يقرر الشيخ عبد الرزاق: صفة الوجه لله - ﷿ - حقيقة على ما يليق بجلاله، لقوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ الرحمن: ٢٧، فقال - ﵀ -: " وجاء إسناد البقاء إلى الوجه في الآية على معهود العرب في كلامهم وتعبيرهم بمثل ذلك عن بقاء الشيء وصفاته جميعًا" (٢).
_________________
(١) ينظر: الاستقامة لابن تيمية (٢/ ٧٨).
(٢) ينظر: الإحكام في أصول الأحكام (١/ ٢٢٣).
[ ١٢٧ ]
وقد ورد إثبات هذه الصفة لله تعالى بالكتاب والسنة.
فمن الكتاب:
-قوله تعالى: ﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾ البقرة: ٢٧٢.
- وقوله: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ﴾ الرعد: ٢٢.
ومن السنة:
-وحديث سعد بن أبي وقاص - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: ( إنك لن تخلَّف فتعمل عملًا تبتغي به وجه الله؛ إلا ازددت به درجة ورفعة ) (١).
- حديث ابن عمر م قال سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (انطلق ثلاثة رهط ممن كان قبلكم - فقال كل واحد منهم- اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك؛ ففرّج عنا ما نحن فيه ) (٢).
-حديث ابن مسعود - ﵁ - قال: لما قسم النبي - ﷺ - الغنائم يوم حنين، قال رجل: (والله إنّ هذه قسمة ما عدل فيها، وما أريد فيها وجه الله ) (٣).
قال الإمام ابن خزيمة: بعد أن أورد جملة من الآيات تثبت صفة الوجه لله تعالى: "فنحن وجميع علمائنا مذهبنا: أنا نثبت لله ما أثبته الله لنفسه، نقر بذلك بألسنتنا، ونصدق ذلك بقلوبنا؛ من غير أن نشبه وجه الله خالقنا بوجه أحد من المخلوقين، عز ربنا أن يشبه المخلوقين، وجل ربنا عن مقالة المعطلين" (٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب المغازي باب حجة الوداع برقم (٦٧٣٣)، ومسلم في كتاب الوصية باب الوصية بالثلث برقم (١٦٢٨).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الإجارة باب من استأجر أجيرًا فترك أجره فعمل فيه برقم (٢١٥٢)، ومسلم في كتاب الرقاق باب قصة أصحاب الغار الثلاثة والتوسل بصالح الأعمال برقم (٢٧٤٣).
(٣) أخرجه البخاري في كتاب المغازي باب غزوة الطائف في شوال برقم (٣١٥٠)، ومسلم في كتاب الزكاة باب إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام برقم (١٠٦٢).
(٤) كتاب التوحيد (١/ ٢٥)، وينظر: شرح السنة للالكائي (٣/ ٤٢٢ - ٤٢٤)، شرح نونية ابن القيم (٢/ ٢٩٩) وما بعدها، لوامع الأنوار (١/ ٢٢٥ - ٢٢٨)، قطف الثمر لمحمد خان (ص ٥٨).
[ ١٢٨ ]
وقال الحافظ ابن منده (١): "ومن صفات الله - ﷿ - التي وصف بها نفسه قوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٨)﴾ القصص: ٨٨، وقال: ﴿يَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ الرحمن: ٢٧، وكان النبي - ﷺ - يستعيذ بوجه الله من النار (٢)
والفتن كلها، ويسأل به .. "، ثم ذكر أحاديث بسنده، ثم قال: " بيان آخر يدل على أن العباد ينظرون إلى وجه ربهم - ﷿ - "، وذكر ما يدل على ذلك (٣).
وقال قوام السنة الأصبهاني (٤): "ذكر إثبات وجه الله - ﷿ - الذي وصفه بالجلال والإكرام والبقاء في قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ الرحمن: ٢٧ " (٥).
_________________
(١) هو الحافظ محدث العصر أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن محمد بن يحي بن منده الأصبهاني، صاحب التصانيف طواف الدنيا، سمع من ألف وسبعمائة شيخ، توفي: سنة ٣٩٥ هـ، له مؤلفات عديدة منها: كتاب التوحيد، والرد على الجهمية وغيرها. ينظر: تذكرة الحفاظ (٣/ ١٠٣١)، والعبر في خبر من غبر للذهبي (٢/ ١٨٧)، وشذرات الذهب (٣/ ١٤٦).
(٢) وقال الشيخ بكر أبو زيد - ﵀ - في " معجم المناهي اللفظية " (ص ١٨٣) عند لفظة " بوجه الله " بعد ذكره لحديث أبي داود وضعفه: لكن يشهد لعموم النهي حديث أبي موسى ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: (ملعون من سأل بوجه الله، وملعون من سئُئل بوجه الله ثم منع سائله ما لم يسأل هجرًا). أخرجه الطبراني (٢٢/ ٣٧٧)، برقم (٩٤٣)، قال العراقي: إسناده حسن، وحسنه أيضا العلامة الألباني في صحيح الترغيب برقم (١٢٥٧). وحاصل السؤال بوجه الله يتلخص في أربعة أوجه:
(٣) سؤال الله بوجهه أمرًا دينيا أو أخرويا، وهذا صحيح.
(٤) سؤال الله بوجهه أمرا دنيويًا وهذا غير جائز.
(٥) سؤال غير الله بوجه الله أمرًا دنيويا وهو غير جائز.
(٦) سؤال غير الله بوجه الله أمر دينيا. ا. هـ.
(٧) ينظر: كتاب التوحيد (٣/ ٣٦).
(٨) هو: إسماعيل بن محمد بن الفضل بن علي القرشي التميمي الأصبهاني، المعروف بأبي القاسم قوام السنة، شافعي، من مؤلفاته: الحجة في بيان المحجة وشرح عقيدة أهل السنة، دلائل النبوة، سير السلف الصالحين وغيرها، توفي سنة ٥٣٥ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء (٢/ ٨)، شذرات الذهب (٤/ ١٠٥)، الأعلام (١/ ٣٢٣).
(٩) ينظر: الحجة في بيان المحجة (١/ ١٩٩).
[ ١٢٩ ]
وقال الشيخ الشنقيطي (١): "والوجه صفة من صفات الله - ﷿ - وصف بها نفسه، فعلينا أن نصدق ربنا ونؤمن بما وصف به نفسه مع التنزيه التام عن مشابهة صفات الخلق" (٢).