يقرر الشيخ - ﵀ - عند قول الله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ القمر: ٤٩، فيقول: "الآية حجةٌ لأهل السنة على عموم قدرة الله، وتعلقها بكل مخلوق، وشمول خلقه لكل شيء، ودليل على إحكام الخلق وسَبْقِ التقدير" (١).
وعند قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ الملك: ١، قال: "تدل الآية على عموم قدرة الله وكمال تصرفه في الكون بيسر وسهولة، وهذا مستفاد من كون الملك بيد الله" (٢).
والقدرة صفة ذاتية ثابتة لله ﷿ بالكتاب والسنة (٣).
فمن الكتاب:
- قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠)﴾ البقرة: ٢٠.
- وقوله: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ الأنعام: ٦٥.
- وقوله: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾ القمر: ٥٥.
ومن السنة:
- حديث عثمان بن أبي العاص - ﵁ - مرفوعًا: (أعوذ بِعزَّة الله وقدرته من شر ما أجدُ وأحاذِرُ) (٤).
_________________
(١) ينظر: تفسير الجلالين (ص ١٢٨).
(٢) تفسير الجلالين (ص ١٩٥) و(ص ١٢، ٨٠).
(٣) الأسماء المتضمنة صفة واحدة لا تعد اسمًا واحدًا، بل كل صيغة من صيغ الاسم تعد اسمًا مستقلًا. ومن أسمائه تعالى التي اشتقت من صفة القدرة: (القادر) و(القدير) و(المقتدر) وأصل هذه الأسماء الثلاثة يدور على معنى القوة. ينظر: النهاية لابن الأثير (٤/ ٢٢)، أسماء الله الحسنى في الكتاب والسنة د. محمود الرضواني (٢/ ٣٧٥)، صفات الله - ﷿ - الواردة في الكتاب والسنة (ص ٢٤٠).
(٤) أخرجه مسلم كتاب السلام، باب استحباب وضع يده على موضع الألم مع الدعاء برقم (٢٢٠٢).
[ ١٣٨ ]
- حديث أبي مسعود البدري - ﵁ -، لما ضرب غلامه؛ قال له النبي - ﷺ -: (اعلم أبا مسعود! أن الله أقدرُ عليك منك على هذا الغلام) (١).
قال الخطابي - ﵀ -: "ووصف الله نفسه بأنه قادر على كلِّ شيء أراده، لا يعترضه عجز ولا فتور، وقد يكون القادر بمعنى المقدِّر للشيء، يقال: قدَّرت الشيءَ وقدَرْتُه؛ بمعنى واحد، كقوله: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ (٢٣)﴾ المرسلات: ٢٣، أي نعم المقدرون (٢) " (٣).
"والقدرة: عبارة عن المعنى الذي به يوجَد الشيء متقدرًا بتقدير الإرادة والعلم، واقعًا على وفقهما. والقادر هو الذي إن شاءَ فعل، وإن شاء لم يفعل، وليس من شرطه أن يشاء لا مَحالة، فإن الله تعالى قادرٌ على إقامَة القيامة الآن، لأنه لو شاءَ أقامها، فإن كان لا يُقيمها؛ لأنه لم يَشَاها ولا يشاؤها لما جرى في سابِق علمه من تقدير أجلها ووقتها، فلذلك لا يقدح في القدرة. والقادِرُ المُطلق هو الذي يخترع كلَّ مَوْجُود اختراعًا يتفردُ به، ويستغني فيه عن معاونة غيره، وهو الله تعالى.
وأما العبد فله قُدْرَةٌ على الجملة ولكنها ناقِصة إذ لا يتناوَلُ إلا بعضَ الممكِنات، ولا يصلح للاختراع، بَلِ الله تعالى هو المخترع لمقدوراتِ العبد بواسطة قدرته مهْما هَيَّأ له جميع أسباب الوُجودِ لمقدوره" (٤)