يقرر الشيخ - ﵀ - صفة الهرولة لله - ﷿ - على ما يليق به سبحانه (٤)، مستدلًا بالحديث القدسي قال الله تعالى: (إذا تقرب إليَّ العبد شبرًا تقربت إليه ذراعًا، وإذا تقرب إليَّ ذراعًا تقربت منه باعًا، وإذا أتاني ماشيًا أتيته هرولة) (٥).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٦/ ٢٧٢).
(٢) مجموع الفتاوى (٨/ ١٢٦).
(٣) مجموع الفتاوى (١٢/ ٤٣٥ - ٤٣٦).
(٤) ينظر: فتاوى اللجنة (٣/ ١٩٦).
(٥) أخرجه البخاري في كتاب التوحيد، باب ذكر النبي - ﷺ - وروايته عن ربه، برقم (٧٤٠٥، ٧٥٠٥، ٧٥٣٥)، ومسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب فضل الذكر والدعاء والتقرب إلى الله تعالى، برقم (٢٦٧٥).
[ ١٧٩ ]
وهي صفة فعلية خبرية ثابتة لله - ﷿ - بالحديث الصحيح.
فدليلها من السنة:
- حديث أبي هريرة - ﵁ -: ( وإن أتاني يمشي؛ أتيته هرولة) (١).
الهرولة (٢) الواردة في هذا الحديث، هل يصح أن تثبت صفة لله تعالى على ما يليق بجلاله وعظمته، أم أن لها معنى آخر يقتضيه السياق فتحمل عليه؟ وفي هذا اختلف أهل العلم من أهل السنة والجماعة، على قولين هما:
القول الأول: أن المراد به ضرب مثل لكرم الله وجوده على عبده (٣).
القول الثاني: أن الهرولة صفة فعلية خبرية ثابتة لله تعالى بهذا الحديث السابق (٤).
قال الشيخ محمد العثيمين - ﵀ -: "صفة الهرولة ثابتة لله تعالى؛ كما في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ -؛ قال: (يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي (فذكر الحديث، وفيه:) وإن أتاني يمشي؛ أتيته هرولة)، وهذه الهرولة صفة من صفات أفعاله التي يجب علينا الإيمان بها من غير تكييف، لأن التكييف
_________________
(١) سبق تخريجه آنفًا.
(٢) الهرولة: "بين المشي والعدو" ينظر: تهذيب اللغة (٦/ ١٤٦) مادة هرول، ومعجم مقاييس اللغة (٦/ ٤٨)، ولسان العرب (١١/ ٦٩٥)، والمجموع المغيث في غريبي القرآن والحديث لأبي موسى المديني (٣/ ٤٩٦).
(٣) وهذا القول مروي عن الأعمش وإسحاق بن راهويه وابن قتيبة وأبي يعلى وابن تيمية، عليهم رحمة الله، وإليه ذهب الشيخ عبد الله الغنيمان وعليه عامة أهل التأويل من شراح الحديث وغيرهم. ينظر: صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان (٣/ ٩٤)، وأعلام الحديث للخطابي (٤/ ٢٣٥٨)، والأسماء والصفات للبيهقي (٢/ ٣٨٤)، وشرح السنة للبغوي (٥/ ٢٦)، والمعلم للمازري (٣/ ١٨٤)، وإكمال المعلم للقاضي عياض (٨/ ١٧٤)، والمفهم للقرطبي (٧/ ٨)، والنهاية في غريب الحديث لابن الأثير (٥/ ٢٦١)، وشرح صحيح مسلم للنووي (١٧/ ٦)، وفتح الباري (١٣/ ٥١٣ - ٥١٤)، وبيان تلبيس الجهمية، القسم السادس (١/ ١٥٠ - ١٥٢)،ومجموع الفتاوى (٥/ ٥١٠)، شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري للغنيمان (١/ ٢٧١).
(٤) وقد صرح بكونها صفة لله تعالى بعض العلماء المعاصرين، كأعضاء اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في المملكة العربية السعودية، والشيخ محمد العثيمين - ﵀ -، وقد أطال النفس في تقرير وإثبات ذلك، وعلى هذا القول ظاهر كلام الهروي وأبي موسى المديني، عليهما رحمة الله. ينظر: الأربعين في دلائل التوحيد للهروي (ص ٧٩)، والمجموع المغيث لأبي موسى المديني (٣/ ٤٩٦)، تذكرة المؤتسي شرح عقيدة الحافظ عبد الغني المقدسي، د. عبد الرزاق البدر (ص ١٦٩)، إ
[ ١٨٠ ]
قول على الله بغير علم، وهو حرام، وبدون تمثيل؛ لأن الله يقول ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ الشورى: ١١ " (١).
وقبل ترجيح أي من القولين السابقين لا بُدَّ من التذكير بقاعدتين هامتين هما:
الأولى: أن الواجب في نصوص الكتاب والسنة إجراؤها على ظاهرها، دون التعرض لها بتحريف أو تعطيل، لا سيما نصوص الصفات، لأنه لا مجال للرأي فيها (٢).
الثانية: أن المراد بظاهر النصوص ما يتبادر منها إلى الذهن من المعاني، وهو يختلف بحسب السياق، وما يضاف إليه الكلام، فالكلمة الواحدة يكون لها معنى في سياق، ومعنى آخر في سياق آخر (٣).
وبناءً على ما تقدم، فإن لفظ الهرولة وإن كان معناه: الإسراع في المشي، إلا أنه لا يقتضي أن يكون هذا معناه المراد منه في كل سياق ورد فيه، وإنما السياق هو الذي يحدد معناه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وهو يتحدث عن قرب الله تعالى: " ولا يلزم من جواز القرب عليه، أن يكون كل موضع ذكر فيه قربه يراد به قربه بنفسه، بل يبقى هذا من الأمور الجائزة، وينظر في النص الوارد، فإن دلَّ على هذا حمل عليه، وإن دل على هذا حمل عليه" (٤).
فالهرولة في هذا الحديث معناها: مجازاة الله تعالى وإثابته لعبده بأكمل وأفضل من عمله -على ما جاء في القول الأول- وليس المراد بها: المشي السريع، فتثبت صفة لله تعالى، كما أن تقرب العبد بالشبر والذراع لا يراد به حقيقة الشبر والذراع، وإنما يراد به قدرهما، وإلا فما موضع العبادات القلبية - والتي هي من أعظم العبادات وعليها تنبني
_________________
(١) ينظر: إزالة الستار عن الجواب المختار لهداية المحتار (ص ٢٤)، القواعد المثلى (ص ٧٢)، صفات الله - ﷿ - الواردة في الكتاب والسنة (ص ٢٦٢).
(٢) ينظر: القواعد المثلى للعثيمين (ص ٣٣).
(٣) ينظر: القواعد المثلى (ص ٣٦)، ونقض الدارمي على المريسي (١/ ٣٤٤).
(٤) مجموع الفتاوى (٦/ ١٤).
[ ١٨١ ]
أعمال الجوارح- كالخوف الرجاء والمحبة والتوكل وكذا العبادات القولية كالذكر والدعاء والاستغفار، هل نخرجها من هذا الحديث؟! وليس هذا تأويلًا للحديث وحملًا له على غير ظاهره، بل هو حقيقة معناه، وظاهر سياقه (١).
والقول: بهذا المعنى للهرولة، ليس هروبًا من إثباتها صفة لله تعالى، لأنها توهم معنى فاسدًا -كما هو منهج نفاة الصفات-، وإنما لأن سياق الحديث وظاهره يدل عليه، ولو لم يرد في السياق ما يدل عليه لتعين إثباتها صفة لله تعالى على ما يليق بجلاله، ولذلك فقد أجمع أهل السنة والجماعة على إثبات صفة المجيء والإتيان له سبحانه على ما يليق بجلاله، لدلالة النصوص الصحيحة عليهما، والهرولة من جنسهما، ولكن لأنه لم يدل دليل صريح على إثباتها صفة لله تعالى فإنه لا يتوجه إثباتها صفة له، والله أعلم؛ ثم إن الهرولة جاءت في الحديث مقيدة، فالله يأتي هرولة لمن أتاه يمشي، ولم يأتِ مطلقة كبقية الصفات المطلقة، ولذا فمن أثبتها صفة لله تعالى ينبغي له تقييدها بما قُيدت به في الحديث، فلا يجعلها صفة لله تعالى على وجه الإطلاق (٢).
وقد قال الشيخ محمد العثيمين: عن هذا القول: إن له حظًا من النظر (٣)، مع أنه قد انتصر للقول الثاني.