الفطرة مطمئنة إلى ما جاء في القرآن الكريم والسنة النبوية من أصول الدين، وأنه لو تُرك الناس وفطرهم السليمة لما حصل خلاف في أصول الدين، فالفطرة شاهدة بصحة
_________________
(١) ينظر: تفسير السعدي (١/ ٤٦٣)، الجواهر الحسان في تفسير القرآن للثعالبي (٥/ ١٨٨)، فتح القدير للشوكاني (٣/ ٢٤٤)، تفسير السمرقندي لنصر بن محمد بن أحمد السمرقندي (٢/ ٣٢١)، النكت والعيون تفسير لأبي الحسن علي بن محمد الماوردي (٣/ ٢٥٧)، تفسير البغوي (٣/ ١٢٥).
(٢) منهج الإمام ابن أبي العز الحنفي لعبد الله الحافي (ص ٤٦).
(٣) ينظر: لمكانة العقل في الإسلام في كتاب موقف المتكلمين للدكتور سليمان الغصن (١/ ٢٦٢ - ٢٧٣)، المدرسة السلفية لمحمد بن عبد الستار نصار (ص ٤٧٨).
[ ٥١ ]
السمع ووفائه بحاجات البشر في جميع مجالات الحياة، ومصداق هذا ما جاء في الحديث القدسي: (خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين) (١).
ولا يعكّر على هذا ما يزعمه المشركون وكثير من الضالين من عدم توافق الشريعة وأحكامها مع أذواقهم ومتطلباتهم فيلتمسون الهدي من غير شريعة الله؛ لأن هؤلاء صدق عليهم قوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)﴾ المطففين: ١٤، فهم لم يقبلوا هدي الله أصلًا ولم يرفعوا به رأسًا، وإنما أساءوا به الظنون بادي الأمر وأقبلوا عليه إقبال الشاكّ المرتاب، فحُرموا بركته ولم تنشرح صدورهم لهداه ﴿جَزَاءً وِفَاقًا (٢٦)﴾ النبأ: ٢٦.
فدليل الفطرة عند السلف ثمرة من ثمرات صحة الاعتقاد والإيمان وتحقيق العبودية لله تعالى، ولا يمكن أن يحصل بغير ذلك. فإذا صح الإيمان وتحققت العبودية لله، شهدت الفطرة عظمة هذا الدين وأقرّت بالكمال للكبير المتعال عن علم وبصيرة، وأيقنت أن كل ما يجري في هذا العالم إنما هو من آثار أسمائه وصفاته وبقضائه وقدره (٢).
والمتأمل لكلام الشيخ عبد الرزاق (٣) - ﵀ - يجد أنه استدل بالعقل والفطرة في بعض المواطن كما هو منهج أهل السنة والجماعة، وأنه يعدهما مصدرين من مصادر المعرفة الدّينية، لكنّهما ليسا مصدرين مستقلين، بل يحتاجان إلى تنبيه الشّرع وإرشاده إلى الأدلة، فهما يوافقان ويشهدان بصحة السمع ولا يعارضانه أبدًا.
_________________
(١) أخرجه مسلم كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب الصفات التي يعرف بها أهل الجنة وأهل النار برقم (٢٨٦٥)، عن عياض المجاشعي.
(٢) ينظر: درء التعارض لشيخ الإسلام ابن تيمية (٨/ ٤١٠)، وتفسير الحافظ ابن كثير (٦/ ٣٢٠)، وشفاء العليل لابن القيم (ص ٣٨٣).
(٣) ينظر: مجموعة ملفات الشيخ (ص ٤٠ - ٤١)، (٨٨ - ٨٩)، (١٢٧ - ١٢٨)، وشبهات حول السنة (٥٨) وما بعدها، وغيرها.
[ ٥٢ ]