يقرر الشيخ - ﵀ - بأن علم الله تعالى كامل وثابت له سبحانه بدليل النقل والعقل وبالنظر في كونه وشرعه (٢).
ويبين الشيخ - ﵀ - في تعليقه على تفسير الجلالين عند قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ ﴾ الآية المجادلة: ٧، قال: "أي بعلمه وهو فوق عرشه بذاته لا يخفى عليه شيء من شؤون خلقه، وليس هذا من التأويل الذي هو صرف اللفظ عن ظاهره (٣)، وذلك أن كلمة (مع) موضوعة لمطلق المقارنة، فيدخل في معناها المقارنة بالعلم وبالنصر والتأييد وبالهداية والتوفيق، فتفسيرها بالعلم ونحوه تفسير لمعنى وضع له اللفظ، وصدر الآية وتذييلها يعين هذا المعنى دون المقارنة بالذات" (٤).
_________________
(١) ينظر: طريق الهجرتين (١/ ٦٦ - ٦٩).
(٢) ينظر: تعليق الشيخ على الإحكام (١/ ٢٦،١٢٥)، (٢/ ٤٤)، وتفسير الجلالين (١٥٣).
(٣) قال ابن تيمية - ﵀ - عند ذكره لهذه الآية: " وقد ثبت عن السلف أنهم قالوا: هو معهم بعلمه، وقد ذكر ابن عبد البر وغيره أن هذا إجماع من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولم يخالفهم فيه أحد يعتد بقوله، وهو مأثور عن ابن عباس، والضحاك، ومقاتل بن حيان، وسفيان الثوري، وأحمد ابن حنبل وغيرهم ". ينظر: شرح حديث النزول (٢/ ١٠٣، ٢١٧ - ٢١٩، ٢٣٠).
(٤) تفسير الجلالين (ص ١٥٤ - ١٥٥).
[ ١٣٥ ]
وقال الشيخ - ﵀ -: "إن علم الله تعالى محيط بأسمائه الحسنى وصفاته العلى كما أنه محيط بعباده وسائر خلقه" (١).
ويقرر الشيخ - ﵀ - بعض صفات علم الله ﷿، فيقول: "إن الأصل في الأمور الغيبية اختصاص الله بعلمها، قال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ الأنعام: ٥٩، وقوله: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥)﴾ النمل: ٦٥، ولكن الله تعالى يطلع من ارتضى من رسوله على شيء من الغيب، قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٢٧)﴾ الجن: ٢٦ - ٢٧، وقال تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٩)﴾ الأحقاف: ٩.
إذن فمن الغيب ما استأثر الله بعلمه فلم يطلع عليه ملكًا مقربًا ولا نبيًا مرسلًا كتحديد الوقت الذي يقوم فيه الخلق لله رب العالمين للحساب، فإنه لا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله، قال تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا (٦٣)﴾ الأحزاب: ٦٣؛ ومن الغيب ما أعلم الله بعض عباده كالأمور المستقبلية التي أخبر بها رسول الله - ﷺ - فكانت معجزة له وآية من آيات الله خص الله بها رسوله، وهي داخلة في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ آل عمران: ١٧٩. ويتبين من هذا أن النبي - ﷺ - لم يكن يعلم الغيب علمًا كليًا، وإنما كان يعلمه علمًا جزئيًا في حدود ما أطلعه الله عليه" (٢).
وقد دل القرآن والسنة والعقل على أن صفة العلم من الصفات الذاتية الثابتة لله - ﷿ -.
_________________
(١) تفسير الجلالين (ص ٢٣).
(٢) فتاوى اللجنة (٢/ ١٦٨ - ١٧١، ١٧٤، ١٧٦، ١٨١، ١٨٢).
[ ١٣٦ ]
فمن القرآن:
الآيات السابق ذكرها في كلام الشيخ - ﵀ -.
ومن السنة:
- حديث جابر بن عبد الله - ﵁ - قال: كان النبي - ﷺ - يعلِّم أصحابه الاستخارة في الأمور كلها كما يعلم السورة من القرآن يقول: ( فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب ) (١).
- حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (ما من مولود يولد قالوا: يا رسول الله أفرأيت من يموت منهم وهو صغير قال: (الله أعلم بما كانوا عاملين) (٢).
أما دلالة العقل- فمن وجوه-:
أولًا: أنه يستحيل إيجاده الأشياء بغير علم سابق قال تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ الملك: ١٤.
ثانيًا: أن المخلوقات فيها من الأحكام والإتقان وعجيب الصنعة ودقيق الخلقة ما يشهد بعلم الفاعل لها لامتناع صدور ذلك عن غير علم.
ثالثًا: أن في المخلوقات من هو عالم والعلم صفة كمال، فلو لم يكن الله عالمًا لكان في المخلوقات من هو أكمل منه، وكل علم في المخلوق إنما استفاده من خالقه وواهب الكمال أحق به، وفاقد الشيء لا يعطيه (٣).
قال ابن القيم: في ذكره لمراتب القدر: "فأما المرتبة الأولى: وهي العلم السابق فقد اتفق عليه الرسل من أولهم إلى خاتمهم، واتفق عليه جميع الصحابة ومن تبعهم من الأمة وخالفهم مجوس الأمة" (٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الدعوات، باب الدعاء عند الاستخارة برقم (٦٣٨٢).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الجنائز، باب ما قيل في أولاد المشركين برقم (١٣٨٤)، ومسلم في كتاب القدر، باب معنى كل مولود يولد على الفطرة، وحكم موت أطفال الكفار وأطفال المسلمين برقم (٢٦٥٩).
(٣) ينظر: شرح العقيدة الأصفهانية لابن تيمية (ص ٢٤ - ٢٥)، ولوامع الأنوار (١/ ١٤٨ - ١٤٩).
(٤) شفاء العليل (ص ٢٩).
[ ١٣٧ ]