يقرر الشيخ صفة الحكمة لله - ﷿ - وأنها ثبتت له-سبحانه- في صنعه وتشريعه وقدره وجزائه وكلامه وإرساله الرسل وإنزال الكتب وفي كل شؤونه (٣). وأنه ثبت له كمالها بدليل النقل والعقل وبالنظر في كونه وشرعه؛ فهو سبحانه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد على مقتضى الحكمة في فعله وشرعه، ويرعى في ذلك مصلحة عباده فضلًا منه ورحمة. ورعاية الحكمة في أفعاله سبحانه وفي شرعه مما يوجب في حقه، وإن قلنا: إن ذلك واجب عليه؛ فهو سبحانه الذي أوجبه على نفسه فضلًا وإحسانًا رحمة منه بعباده ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ الأنعام: ٥٤ (٤). وثبت بالنص أنه سبحانه لا يفعل ولا يشرع إلا ما هو مقتضى الحكمة؛ إذن فهو سبحانه لا يشاء إلا ما كان مقتضى الحكمة والعدالة (٥).
_________________
(١) هو العلامة محمد الأمين بن محمد المختار الجكني الشنقيطي، سلفي المعتقد، متفنن في علوم عدة، مبرّزًا في اللغة والتفسير، من مؤلفاته: أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، ومذكرة أصول الفقه على روضة الناظر، آداب البحث والمناظرة، وغيرها؛ توفي سنة ١٣٩٣ هـ. ينظر: ترجمة تلميذه عطية سالم له في أوائل كتابه أضواء البيان (١/ ١٩)، والأعلام للزر كلي (٦/ ٤٥)، وعلماء نجد خلال ثمانية قرون للشيخ عبد الله البسام (٦/ ٣٧١).
(٢) أضواء البيان (٧/ ٨٠١).
(٣) ينظر: تفسير الجلالين (٥٩، ٢٤١).
(٤) ينظر: الإحكام في أصول الأحكام (١/ ١٢٥، ١٣٠) و(١/ ٤٤) و(٢/ ٣٦٨) و(٢/ ٣٠).
(٥) ينظر: الإحكام في أصول الأحكام (٢/ ٧٤).
[ ١٣٠ ]
الحكمة صفة ذاتية ثابتة لله - ﷿ -، و(الحكيم (١» من أسمائه تعالى؛ وهو ثابت بالكتاب والسنة.
فمن الكتاب:
-قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١٨)﴾ الأنعام: ١٨.
-وقوله: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٨)﴾ البقرة: ٢٢٨.
ومن السنة:
-حديث سعد بن أبي وقاص - ﵁ -، أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَتَى النَّبِيَّ - ﷺ -، فَقَالَ: علمني كلامًا أقوله، قَالَ: ( وسبحان الله رب العالمين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم ) (٢).
قال ابن القيم في النونية (٣):
وهو الحكيم وذاك من أوصافه نوعان أيضًا ما هما عدمان
حكم وإحكامٌ فكل منهما نوعان أيضًا ثابتا البرهان
قال ابن جرير (٤): (الحكيم) الذي لا يدخل تدبيره خلل ولا زلل.
وقال: حكيم فيما قضى بين عباده من قضاياه (٥).
_________________
(١) يبين الشيخ عبد الرزاق أن الحكيم من متعلق الحكمة فيقول: "الأولى التعميم في متعلق الحكمة، فيقال: الحكيم في كل شأن من شؤونه من صنعه وقدره وتشريعه وجزائه وكلامه وإرساله وإنزاله كتبه، إلى غير ذلك". ينظر: تفسير الجلالين (ص ١٧١).
(٢) أخرجه مسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب فضل التهليل والتسبيح والدعاء برقم (٢٦٩٦).
(٣) (٢/ ٢١٨ - ٢١٩).
(٤) هو أبو جعفر؛ محمد بن جرير بن يزيد ين كثير بن غالب الطبري، المفسر والمحدث، الفقيه، المقرئ، المؤرخ، صاحب التصانيف البديعة، أكثر من الترحل، ولقي نبلاء الرجال، وكان من أفراد الدهر علمًا، وذكاء، ولد سنة٢٢٤ هـ، ومات سنة٣١٠ هـ، من آثاره: التفسير، والتاريخ وغيرهما. ينظر: العبر (١/ ٤٦٠)، لسان الميزان (٥/ ١١٥)، النجوم الزاهرة (٣/ ٢٣٠)، شذرات الذهب (٢/ ٢٦٠).
(٥) جامع البيان (١/ ٤٣٦)، (٢/ ٣٦٣).
[ ١٣١ ]
وقال ابن كثير (١): الحكيم في أفعاله وأقواله فيضع الأشياء في محلها بحكمته وعدله (٢).
وقال الحليمي (٣):
(الحكيم) ومعناه الذي لا يقول ولا يفعل إلا الصواب، وإنما ينبغي أن يوصف بذلك لأن أفعاله سديدة، وصنعه متقن، ولا يظهر الفعل المتقن السديد إلا من حكيم، كما لا يظهر الفعل على وجه الاختيار إلا من حي عالم قدير (٤).
والحكمة: فعلة من الحكم، وأظهر تفسير لها: العلم النافع؛ لأن العلم النافع هو الذي يحكم الأقوال والأفعال؛ أي يمنعها من أن يعتريها الخلل؛ والله سبحانه العالم بعواقب الأمور وما تصير إليه والعالم بما كان ويكون، فلا يضع أمرًا إلا في مواضعه. ومحال أن ينكشف الغيب عن أن ذلك الأمر على خلاف الصواب لعلمه سبحانه بما تؤول إليه الأمور (٥).
وقد بين ابن القيم: أن لله تعالى أنواع ثلاثة اقتضتها حكمته، فهو سبحانه لا يشاء إلا ما كان مقتضى الحكمة والعدالة، قال - ﵀ -: "الأحكام ثلاثة:
الحكم الأول: حكم شرعي ديني:
فهذا حقه أن يتلقى بالمسالمة والتسليم وترك المنازعة؛ بل بالانقياد المحض، وهذا تسليم العبودية المحضة؛ فلا يعارض بذوق ولا وجد ولا سياسة ولا قياس ولا تقليد، ولا يرى إلى خلافه سبيلا البتة، وإنما هو الانقياد المحض والتسليم والإذعان والقبول.
_________________
(١) هو إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي الشافعي، عماد الدين أبو الفداء، الإمام الحافظ، والمحدث المؤرخ، من مؤلفاته: تفسير القرآن العظيم، البداية والنهاية، اختصار علوم الحديث، توفي سنة ٧٧٤ هـ. ينظر: الدرر الكامنة (١/ ٤٠٠)، شذرات الذهب (٦/ ٢٣٢).
(٢) تفسير القرآن (١/ ١٨٤، ٣١٥، ٤٥٩)، وينظر: روح المعاني للألوسي (٧/ ١١٧)، والاعتقاد للبيهقي (ص ٦٠).
(٣) هو العلامة أبو عبد الله الحسين بن الحسن بن محمد بن حليم البخاري الشافعي، صاحب وجوه حسان في المذهب، كان من أذكياء زمانه ومن فرسان النظر، له يد طولى في العلم والأدب أخذ عن الحاكم وغيره توفي: سنة ٤٠٣ هـ، وله تصانيف عديدة أشهرها: المنهاج في شعب الإيمان. ينظر: وفيات الأعيان (٢/ ١١٦)، وتذكرة الحفاظ (٣/ ١٠٣٠)، والعبر (٢/ ٢٠٥)، وشذرات الذهب (٣/ ١٦٧).
(٤) المنهاج في شعب الإيمان للحسين بن الحسن الحليمي (١/ ١٩١).
(٥) ينظر: تفسير الطبري (١/ ٢٢١)، تفسير القرطبي (٤/ ٨)، لسان العرب (١٢/ ١٤٠)، تفسير التحرير والتنوير (١/ ٤١٦)، وقفات تربوية في ضوء القرآن الكريم لعبد العزيز الجليل (١/ ١٥٢).
[ ١٣٢ ]
فإذا تلقى بهذا التسليم والمسالمة، إقرارا وتصديقا بقي هناك انقياد آخر، وتسليم آخر له، إرادة وتنفيذا وعملا؛ فلا تكون له شهوة تنازع مراد الله من تنفيذ حكمه، كما لم تكن له شبهة تعارض إيمانه وإقراره، وهذا حقيقة القلب السليم الذي سلم من شبهة تعارض الحق، وشهوة تعارض الأمر، فلا استمتع بخلاقه كما استمتع به الذين يتبعون الشهوات، ولا خاض في الباطل خوض الذين يتبعون الشبهات، بل اندرج خلاقه تحت الأمر، واضمحل خوضه في معرفته بالحق، فاطمأن إلى الله معرفة به، ومحبة له، وعلما بأمره، وإرادة لمرضاته، فهذا حق الحكم الديني الشرعي.
الحكم الثاني: الحكم الكوني القدري الذي للعبد فيه كسب واختيار وإرادة:
والذي إذا حكم به يسخطه ويبغضه ويذم عليه، فهذا حقه أن ينازع ويدافع بكل ممكن ولا يسالم البتة، بل ينازع بالحكم الكوني أيضًا، فينازع حكم الحق بالحق للحق؛ فيدافع به وله، كما قال شيخ العارفين في وقته عبدالقادر الجيلي (١): " الناس إذا دخلوا إلى القضاء والقدر أمسكوا وأنا انفتحت لي روزنة (٢)
فنازعت أقدار الحق بالحق للحق والعارف من يكون منازعا للقدر لا واقفا مع القدر" اهـ.
_________________
(١) أو الجيلاني، وهو الشيخ عبد القادر بن أبي صالح بن عبد الله الجيلي الحنبلي، وقيل عبد القادر بن موسى، ولد سنة (٤٧٠ هـ)، وتوفي سنة (٥٦١ هـ)، قال عنه الذهبي: " وفي الجملة: الشيخ عبد القادر كبير الشأن، وعليه مآخذ في بعض أقواله ودعاويه"، وهو مؤسس الطريقة القادرية. ينظر: سير أعلام النبلاء (٢٠/ ٤٣٩ - ٤٥١)، ذيل طبقات الحنابلة للسيوطي (١/ ٢٩٠ - ٣٠١)، الأعلام (٤/ ٤٧)، والدراسة المستقلة عنه باسم "الشيخ عبد القادر الجيلاني وآراؤه الاعتقادية والصوفية" للشيخ د. سعيد بن مسفر القحطاني، رسالة دكتوراه من جامعة أم القرى.
(٢) الرَّوْزَنَةُ - خرق في أعلى سقف البيت الخصاص- شبه كوة قي قبة أو نحوها إذا كان واسعًا قدر الوجه. وهي معربة. ينظر: في التعريب والمعرب وهو المعروف بحاشية ابن بري (١/ ٩٥)، الصحاح للجوهري (٦/ ٤٠١)، المخصص لابن سيده (١/ ٥١٣)، المعجم الوسيط (١/ ٣٤٣)، تاج العروس من جواهر القاموس (٣٥/ ٨٩).
[ ١٣٣ ]
فإن ضاق ذرعك عن هذا الكلام وفهمه، فتأمل قول عمر بن الخطاب - ﵁ -، وقد عوتب على فراره من الطاعون، فقيل له: أتفر من قدر الله؟ فقال: "نفر من قدر الله إلى قدره".
ثم كيف ينكر هذا الكلام من لا بقاء له في هذا العالم إلا به، ولا تتم له مصلحة إلا بموجبه؛ فإنه إذا جاءه قدر من الجوع والعطش أو البرد نازعه وترك الانقياد له ومسالمته ودفعه بقدر آخر من الأكل والشرب واللباس؛ فقد دفع قدر الله بقدره.
وهكذا إذا وقع الحريق في داره، فهو بقدر الله فما باله لا يستسلم له ويسالمه ويتلقاه بالإذعان؟ بل ينازعه ويدافعه بالماء والتراب وغيره حتى يطفىء قدر الله بقدر الله، وما خرج في ذلك عن قدر الله.
وهكذا إذا أصابه مرض بقدر الله دافع هذا القدر ونازعه بكل ما يمكنه؛ فإن غلبه وقهره حرص على دفع آثاره وموجباته بالأسباب التي نصبها الله لذلك، فيكون قد دفع القدر بالقدر، ومن لم يستبصر في هذه المسألة ويعطها حقها لزمه التعطيل للقدر أو الشرع شاء أو أبى، فما للعبد ينازع أقدار الرب بأقداره في حظوظه، وأسباب معاشه، ومصالحه الدنيوية، ولا ينازع أقداره في حق مولاه وأوامره ودينه؟ وهل هذا إلا خروج عن العبودية ونقص في العلم بالله وصفاته وأحكامه؟!.
ولو أن عدوا للإسلام قصده لكان هذا بقدر الله، ويجب على كل مسلم دفع هذا القدر بقدر يحبه الله؛ وهو الجهاد باليد أو المال في العبودية، اللهم إلا إذا بذل العبد جهده في المدافعة والمنازعة، وخرج الأمر عن يده، فحينئذ يبقى من أهل:
الحكم الثالث: وهو الحكم القدري الكوني الذي يجري على العبد بغير اختياره ولا طاقة له بدفعه ولا حيلة له في منازعته:
فهذا حقه أن يتلقى بالاستسلام والمسالمة، وترك المخاصمة، وأن يكون فيه كالميت بين يدي الغاسل، وكمن انكسر به المركب في لجة البحر وعجز عن السباحة، وعن سبب يدنيه من النجاة، فها هنا يحسن الاستسلام والمسالمة؛ مع أن عليه في هذا الحكم عبوديات أخر سوى التسليم والمسالمة، وهي أن يشهد عزة الحاكم في حكمه، وعدله في قضائه، وحكمته في جريانه عليه، وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وإن الكتاب الأول
[ ١٣٤ ]
سبق بذلك قبل بدء الخليقة، فقد جف القلم بما يلقاه كل عبد، فمن رضي، فله الرضا، ومن سخط فله السخط.
ويشهد أن القدر ما أصابه إلا لحكمة اقتضاها اسم الحكيم ﷻ وصفته الحكمة، وأن القدر قد أصاب مواقعه، وحل في المحل الذي ينبغي له أن ينزل به، وأن ذلك أوجبه عدل الله وحكمته وعزته وعلمه وملكه العادل، فهو موجب أسمائه الحسنى، وصفاته العلى، فله عليه أكمل حمد وأتمه، كما له الحمد على جميع أفعاله وأوامره " (١)
وبهذا يعلم أنه - ﷾- يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد على مقتضى الحكمة في فعله وشرعه، ويرعى في ذلك مصلحة عباده فضلًا منه ورحمة.