ذكر الشيخ - ﵀ -: "أنه لا يكون من الله فعل إلا بإرادته" (٥)، مستدلًا على عموم إرادة الله سبحانه بقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ الصف: ٥، "وأن الله لا يريد كونًا ولا شرعًا أن يظلم عباده لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ النساء: ٤٠،ولقوله في
_________________
(١) ينظر: مجموع الفتاوى (٢/ ١٣٨)، النهج الأسمى لمحمد النجدي (٣/ ١٣٣ - ١٣٤)، أضواء البيان للشنقيطي (٧/ ٢١٢، ٢٨٧).
(٢) أخرجه مسلم في كتاب صفات المنافقين وأحكامهم باب برقم (٢٧٨٨)، وأخرجه البخاري معلقًا في كتاب التوحيد، باب قوله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ ص: ٧٥، برقم (٧٤١٣) من حديث عمر بن حمزة بن عمر بن الخطاب.
(٣) أخرجه البخاري في كتاب التوحيد، باب ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ﴾ الأنعام: ١٩، برقم (٧٤١٩)، ومسلم في كتاب الزكاة، باب الحث على النفقة وتبشير المنفق بالخلف برقم (٩٩٣).
(٤) ينظر: رد الدارمي على بشر المريسي (٢/ ٦٩٨)، التوحيد لابن خزيمة (١/ ١٥٩)، التوحيد لابن مندة (٣/ ١٦)، إبطال التأويلات لأبي يعلى (١/ ١٧٦).
(٥) تفسير الجلالين (ص ٨٠).
[ ١٢٣ ]
الحديث: (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي) (١)، وإن كان يريد كونًا لا شرعًا أن يظلم بعض العباد بعضًا لوقوعه منهم، ولو لم يرده لم يقع" (٢).
وبين الشيخ كذلك عموم مشيئة الله - ﷿ - مستدلًا بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ الشورى: ٨، وبقوله ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ الإنسان: ٣٠، وقوله: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ التكوير: ٢٨ - ٢٩، وأن هذه الآية تدل على مشيئة الله الكونية (٣).
وبين الشيخ - ﵀ - الفرق بين الإرادة الكونية القدرية والإرادة الشرعية الدينية، فقال: " إن الإرادة الكونية القدرية أعم مطلقًا فتشمل الإرادة الدينية والإرادة القدرية؛ أما الإرادة الدينية الشرعية فهي أخص مطلقًا، فكل مطيع قد اجتمعت فيه إرادتان: الشرعية والقدرية، أما الكافر والعاصي فقد انتفت منه الإرادة الشرعية في أعماله المخالفة للشرع" (٤).
وذكر الشيخ - ﵀ -: " أن العبادة التي تقع من العبد ويثيبه الله عليها من فضل الله على العبد وهي حاصلة بإرادته واختياره، وأن المعصية التي تقع من العبد هي واقعة من نفس العبد وبإرادته واختياره، وعقوبة الله للعبد على هذه المعصية هي واقعة بسبب من العبد؛ لأنه باشرها، وقد عامله الله بعدله في ذلك، وكلتاهما وقعتا من العبد بمشيئة الله وقدره السابق، وله في ذلك الحكمة البالغة، وقد أوضح ذلك سبحانه بقوله: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ النساء: ٧٨ " (٥).
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب البر، والصلة، والآداب؛ باب تحريم الظلم برقم (٢٥٧٧) من حديث أبي ذر الغفاري.
(٢) تفسير الجلالين (١٢).
(٣) ينظر: تفسير الجلالين (٣٢، ٢٤٠، ٢٦١).
(٤) فتاوى اللجنة الدائمة (٣/ ١٨٢).
(٥) فتاوى اللجنة الدائمة (٣/ ١٨١).
[ ١٢٤ ]
والإرادة والمشيئة صفتان ثابتتان بالكتاب والسنة.
فمن الكتاب:
- قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ الأنعام: ١٢٥.
-وقوله: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠)﴾ الإنسان: ٣٠.
-وقوله: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ آل عمران: ٢٦.
ومن السنة:
-حديث أنس بن مالك - ﵁ -؛ أن رسول الله - ﷺ - قال: (وكل الله بالرحم ملكًا فإذا أراد الله أن يقضي خلقها؛ قال ) (١).
-حديث عبد الله بن عمر - ﵁ -؛ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (إذا أراد الله بقوم عذابًا؛ أصاب العذاب من كان فيهم ثم بعثوا على أعمالهم) (٢).
-حديث أبي هريرة - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ - ( قال الله ﵎ للجنة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي وقال للنار: إنما أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي) (٣).
-حديث أبي هريرة - ﵀ -: ( ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء) (٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب القدر، باب في القدر برقم (٦٥٩٥).
(٢) أخرجه مسلم كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها باب الأمر بحسن الظن بالله عند الموت برقم (٢٨٤٦).
(٣) أخرجه البخاري (٤/ ١٨٣٦)، في كتاب التفسير الرحمن الرحيم اسمان من الرحمة وباب وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب برقم (٤٥٦٩)، وأخرجه مسلم (٤/ ٢١٨٦ - ٢١٨٧) كتاب الجنة وصفها ونعيمها وأهلها باب النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء (٢٨٤٦).
(٤) أخرجه مسلم (١/ ٤١٦)، كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب استحباب الذكر بعد الصلاة وبيان صفته برقم (٥٩٥).
[ ١٢٥ ]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: -بعد أن ذكر بعض الآيات السابقة وغيرها: " وكذلك وصف نفسه بالمشيئة، ووصف عبده بالمشيئة وكذلك وصف نفسه بالإرادة، ووصف عبده بالإرادة ومعلوم أنَّ مشيئة الله ليست مثل مشيئة العبد ولا إرادته مثل إرادته " (١).
ويقول الشيخ ابن عثيمين - ﵀ -: "ويجب إثبات صفة الإرادة بقسميها الكوني والشرعي؛ فالكونية بمعنى المشيئة، والشرعية بمعنى المحبة". (٢)
وبين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية فروق (٣) تُميز كلَّ واحدة منهما عن الأخرى، ومن تلك الفروق ما يلي:
١_ الإرادة الكونية قد يحبها الله ويرضاها، وقد لا يحبها ولا يرضاها.
أما الشرعية فيحبها الله ويرضاها؛ فالكونية مرادفة للمشيئة، والشرعية مرادفة للمحبة.
٢_ الإرادة الكونية قد تكون مقصودة لغيرها كخلق إبليس مثلًا، وسائر الشرور؛ لتحصل بسببها محابّ كثيرة، كالتوبة، والمجاهدة، والاستغفار.
أما الشرعية فمقصودة لذاتها؛ فالله أراد الطاعة وأحبها، وشرعها، ورضيها لذاتها.
٣_ الإرادة الكونية لابد من وقوعها؛ فالله إذا شاء شيئًا وقع ولابد، كإحياء أحد أو إماتته، أو غير ذلك.
أما الشرعية كالإسلام - مثلًا - فلا يلزم وقوعها، فقد تقع وقد لا تقع، ولو كان لابد من وقوعها لأصبح الناس كلهم مسلمين.
٤_ الإرادة الكونية متعلقة بربوبية الله وخلقه، أما الشرعية فمتعلقة بألوهيته وشرعه.
_________________
(١) التدمرية (ص ٢٥).
(٢) ينظر: القواعد المثلى (ص ٣٩).
(٣) ينظر: منهاج السنة النبوية (٣/ ١٨٠ - ١٨٣) (٥/ ٣٦٠، ٤١٣، ٤١٤) (٧/ ٧٢، ٧٣)، والاستقامة لابن تيمية (٢/ ٧٨)، وشفاء العليل (ص ٥٥٧)، ومدارج السالكين (١/ ٢٦٤ - ٢٦٨)، وتنبيه ذوي الألباب السليمة عن الوقوع في الألفاظ المبتدعة الوخيمة، للشيخ ابن سحمان (ص ٦١ - ٦٢)، وتعليق الشيخ ابن باز على الواسطية (ص ٤١)، وشرح الواسطية للهراس (ص ١٠٠)، وشرح الواسطية للشيخ صالح الفوزان (ص ٤٢ - ٤٣)، والقضاء والقدر للأشقر (ص ١٠٦٢)، والتعليقات على لمعة الاعتقاد للشيخ عبد الله بن جبرين (ص ٦٠ - ٦١).
[ ١٢٦ ]
٥_ الإرادتان تجتمعان في حق المطيع، فالذي أدى الصلاة -مثلًا - جمع بينهما؛ وذلك لأن الصلاة محبوبة لله، وقد أمر بها، ورضيها، وأحبها، فهي شرعية من هذا الوجه، وكونها وقعت دلَّ على أنَّ الله أرادها كونًا؛ فهي كونية من هذا الوجه؛ فمن هنا اجتمعت الإرادتان في حق المطيع.
وتنفرد الكونية في مثل كفر الكافر، ومعصية العاصي، فكونها وقعت فهذا يدلُّ على أن الله شاءها؛ لأنه لا يقع شيء إلا بمشيئته، وكونها غير محبوبة ولا مرضية لله دليل على أنها كونية لا شرعية.
وتنفرد الشرعية في مثل إيمان الكافر، وطاعة العاصي، فكونها محبوبة لله فهي شرعية، وكونها لم تقع - مع أمْر الله بها ومحبته لها - هذا دليل على أنها شرعية فحسب؛ إذ هي مرادة محبوبة لم تقع.
٦_ الإرادة الكونية أعمّ من جهة تعلّقها بما لا يحبه الله ولا يرضاه، من الكفر والمعاصي، وأخص من جهة أنها لا تتعلق بمثل إيمان الكافر، وطاعة الفاسق.
والإرادة الشرعية أعم من جهة تعلقها بكل مأمور به، واقعًا كان أو غير واقع، وأخص من جهة أن الواقع بالإرادة الكونية قد يكون غير مأمور به.
هذه فوارق بين الإرادتين، فمن عرف الفرق بينهما سلم من شُبهات كثيرة، زلَّت بها أقدام، وضلَّت بها أفهام، فمن نظر إلى الأعمال الصادرة عن العباد بهاتين العينين كان بصيرًا، ومن نظر إلى الشرع دون القدر أو العكس كان أعور (١).