يقرر الشيخ - ﵀ - صفة الخَلْق لله - ﷿ - مستدلًا بقوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢)﴾ الزمر: ٦٢، وبين الشيخ - ﵀ -: " أن إخباره تعالى عن نفسه في الآية بأنه خالق يمنع من دخوله في عموم قوله: ﴿كُلِّ شَيْءٍ﴾ الزمر: ٦٢، وإلا كان مخلوقًا لنفسه، وذلك محال لما يلزمه من كونه سابقًا على نفسه لكونه خالقًا، متأخرًا عنها لكونه مخلوقًا لها، وسبق الشيء نفسه وتأخيره عنها في الوجود محال؛ فالآية أيضًا دالة على تخصيص عموم المفعول" (٢).
والخلق صفة من صفات الله الفعلية الثابتة بالكتاب والسنة، وهي مأخوذة أيضًا من اسمه (الخالق) و(الخلاق)، وهي من صفات الذات وصفات الفعل معًا.
الدليل من الكتاب:
وردت هذه الصفة في القرآن مرات عديدة، تارة بالفعل (خَلَقَ)، أو بمصدره، وتارة باسمه (الخالق) أو (الخلاَّق)، ومن ذلك:
- قوله تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ الأعراف: ٥٤.
- وقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨٦)﴾ الحجر: ٨٦.
- وقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ ق: ١٦.
_________________
(١) شرح العقيدة الواسطية من تقريرات: سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، أخرجها وأعدها للطبع: د. عبد المحسن بن محمد بن قاسم (١/ ٣٨).
(٢) ينظر: الإحكام في أصول الأحكام (٢/ ٣٤١).
[ ١٧٧ ]
ومن السنة:
- حديث أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا: (قال الله تعالى: ومن أظلم ممن ذهب يخلق كَخَلْقي؛ فليخلقوا ذرَّة، أو ليخلقوا حبة، أو ليخلقوا شعيرة) (١).
- حديث عائشة - ﵂ - في التصاوير: ( أشد الناس عذابًا عند الله يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله ) (٢).
قال الأزهري (٣): "ومن صفات الله: الخالق والخلاق، ولا تجوز هذه الصفة بالألف واللام لغير الله - ﷿ -.
والخلاق في كلام العرب ابتداع الشيء على مثال لم يسبق إليه والخلق في كلام العرب على ضربين: أحدهما: الإنشاء على مثال أبدعه. والآخر: التقدير.
وقال في قول الله تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤)﴾ المؤمنون: ١٤، معناه: أحسن المقدرين" (٤).
وقال ابن تيمية - ﵀ -: "وأما قولنا: هو موصوف في الأزل بالصفات الفعلية من الخلق والكرم والمغفرة؛ فهذا إخبار عن أن وصفه بذلك متقدم؛ لأن الوصف هو الكلام الذي
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب اللباس، باب نقض الصور، برقم (٥٩٥٣)، ومسلم في كتاب اللباس والزينة، باب لا تخل الملائكة بيتًا، برقم (٢١١١).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب اللباس، باب ما وطئ من التصاوير، برقم (٥٩٥٤)، ومسلم في كتاب اللباس والزينة، باب لا يدخل الملائكة بيتًا، برقم (٢١٠٧).
(٣) هو: محمد بن أحمد بن الأزهري بن طلحة بن نوح الأزهري الهروي، ولد بهراة عام (٢٨٢ هـ)، وقع أسيرًا لدى القرامطة في طريق عودته من الحج إلى العراق عام (٣١١ هـ)، وعاش أسيرًا في بادية البحرين دهرًا طويلًا، استفاد خلالها من عرب البادية ألفاظًا ونوادر وأخبارًا كثيرة ضمَّنها (التهذيب)، ثم رجع بغداد بعد إطلاق سراحه، ومنها إلى هَراة، فألف فيها كتابه المشهور بـ (تهذيب اللغة)، ولم يخرج منها حتى توفي بها عام (٣٧٠ هـ). ينظر: معجم الأدباء لياقوت الحموي (٥/ ٢٣٢١)، سير أعلام النبلاء (١٦/ ٣١٥)، بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة للسيوطي (١/ ١٩).
(٤) تهذيب اللغة (٧/ ٢٦).
[ ١٧٨ ]
يخبر به عنه؛ وهذا مما تدخله الحقيقة والمجاز، وهو حقيقة عند أصحابنا، وأما اتصافه بذلك؛ فسواء كان صفةً ثبوتَّيةّ وراء القدرة أو إضافية؛ فيه من الكلام ما تقدم" (١).
وقال في موضع آخر: "والله تعالى لا يوصف بشيء من مخلوقاته، بل صفاته قائمة بذاته، وهذا مطرد على أصول السلف وجمهور المسلمين من أهل السنة وغيرهم، ويقولون: إن خلق الله للسماوات والأرض ليس هو نفس السماوات والأرض، بل الخلق غير المخلوق، لا سيما مذهب السلف والأئمة وأهل السنة الذين وافقوهم على إثبات صفات الله وأفعاله" (٢).
وقال في موضع ثالث: "ولهذا كان مذهب جماهير أهل السنة والمعرفة -وهو المشهور عند أصحاب الإمام أحمد وأبي حنيفة وغيرهم من المالكية والشافعية والصوفية وأهل الحديث وطوائف من أهل الكلام من الكرامية وغيرهم- أن كون الله ﷾ خالقًا ورازقًا ومحييًا ومميتًا وباعثًا ووارثًا وغير ذلك من صفات فعله، وهو من صفات ذاته؛ ليس من يخلق كمن لا يخلق.
ومذهب الجمهور أن الخلق غير المخلوق؛ فالخلق فعل الله القائم به، والمخلوق هو المخلوقات المنفصلة عنه" (٣).