يقرر الشيخ - ﵀ - أن الله - ﷿ - مستوٍ على عرشه بنفسه حقيقةً استواءً يليق بجلاله (٤)، وأن هذا من عقيدة أهل السنة والجماعة، ومما يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ طه: ٥، وغيرها من الأدلة (٥)، وأن مذهب السلف في صفة الاستواء حقيقة مع التفويض في الكيفية، فقد سئل مالك بن أنس - ﵁ - عن كيفية استواء الله على العرش، فقال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب (٦).
_________________
(١) ينظر: مجموع الفتاوى (٦/ ٥١٣ - ٥٤٥)، (١٢/ ٣٠٤).
(٢) ينظر: الصفات الإلهية (ص ٢٦٢)، والعقيدة السلفية في كلام خير البرية، لعبدالله بن يوسف الجديع (ص ٦٣)، خلق أفعال العباد للإمام البخاري، وعقيدة السلف أصحاب الحديث (١٦٥ - ١٧٥).
(٣) ينظر: توضيح المقاصد لأحمد بن عيسى (١/ ٢٦٢ - ٢٦٣)، ولوامع الأنوار البهية لأحمد بن عيسى (١/ ١٣٧).
(٤) ينظر: تفسير الجلالين (ص ٩).
(٥) ينظر: فتاوى اللجنة الدائمة (٣/ ٢٠٠).
(٦) ينظر: مجموعة ملفات الشيخ عبد الرزاق عفيفي (ص ٥).
[ ١٦٥ ]
وصفة الاستواء (١) على العرش صفةٌ فعلية خبرية ثابتة لله - ﷿ - بالكتاب والسنة.
فمن الكتاب:
-قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ طه: ٥.
-وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (الأعراف: ٥٤، يونس: ٣، الرعد: ٢، الفرقان: ٥٩، السجدة: ٤، الحديد: ٤).
ومن السنة:
- حديث أبي هريرة - ﵁ -؛ أن النبي - ﷺ - أخذ بيده، فقال: (يا أبا هريرة! إن الله خلق السماوات والأراضين وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ) (٢).
- حديث أبي هريرة - ﵁ -؛ أيضًا قال: قال رسول الله - ﷺ -: (إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله كل درجتين ما بينهما كما بين السماء والأرض فإن
_________________
(١) والفرق بين صفة العلو وصفة الاستواء على العرش: - أن صفة العلو من الصفات الذاتية التي لا تنفك عن البارئ أبًدا، فلم يزل -﷾- عاليًا فوق المخلوقات، وأما صفة الاستواء على العرش، فهي صفة فعلية، كان في وقت لم يكن مستويًا على العرش، وفي وقت كان مستويًا، فقبل خلق السماوات والأرض كان العرش موجودًا، ولم يكن الله مستويًا عليه، ثم استوى عليه بعد خلق السماوات والأرض. كما بينه -سبحانه- في الآيات. أما العلو، فالرب -سبحانه- لم يزل قط عاليًا. - أن صفة الاستواء على العرش صفة دل عليها الشرع دون العقل، لولا أن الله أخبرنا أنه مستو على العرش لما علمنا، بخلاف صفة العلو، فإنه دل عليها الشرع والعقل والفطرة، فالناس فطروا على أن الله في العلو وأنه فوق المخلوقات. وصفة العلو وصفة الاستواء على العرش، من الصفات التي اشتد النزاع فيها بين أهل السنة وبين أهل البدع، وكلاهما من العلامات الفارقة بين أهل السنة وأهل البدع. ينظر: شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري للشيخ عبد العزيز الراجحي حفظه الله، على موقعه في الشبكة العنكبوتية http://www.sh-rajhi.com.
(٢) أخرجه النسائي في "التفسير"، عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (١٩)﴾ برقم (١١٣٢٨)، قال عنه الألباني: جيد الإسناد، ينظر: مختصر العلو للذهبي تحقيق الألباني (ص ٧٥).
[ ١٦٦ ]
سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن ومنه تفجرّ أنهار الجنة) (١).
قال الإمام ابن خزيمة (٢): معلقًا على هذا الحديث: " فالخبر يصرح أن عرش ربنا جل وعلا فوق جنته، وقد أعلمنا جل وعلا أنه مستوٍ على عرشه فخالقنا فوق عرشه الذي فوق جنته" (٣).
ومعنى الاستواء: العلو، والارتفاع، والاستقرار، والصعود؛ كما قال ابن القيم:
فَلَهُمْ عِبَارَاتٌ عليها أرْبَعٌ قد حُصِّلَتْ لِلْفَارِسِ الطَّعَّانِ
وَهِيَ اسْتَقَرَّ وَقَدْ عَلا وَكَذِلكَ ارْ تَفَعَ الذي مَا فِيهِ من نُكْرَانِ
وكذاك قد صَعِدَ الذي هُوَ رابِعٌ وأبُو عُبَيْدَةَ صَاحِبُ الشَّيْبَانِي
يَخْتَارُ هذا القَوْلَ في تَفْسِيِرِه أَدْرَى مِنَ الجَهْمِيِّ بالقُرْآنِ (٤).
وقد أجمع السلف -﵏- على أن الله مستوٍ على عرشه، وأنه لا يخفى عليه شيء من أعمالهم، والآثار في ذلك عن الصحابة والتابعين وسلف الأمة كثيرة منها:
ما أجاب به الإمام مالك - ﵀ - السائل - عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ طه: ٥، كيف استوى؟. قال له: الاستواء معلوم والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة (٥).
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الجهاد، باب: درجات المجاهدين في سبيل الله، يقال: هذه سبيلي وهذا سبيلي رقم الحديث (٢٦٣٧).
(٢) هو: الحافظ الإمام أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة بن المغيرة بن صالح بن بكر السلمي النيسابوري، كان إمامًا ثبتًا معدوم النظير، رحل إلى الشام والحجاز والعراق ومصر، وتفقه على المزني وغيره، توفي - ﵀ - سنة (٣١١ هـ)، وله مصنفات منها: كتاب التوحيد. ينظر: تذكرة الحفاظ للذهبي (٢/ ٧٢٠)، سير أعلام النبلاء (١٤/ ٣٦٥)، وشذرات الذهب (٢/ ٢٦٢).
(٣) التوحيد لابن خزيمة (١/ ٢٤١).
(٤) النونية (١/ ٢١٥ - هراس).
(٥) ينظر: الحلية لأبي نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني (٦/ ٣٢٥،٣٢٦). وأخرجه أيضا الصابوني في عقيدة السلف أصحاب الحديث (ص ١٧ - ١٨) من طريق جعفر بن عبد الله عن مالك، وابن عبد البر في التمهيد (٧/ ١٥١) من طريق عبد الله بن نافع عن مالك، والبيهقي في الأسماء والصفات (ص ٤٠٨) من طريق عبد الله بن وهب عن مالك قال الحافظ ابن حجر في الفتح (١٣/ ٤٠٦، ٤٠٧): إسناده جيد وصححه الذهبي في العلو (ص ١٠٣)، وينظر: أصول الدين عند الإمام أبي حنيفة لمحمد بن عبد الرحمن الخميس (ص ٢٩٠).
[ ١٦٧ ]
ما ورد عن ابن مسعود - ﵁ - قال: " العرش فوق الماء والله فوق العرش لا يخفى عليه شيء من أعمال بني آدم" (١).