).
(٢) شرح صحيح مسلم (١٤/ ٤٤٦) شرح حديث رقم (٥٧٨٢).
(٣) فتح المجيد (٣١٣ - ٣١٥)، ينظر: التبيان شرح نواقض الإسلام لسليمان ناصر بن عبد الله العلوان (ص ٣٨)، التوحيد وقرة عيون الموحدين في تحقيق دعوة الأنبياء والمرسلين لعبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب (ص ٢٦٤)، تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد (٢/ ٢٤).
[ ٢١٣ ]
٢ - أن من سأله ولم يصدقه لا تقبل له صلاة أربعين ليلة.
٣ - أن من سأله محتسبًا عليه؛ ليمتحن حاله، ويختبره، ويفضحه، ويبين زيفه، ويميز صدقه من كذبه فهذا جائز؛ كما جاء في الصحيحين عن ابن عمر - ﵄ - أن عمر انطلق مع النبي - ﷺ - في رهط قِبَل ابن صياد، حتى وجدوه يلعب مع الصبيان عند أُطُم بني مغالة (١) وقد قارب ابن صياد الحلمَ، فلم يشعر حتى ضرب النبي - ﷺ - بيده ثم قال لابن صياد: (أتشهد أني رسول الله)، فنظر إليه ابن صياد فقال: أشهد أنك رسول الأميين، فقال ابن صياد للنبي - ﷺ -: أتشهد أني رسول الله؟ فرفضه (٢) وقال: (آمنت بالله وبرسوله)، فقال له: (ماذا ترى)، قال ابن صياد: يأتيني صادق وكاذب، فقال النبي - ﷺ -: (خُلِّط عليك الأمر)، ثم قال له النبي - ﷺ -: (إني قد خبأت لك خبيئًا)، فقال ابن صياد: هو الدخُّ، فقال: (أخسأ؛ فلن تعدو قدرك)، فقال عمر - ﵁ -: دعني يا رسول الله أضرب عُنُقه، فقال النبي - ﷺ -: (إن يكنه فلن تسلط عليه، وإن لم يكنه فلا خير لك في قتله) (٣).
د - حكم الله في الساحر:
يبين الشيخ - ﵀ - حكم الله في الساحر، فيقول: "إذا أتى الساحر في سحره بمكفر قتل لردته حدًا، وإن ثبت أنه قتل بسحره نفسًا معصومة قتل قصاصًا، وإن لم يأت في سحره بمكفر ولم يقتل نفسًا ففي قتله بسحره خلاف، والصحيح: أنه يقتل حدًا لردته - وهذا هو قول أبي حنيفة ومالك وأحمد ﵏ - لكفره بسحره مطلقًا لدلالة الآية: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ البقرة: ١٠٢، على كفر الساحر مطلقًا، ولما ثبت عن بجالة بن عبدة أنه قال: (كتب عمر بن الخطاب سدد خطاكم أن اقتلوا كل ساحر
_________________
(١) الأطم: الحصن، ومغالة: بطن من الأنصار. ينظر: فتح الباري (٣/ ٢٦٢).
(٢) فرفضه: أي تركه، ترك سؤاله ثم شرع في سؤاله عما يرى، وفي رواية (فرصَّه): أي ضغطه وضم بعضه إلى بعض. ينظر: فتح الباري (٣/ ٢٦٢)، عون المعبود (٩/ ١٤٤٠).
(٣) أخرجه البخاري كتاب الجهاد والسير، باب كيف يعرض الإسلام على صبي، برقم (٣٠٥٥)، ومسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب ذكر ابن الصياد، برقم (٢٩٣٠).
[ ٢١٤ ]
وساحرة. فقتلنا ثلاث سواحر) (١)، ولما صح عن حفصة أم المؤمنين - ﵂ - (أنها أمرت بقتل جارية لها سحرتها فقتلت) (٢)،
ولما ثبت عن جندب أنه قال: (حد الساحر ضربة بالسيف) (٣) " (٤).
للعلماء -﵏- كلام يطول في حد الساحر، وخلاصته ما يلي:
١ - حالات القتل:
أ- يقتل عند القائلين بكفره باعتباره مرتدًا، وكذلك عند من عدوا الساحر كافرًا مطلقًا.
ذهب أكثر العلماء كالإمام أحمد ومالك وأبي حنيفة إلى أن الساحر كافر، أما إن كان سحره بأدوية وتدخين وسقي شيء لا يضر، فلا يكفر (٥)،
كما قاله
_________________
(١) أخرجه البخاري مختصرًا برقم (٣١٥٦) في فرض الخمس، باب الجزية والموادعة مع أهل الذمة والحرب، ولم يذكر قتل السحرة. وأخرجه ابن منصور في سننه كتاب الطلاق باب جامع الطلاق برقم (٢١٨٠)، والدارقطني في سننه كتاب زكاة الفطر باب في جزية المجوس وما روي في أحكامها برقم (٩٩٧٢)، وابن حزم في المحلى بالآثار كتاب السرقة برقم (١٨٣٥).
(٢) أخرجه مالك في الموطأ في كتاب العقول، باب: ما جاء في الغيلة والسحر، حديث رقم (١٦٢٤)، أخرجه البيهقي السنن الكبرى (٨/ ١٣٦) كتاب القسامة، باب تكفير الساحر وقتله إن كان ما يسحر به كلام كفر صريح. كما صححه الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ بقوله: "وصح عن حفصة"، ينظر: فتح المجيد (ص ٢٤٢)، وتيسير العزيز الحميد (٣٩٣).
(٣) الترمذي في كتاب الحدود باب ما جاء في حد الساحر برقم (١٤٦٠)، والحاكم في كتاب الحدود (٤/ ٣٦٠)، والبيهقي في السنن كتاب القسامة باب تكفير الساحر وقتله إن كان ما يسحر به كلام كفر صريح (٨/ ١٣٦)، والدارقطني في كتاب الحدود والديات وغيرها (٣/ ١١٤).
(٤) فتاوى اللجنة (١/ ٥٥١ - ٥٥٢).
(٥) فإن من الصعوبة بمكان إطلاق حكمٍ عامٍ على جميع أنواع السحر، وقد قال القرافي ﵀: "وللسحر فصول كثيرة في كتبهم يقطع من قِبَل الشرع بأنها ليست معاصي ولا كفرًا، كما أن لهم ما يُقطع بأنه كفرٌ؛ فيجب حينئذٍ التفصيل، كما قال الشافعي ﵁: أمَّا الإطلاق بأن كل ما يُسمَّى سحرًا كفرٌ؛ فصعب جدًا "، وقال الإمام النووي ﵀: " قد يكون السحر كفرًا، وقد لا يكون كفرًا بل معصية كبيرة؛ فإن كان فيه قول أو فعل يقتضي الكفر؛ كفر وإلا فلا، وأما تعلمه وتعليمه فحرامٌ؛ فإن تضمن ما يقتضي الكفر؛ كفر، وإلا فلا، وإذا لم يكن فيه ما يقتضي الكفر عُزِّر واستُتِيب ". ينظر: الفروق للقرافي (٤/ ١٤١)، وشرح النووي على مسلم (١٤/ ١٧٦).
[ ٢١٥ ]
بعض أصحاب الإمام أحمد، وقد سمى الله السحر كفرًا في قوله: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ البقرة: ١٠٢، وقوله: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ البقرة: ١٠٢، قال ابن عباس في قوله: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ وذلك أنهما علما الخير والشر والكفر والإيمان، فعرفا أن السحر من الكفر (١).
وقال تعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ النساء: ٥١، قال عمر - ﵁ -: الجبت السحر (٢). فيدل ذلك على أن السحر كفر (٣).والله أعلم.
وأكثر العلماء على أن الساحر - الذي يعد في العرف ساحرًا- يجب قتله، وقد ثبت قتله عن عمر بن الخطاب وعثمان وحفصة وابن عمر وجندب بن عبد الله - ﵃ -، قال بعض العلماء: لأجل الكفر، وقال بعضهم: لأجل الفساد في الأرض، لكن جمهور هؤلاء يرون قتله حدًا (٤).
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره. القسم الأول (ص ٣٠٩) برقم (١٠١٧) وذكره السيوطي في الدر المنثور (١/ ١٠٠)، وابن كثير في تفسيره (١/ ١٩٢).
(٢) أخرجه الطبري في تفسيره (٨/ ٤٦٢) وينظر: تفسير البغوي (٢/ ٢٣٤)، تفسير القرطبي (٥/ ٢٤٨) قال الحافظ ابن حجر: إسناده قوي. الفتح (٨/ ٢٥٢). وكذا قال ابن عباس وأبو العالية ومجاهد والشعبي وابن جبير وغيرهم، كما أخرجه عنهم الطبري في تفسيره وغيره.
(٣) فتح المجيد (٢/ ٤٦٥ - ٤٦٦)، وينظر: مجموع الفتاوى (٢٩/ ٣٨٤ - ٣٨٥)، (٢٨/ ٣٤٦)، فتح الباري (١٠/ ٢٢٥)، وفي مذهب الإمام أحمد: المغني (١٢/ ٢٩٩ - ٣٠٢)، الكافي (٥/ ٣٣٣)، المقنع مع الشرح الكبير والإنصاف (٢٧/ ١٨١) وما بعدها، الممتع في شرح المقنع للتنوخي (٥/ ١٤)، وفي مذهب الإمام أبي حنيفة حاشية ابن عابدين (٣/ ٢٩٥).
(٤) مجموع فتاوى ابن تيمية (٢٨/ ٣٤٦)، (٢٩/ ٣٨٤)، وينظر: شرح النووي (٢/ ١٧٦)، والمغني (٨/ ١٥١، ١٥٢)، وفتح الباري (١٠/ ٢٢٤، ٢٢٥)، وتيسير العزيز الحميد (ص ٣٨٤)، المسائل العقدية في فيض القدير (ص ٣٤٣).
[ ٢١٦ ]
ب- إذا قَتَل بسحره إنسانًا قُتل حدًا عند الإمام أبي حنيفة ومالك وأحمد؛ ويشترط أبو حنيفة أن يتكرر منه ذلك، أو يُقِر به في حق شخص مُعين، أو يشهد عليه شاهدان؛ ويقتل قصاصًا عند الإمام الشافعي (١).
٢ - حالات عدم القتل:
أ- ذهب الإمام الشافعي - ﵀ - إلى عدم قتل الساحر الذي لم يشتمل سحره على اعتقاد كون الكواكب مدبرة، أو كون الساحر قادرًا على خلق الأجسام، أو أن فعله مباح (٢).
ويقول القرطبي - ﵀ - معلقًا على كلام الشافعي: " وهذا صحيح، دماء المسلمين محظورة لا تستباح إلا بيقين، ولا يقين مع الاختلاف" (٣).
ب- ذهب بعض الأحناف إلى عدم قتل المشعوذ، وصاحب الطلسم (٤) إذ لا يعدون فاعله ساحرًا (٥).
وعند التحقيق فإنه ليس بين القولين اختلاف؛ فإن من لم يُكَفَّر؛ لظنه أنه يتأتَّى بدون الشرك، وليس كذلك، بل لا يتأتَّى السحر الذي من قبل الشياطين إلا بالشرك وعبادة الشياطين والكواكب وأما سحر الأدوية والتدخين ونحوه فليس بسحر وإن سمي سحرًا، فعلى سبيل المجاز كتسمية القول البليغ والنميمة سحرًا؛ ولكنه يكون حرامًا لمضرته ويعزر من يفعله تعزيرًا بليغًا (٦).
_________________
(١) ينظر: أحكام القرآن للجصاص (١/ ٦٣)، وشرح النووي على مسلم (١٤/ ١٧٦)، والسحر بين الحقيقة والخيال (ص ١٦٦).
(٢) ينظر: أحكام القرآن للجصاص (١/ ٦٣)، والتفسير الكبير للرازي (٣/ ٢١٣ - ٢١٦).
(٣) أحكام القرآن (٢/ ٤٨).
(٤) الطلسم: وهو لفظ يوناني، وهو في علم السحر خطوط وأعداد ونقش أسماء خاصة يزعم كاتبها أنه يربط بها روحانيات الكواكب العلوية بالطبائع السفلية، لجلب محبوب أو دفع أذى. ينظر: المعجم الوسيط مادة طلسم (٢/ ٥٦٨)، والفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم (٥/ ١٠١).
(٥) ينظر: حاشية ابن عابدين (٤/ ٢٤٠).
(٦) ينظر: شرح منتهى الإرادات للبهوتي (٣/ ٣٩٤ - ٣٩٥)، وتيسير العزيز الحميد (ص ٣٨٤).
[ ٢١٧ ]
والحاصل أن الأولى قتل الساحر؛ لعمل جمع من مشاهير الصحابة، وعمل الناس به في خلافة عمر من غير نكير، والله أعلم (١).
قال الشيخ محمد بن عثيمين - ﵀ -: " السحرة يجب قتلهم، سواء قلنا بكفرهم أم لا، لعظم ضررهم وفضاعة أمرهم، فالقول بقتل السحرة موافق للقواعد، لأنهم يسعون في الأرض فسادًا وفسادهم من أعظم الفساد" (٢). أ. هـ.
هـ - حكم حل السحر بسحر مثله:
يبين الشيخ عبد الرزاق عفيفي - ﵀ - حكم حل السحر بسحر مثله، فيقول: " لا يجوز الذهاب إلى الساحر من أجل أن يحل السحر الذي يجده بسحر مثله؛ لعموم قوله - ﷺ -: (ليس منا من تطير أو تطير له، أو تكهن له، أو سحر أو سحر له) (٣)، ولحديث جابر ﴿قال: سئل رسول الله - ﷺ - عن النشرة فقال: (هي من عمل الشيطان) (٤)،
والنشرة:
_________________
(١) ينظر: فتح المجيد (٢/ ٤٧٤)، المقنع مع الشرح الكبير والإنصاف (٢٧/ ١٨٥ - ١٨٧)، والمغني (١٢/ ٣٠٢ - ٣٠٣) الكافي (٥/ ٣٣٢ - ٣٣٣)، الإقناع (٤/ ٣٠٠)، الممتع شرح المقنع (٥/ ٧٩٢ - ٧٩٣)، التوضيح في الجمع بين المقنع والتنقيح للشوكاني (٣/ ١٢٤٢)، منتهى الإرادات مع حاشية النجدي (٥/ ١٧٤)، الدين الخالص (٢/ ٣٢٢ - ٣٢٣)، شرح الطحاوية (ص ٧٦٤)، المسائل العقدية في فيض القدير (ص ٣٤٤).
(٢) المجموع الثمين (٢/ ١٣٣).
(٣) أخرجه الطبراني عن عمران بن حصين في المعجم الكبير برقم (١٤٧٧٠)، قال: المناوي: إسناده جيد، وأخرجه البزار في البحر الزاخر بمسند البزار برقم (٣٠٤٨). قال الألباني - ﵀ -، السلسلة الصحيحة (٦/ ٣١٠): " أخرجه البزار وقال: " قد روي بعضه من غير وجه، فأما بتمامه ولفظه فلا نعلمه إلا عن عمران بهذا الطريق، وأبو حمزة بصري لا بأس به ". وقال المنذري (٤/ ٥٢): " رواه البزار بإسناد جيد، ورواه الطبراني من حديث ابن عباس دون قوله: " ومن أتى " إلخ، بإسناد حسن ". كذا قال، وهو مردود بضعف زمعة، إلا أن يعني أنه حسن لغيره، فنعم. وقال الهيثمي: " رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح خلا إسحاق بن الربيع، وهو ثقة". قلت: نعم، ولكن الحسن - وهو البصري - مدلس وقد عنعنه، فهو جيد بحديث الترجمة، وأما قوله: " ومن أتى "، فله شواهد كثيرة، وبعض أسانيدها صحيح، وهي مخرجة في " الإرواء " (٢٠٦٦)، ومع ذلك فقد ضعفه الجاني على السنة في تعليقه على " إغاثة اللهفان " (١/ ٣٥٩) متجاهلا إسناده الصحيح".
(٤) أخرجه الإمام أحمد برقم (١٣٧٢١)، وأبو داود في كتاب الطب باب في النشرة برقم (٣٨٦٨)، والبيهقي في كتاب الضحايا باب النشرة (٩/ ٣٥١). وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٣/ ٣٩٣ - ٣٩٤) ..
[ ٢١٨ ]
هي حل السحر عن المسحور بالسحر؛ وقد أمر رسول الله - ﷺ - بالتداوي، ونهى عن التداوي بالمحرم، فقال - ﷺ -: (تداووا، ولا تداووا بحرام، فإن الله ما أنزل داء إلاَّ أنزل له دواء) (١)، وروي عنه - ﷺ - أنه قال: (إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها) (٢)، فيوجد من الأدعية والأدوية المشروعة ما فيه كفاية لإزالة هذا الداء، فعلى المسلم أن يعالج نفسه بما شرع الله من قراءة القرآن والأذكار النبوية الواردة في الرقية، والأدعية وطلب الشفاء من الله والأدوية الجائزة، قال تعالى ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣)﴾ الطلاق: ٢ - ٣ " (٣).
النشرة: هي ضرب من العلاج والرقية، يعالج به من كان يظن أن به مسًا من الجن (٤).
قال ابن الجوزي (٥): النشرة: حل السحر عن المسحور، ولا يكاد يقدر عليه إلا من يعرف السحر (٦).
وقال ابن القيم: النشرة: حل السحر عن المسحور، وهي نوعان:
_________________
(١) أخرجه أبو داود في كتاب الطب باب في الأدوية المكروهة برقم (٣٨٧٤)، والبيهقي في كتاب الضحايا باب النهي عن التداوي بما يكون حراما في غير حال الضرورة (٩/ ٣٤٣)، (١٠/ ٥)، وضعفه الألباني في ضعيف غاية المرام برقم (٦٦)، المشكاة برقم (٤٥٣٨)، ضعيف الجامع الصغير برقم (١٥٦٩).
(٢) أخرجه البخاري معلقًا عن ابن مسعود في كتاب الأشربة باب شراب الحلواء والعسل، وأخرجه البيهقي في السنن (١٠/ ٥)، والطحاوي في معاني الآثار (١/ ١٠٨)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٢١٨)، وأخرجه ابن حبان في صحيحه (٤/ ٢٣٣)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٨٦): رجاله رجال الصحيح خلا حسان بن مخارق، وقد وثقه ابن حبان. وصححه الألباني بشواهده في السلسلة الصحيحة (٤/ ١٧٤).
(٣) ينظر: فتاوى اللجنة (١/ ٥٥٦ - ٥٦٨).
(٤) ينظر: تيسير العزيز الحميد (ص ٣٦٤).
(٥) هو الإمام العلامة الحافظ المفسر، عالم العراق وواعظ الآفاق، صاحب التصانيف السائرة في فنون العلم: أبو الفرج عبدالرحمن بن أبي الحسن علي بن محمد بن علي بن عبيد الله، ينتهي نسبه إلى أبي بكر الصديق - ﵁ -، أكثر من التصنيف في أنواع العلوم من التفسير والحديث والفقه والزهد والوعظ والتاريخ وغيرها، توفي - ﵀ - سنة ٥٩٧ هـ، ومن مصنفاته: كشف المشكل من حديث الصحيحين، وزاد المسير في علم التفسير، وتلبيس إبليس. ينظر: وفيات الأعيان (٣/ ١١٦)، وتذكرة الحفاظ (٤/ ١٣٤٢)، وشذرات الذهب (٤/ ٣٢٩).
(٦) غريب الحديث (٢/ ٤٠٨).
[ ٢١٩ ]
أحدهما: حله بسحر مثله، وهو الذي من عمل الشيطان؛ يتقرب الناشر والمنتشر إلى الشيطان بما يحب.
والثاني: النشرة بالرقية، والتعوذات، والأدوية، والدعوات المباحة فهذا جائز (١).
قال الإمام أحمد وقد سئل عن النشرة: " ابن مسعود يكره هذا كله" (٢)، وفيه دليل على كراهية الإمام أحمد لها.
والنشرة قسمان: محرمة، وجائزة.
فالمحرمة هي التي عناها رسول الله - ﷺ - بقوله: (هي من عمل الشيطان) (٣)، وهي حل السحر بسحر مثله، فيتقرب الناشر والمنتشر إلى الشيطان بما يحب، فيبطل عمله عن المسحور.
وأما الجائز فهي التي تكون بالرقية الشرعية، والتعوذات والأدوية المباحة، وهي التي عناها ابن المسيب (٤) (٥).
_________________
(١) ذكر هذا القول عن ابن القيم، الشيخ محمد بن عبد الوهاب في كتاب التوحيد، ينظر: فتح المجيد (٢/ ٥٠٢)، وصديق حسن خان في الدين الخالص (٢/ ٣٤١)، والمسائل العقدية في فيض القدير للمناوي عرض ونقد (ص ٣٤٠ - ٣٤١).
(٢) الآداب الشرعية لابن مفلح (٣/ ٦٣)، والبصير بأقوال الإمام أحمد يعلم أنه يطلق لفظ الكراهة ويريد بها التحريم مع الأخذ بالقرائن، ينظر: المدخل إلى مذهب الإمام أحمد لابن بدران (ص ١٣٨)، إعلام الموقعين (١/ ٣٩ - ٤٠)، أصول مذهب الإمام أحمد للدكتور عبد الله التركي (ص ٧٩٧) وما بعدها، مصطلحات الفقه الحنبلي للثقفي (١/ ٢١)، المسائل العقدية في فيض القدير للمناوي عرض ونقد (ص ٣٤٠).
(٣) أخرجه الإمام أحمد برقم (١٣٧٢١)، وأبو داود في كتاب الطب باب في النشرة برقم (٣٨٦٨)، والبيهقي في كتاب الضحايا باب النشرة (٩/ ٣٥١). وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٣/ ٣٩٣ - ٣٩٤).
(٤) هو: أبو محمد سعيد بن المسيب بن حزن القرشي المخزومي، الإمام العلم، عالم أهل المدينة وسيد التابعين في زمانه، سمع من بعض الصحابة، كان صالحًا زاهدًا عابدًا، توفي سنة (٩٤ هـ). ينظر: حلية الأولياء (٢/ ١٦١ - ١٧٥)، وفيات الأعيان (٢/ ٣٧٥ - ٣٧٨)، سير أعلام النبلاء (٤/ ٢١٦ - ٢٤٦)، البداية والنهاية (٩/ ٩٩ - ١٠١).
(٥) جاء في صحيح البخاري عن قتادة قال: قلت لسعيد بن المسيب: رجل به طب- أي سحر- أو يؤخَّذ -أي يحبس عن جماع امرأته- عن امرأته أوَ يُحل عنه أو ينشر؟ قال: لا بأس به، إنما يريدون الإصلاح؛ فأما ما ينفع فلم يُنْهَ عنه. ينظر: صحيح البخاري كتاب الطب باب هل يستخرج السحر؟ معلق، قبل حديث رقم (٥٧٦٥)، (٤/ ١٨٤٠). وكلام ابن المسيب يحمل على النشرة بالقرآن والذكر. ينظر: شرح منتهى الإرادات (٣/ ٣٩٥)، وفتح الباري (١٠/ ٢٣٣)، وتيسير العزيز الحميد (ص ٤١٩).
[ ٢٢٠ ]
يقول سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ - ﵀ -: " قال بعض الحنابلة يجوز الحل بسحرٍ ضرورة، والقول الآخر أنه لا يحل، وهذا الثاني هو الصحيح وكلام الأصحاب هنا بين أنه حرام ولا يجوز إلا لضرورة فقط، ولكن هذا يحتاج إلى دليل، ولا دليل إلا كلام ابن المسيب.
ومَعَنا حديث جابر في ذلك، وقول ابن مسعود، وقول الحسن لا يحلُّ السحر إلا ساحر، وهو لا يتوصل إلى حلِّه إلا بسحر، والسحر حرام وكفر، أفيفعل الكفر لتحيا نفوس مريضة أو مصابة؟ مع أن الغالب في المسحور أنه يموت أو يختل عقله، فالرسول - ﷺ - منع وسدَّ الباب، ولم يفصل في عمل الشيطان ولا في المسحور" (١).
"والحاصل: أن ما كان منه بالسحر فيحرم، وما كان بالقرآن والدعوات والأدوية المباحة فجائز، والله أعلم" (٢).
و_ حكم تعلم السحر:
قال الشيخ - ﵀ -: " يحرم تعلم السحر سواء للعمل به أو ليتقيه، وقد نص الله ﷾ في كتابه الكريم على أن تعلمه كفر، قال تعالى: ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ البقرة: ١٠٢، وقد نص النبي - ﷺ - على أن السحر أحد الكبائر وأمر باجتنابه فقال: (اجتنبوا السبع الموبقات) (٣) فذكر منها السحر. وفي السنن عند النسائي: (من عقد عقدة ونفث فيها فقد سحر ومن سحر فقد أشرك) (٤)؛ وأما قول من
_________________
(١) فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم (١/ ١٦٥).
(٢) فتح المجيد (ص ٣٦٤)، وينظر: معارج القبول (١/ ٤٣٠ - ٤٣١).
(٣) أخرجه البخاري كتاب الوصايا، باب قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ برقم (٢٧٦٧)، ومسلم كتاب الإيمان، باب بيان الكبائر وأكبرها برقم (٨٩).
(٤) أخرجه النسائي في كتاب المحاربة برقم (٣٥٢٨)، وضعفه الألباني في صحيح وضعيف سنن النسائي (٩/ ١٥١)، وفي غالية المرام (ص ١٧٥)، وفي ضعيف الجامع الصغير للألباني (١/ ٨٢٢).
[ ٢٢١ ]
قال: (تعلموا السحر ولا تعملوا به) فليس بحديث لا صحيح ولا ضعيف " (١).
والذي عليه أكثر أئمة أهل السنة أن تعلم السحر لأي غرض؛ لا يجوز؛ فقوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ البقرة: ١٠٢،فيه دليل على أن تعلم السحر كفر، وظاهره عدم الفرق بين تعلم السحر ليكون ساحرًا، وتعلمه ليقدر على دفعه، وبه قال أحمد (٢).
وقد روي عن النبي - ﷺ - أنه قال: (من تعلم شيئًا من السحر قليلًا كان أو كثيرًا كان آخر عهده من الله) (٣).
ومن ثم أفتى بعض العلماء بكفر متعلم السحر كما نص عليه أصحاب الإمام أحمد، قال ابن قدامة - ﵀ -: إن تعلم السحر، وتعليمه حرام، لا نعلم فيه خلافًا بين أهل العلم، قال أصحابنا: ويكفر الساحر بتعليمه وتعلمه، سواء اعتقد تحريمه، أو إباحته (٤).
وقال النووي: الصحيح الذي قطع به الجمهور أن تعلم السحر وتعليمه حرم (٥).
وبين أن الله ذم الشياطين في تعليمهم الناس السحر، ولأن تعليمه يدعو إلى فعله، وفعله محرم، فحرم ما يدعو إليه (٦).
وبناءً على ذلك فإنه لا يجوز تعلم السحر؛ لأنه لا يخرج عن كونه مبنيًا على الشرك، أو الكذب، أو الخداع والغش، ونحو ذلك مما هو ضار بالفرد والجماعة، قال تعالى: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ
_________________
(١) فتاوى اللجنة (١/ ٥٤٩ - ٥٥٠).
(٢) ينظر: تيسير العزيز الحميد (ص ٣٨٣)، وفتح المجيد (ص ٣١٥)، والدين الخالص لصديق حسن خان (٢/ ٣٢٦)، السحر بين الحقيقة والخيال (ص ١٥١ - ١٥٥).
(٣) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٠/ ١٨٤) برقم (١٨٧٥٣) عن صفوان بن سليم، وهو مرسل -والمرسل ضعيف-. وينظر: المحلى لابن حزم (١١/ ٤٧٩)، الدر المنثور (١/ ١٠٣)، وروي موصولًا عن علي كما عند ابن عدي في الكنز برقم (١٧٦٥٣).
(٤) المغني (١٢/ ٣٠٠). وينظر: الكافي (٥/ ٣٣٣) المقنع مع الشرح الكبير والإنصاف (٢٧/ ١٣٣ - ١٤٩)، الإقناع لطالب الانتفاع للحجاوي (٤/ ٢٩٩)، المسائل العقدية في فيض القدير للمناوي عرض ونقد (ص ٣٤٠).
(٥) روضة الطالبين (٩/ ٣٤٦).
(٦) المجموع (١٨/ ٢٢ - ٢٣).
[ ٢٢٢ ]
خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢)﴾ البقرة: ١٠٢؛ وما لا نفع فيه، وكان ضرره متحتمًا لا يجوز تعلمه بحال (١).
وبهذا يتضح حرمة تعلم السحر مطلقًا والله أعلم.