نطقت آيات الكتاب العزيز بزيادة الإيمان، قال تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ ١ وقال: ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ ٢ وتدل هذه لآيات أيضًا على النقصان لأن ما زاد كان قبل الزيادة ناقصًا، وكل ما كان قابلًا للزيادة فهو قابل للنقصان.
وهذا القول - زيادة الإيمان ونقصانه - هو قول أهل السنة والجماعة، ويروى عن الصحابة، فقد قال أبو هريرة: "الإيمان يزداد وينقص" ٣، وقال عمر ابن حبيب ٤: "الإيمان يزيد وينقص" ٥، وممن قال به من الأئمة: مالك ٦، والشافعي ٧، وأحمد ٨، وهو قول الثوري وابن عيينة ٩ وابن
_________________
(١) ١ سورة الأنفال، الآية (٢) ٢ سورة آل عمران، الآية (١٨٣) ٣ انظر: الآجري: الشريعة (ص: ١١١)، وعبد الله بن أحمد: السنة (١/ ٣١٤) ٤ أبو حفص القاضي القاصّ المكي نزيل اليمن، ثقة حافظ. التقريب (ص٤١٠ـ عوامة) . ٥ انظر: ابن أبي شيبة: الإيمان (ص: ٢٠)، وعبد الله بن أحمد: السنة (١/ ٣١٥) وعمر بن حبيب: ٦ انظر: الآجري: الشريعة (ص: ١١٧) ٧ انظر: البيهقي: مناقب الشافعي (١/ ٣٨٥) ٨ عبد الله بن أحمد: السنة (١/ ٣٠٧) ٩ هو سفيان بن عيينة: ابن أبي عمران، الإمام الكبير حافظ عصره أبو محمد الهلالي، الكوفي، ولد سنة ١٠٧هـ وتوفي سنة ١٩٨هـ وله ٩١سنة. السير (٨/٤٥٤)
[ ٢٢٥ ]
جريج ووكيع ١ ٢ والبخاري ٣ وقد لقي أكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار كلهم متفقون على أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص ٤.
فأهل السنة متفقون على أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.
رأي الشيخ رشيد:
ولقد قرر الشيخ رشيد مذهب أهل السنة في ذلك، فيبين في أكثر من موضع أن الإيمان يزيد وينقص واستدل على ذلك بآيات القرآن المصرحة بذلك، وبالأحاديث الصحيحة المشيرة إلى هذا المعنى.
فعند قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ ٥ قال: "أي: إذا تليت عليهم آياته المنزلة على خاتم أنبيائه ﷺ زادتهم إيمانًا أي: يقينًا في الإذعان وقوة في الاطمئنان، وسعة في العرفان، ونشاطًا في الأعمال، ويطلق الإيمان في عرف الشرع على مجموع العلم والاعتقاد والعمل بموجبه" ٦.
ويستدل الشيخ رشيد بالسنة على هذا فيقول: "وفيما رواه البخاري ومسلم في كتاب الإيمان من صحيحيهما شواهد صريحة في ذلك ومن أهمها أحاديث أقل الإيمان المنجى في الآخرة ٧ وحديث "الإيمان بضعة
_________________
(١) ١ هو ابن الجراح بن مليح، كان من بحور العلم، وأئمة الحفظ، ولد سنة ١٢٩هـ وتوفي آخر سنة ١٩٦هـ. السير (٩/١٤٠) ٢ انظر: الآجري: الشريعة (ص:١١٧)، وأبو عبيد: الإيمان (ص: ٢٤)، وعبد الله بن أحمد: السنة (١/٣١٠ - ٣١١) ٣ انظر: الصحيح: ك: الإيمان، باب: زيادة الإيمان ونقصانه (١/ ١٢٧) مع الفتح. ٤ انظر: اللالكائي: شرح الأصول (١/ ١٩٣)، وصحيح البخاري: ك: الإيمان، باب: قول النبي "بني الإسلام على خمس"، وانظر أيضًا: فتح الباري (١/ ٦١) ط. الريان. ٥ سورة الأنفال، الآية (٢) ٦ تفسير المنار (٩/ ٥٩٠) ٧ يعني حديث "أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان.." انظر: البخاري: الصحيح: ك: الإيمان، باب (١٥): تفاضل أهل الإيمان، ح: ٢٢ (١/ ٩١ مع الفتح) وأيضًا: ح: ٤٤ (١/١٢٧)
[ ٢٢٦ ]
وسبعون شعبة، أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق" ١، ولهذا حمل الناس زيادة الإيمان على زيادة العمل اللازم له، وبعضهم على زيادة ما يتعلق به الإيمان الذي فسروه بالتصديق القطعي، والحق أن الإيمان القلبي نفسه يزيد وينقص أيضًا، فإن إبراهيم ﷺ كان مؤمنًا بإحياء الله للموتى لما دعاه أن يريه كيف يحييهم ﴿قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ ٢ فمقام الطمأنينة في الإيمان يزيد على ما دونه من الإيمان المطلق قوة وكمالًا" ٣.
والذي ذهب إليه الشيخ رشيد من أن الإيمان القلبي نفسه يزيد وينقص هو الحق، وهو ما يشعر به كل فرد من نفسه. "فمن يقول إن الإيمان النفسي لا يزيد ولا ينقص فقد نظر إلى الاصطلاحات اللفظية لا إلى نفسه في إدراكها وشعورها وقوتها في الإذعان وضعفها" ٤.
ويبين الشيخ رشيد بعض أوجه هذه الزيادة، وهي العلم التفصيلي، فمن كان علمه تفصيليًا كان إيمانه أشد ممن عنده علم إجمالي. وضرب الشيخ لذلك مثالين:
الأول: الإيمان بتوحيد الله تعالى فهو لا يكمل إلا بمعرفة أنواع الشرك الظاهر والباطن التي تنافيه أو تنافي كماله.
الثاني: الإيمان بعلم الله تعالى المحيط بالمعلومات وحكمته التي قام بها نظام الأرض والسماوات، علمًا إجماليًا، لا يوزن إيمانه بإيمان ذي العلم التفصيلي بسنن الله في الكائنات وعجائب صنعه فيها ٥.
_________________
(١) ١ البخاري: الصحيح: ك: الإيمان، باب: أمور الإيمان، ح: ٩ (١/ ٦٧)، ومسلم: ك: الإيمان، ح: ٣٥ و٥٨ و٥٩ (١/ ٦٣) ٢ سورة البقرة، الآية (٢٦) ٣ تفسير المنار (٩/ ٥٩١) ٤ نفس المصدر (٤/ ٢٤٠)، وانظر: أبو عبيد: الإيمان (ص: ٢٥) ٥ تفسير المنار (٩/ ٥٩١) وقارن مع ابن تيمية: الإيمان (ص: ٢٢١) وما بعدها.
[ ٢٢٧ ]
قال الشيخ رشيد: "وجملة القول أن زيادة الإيمان ثابتة بنص هذه الآية وآيات أخرى كقوله تعالى في سورة آل عمران في وصف الذين استجابوا لله والرسول إذا دعاهم إلى القتال بعدما أصابهم القرح ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ ١ وفي معناه قوله تعالى في سورة الأحزاب ﴿وَلَمَّا رَأى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ ٢ وعطف التسليم هنا يؤيد كون المراد به إيمان القلب لا العمل" ٣ يعني أن الزيادة كانت فيما في القلب لا في العمل كما قال بعضهم.
ويكون الشيخ رشيد بذلك قد وافق السلف في مسألة زيادة الإيمان ونقصه، وقد استدل بما استدلوا به من الكتاب والسنة ٤.
_________________
(١) ١ سورة آل عمران، الآية (١٧٣) ٢ سورة الأحزاب، الآية (٢٢) ٣ تفسير المنار (٩/٥٩٢) وانظر أيضًا (٤/ ٢٤٠) وما بعدها و(١١/ ٨٥ - ٨٦) ومجلة المنار (٩/ ١٩٦ - ٢٠٤) ٤ انظر: أبو عبيد: الإيمان (ص: ٢٤)، وابن أبي شيبة: الإيمان (ص: ٥٠)، وابن تيمية: الإيمان (ص: ٢١٥)
[ ٢٢٨ ]