اختلف العلماء - رحمهم الله تعالى - في هذه المسألة نظرًا لاختلافهم في فهم بعض النصوص. وأقوالهم فيها ثلاثة:
الأول: الترادف: فذهب فريق من أهل العلم ﵏ إلى أن الإيمان والإسلام بمعنى واحد وأنهما مترادفان، وممن قال بهذا القول: البخاري في صحيحه ١، ومحمد بن نصر المروزي ٢، فقد بسط القول في هذه المسألة واختار هذا الرأي وعزاه إلى جمهور أهل السنة ٣، وكذلك الحافظ ابن منده ٤، رحمهم الله تعالى، واحتج هؤلاء بما يلي:
قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ
_________________
(١) ١ انظر: الصحيح: ك: الإيمان، باب: سؤال جبريل عن الإيمان والإسلام والإحسان (١/ ١٤٠) ٢ هو محمد بن نصر بن الحاج، الحافظ الإمام، كان من أعلم أهل زمانه باختلاف الصحابة والتابعين، وكان ذا عبادة. ت: ٢٩٤هـ. انظر: ترجمته: السير (١٤/ ٣٣ـ ٤٠) والبداية والنهاية (١١/١٠٢) ط. دار الفكر، بيروت، ١٣٩٨هـ. ٣ انظر: تعظيم قدر الصلاة (٢/ ٥٠٦ـ ٥٣١) وانظر أيضًا: (١/ ٤١٨) ٤ هو محمد بن إسحاق بن يحيى بن منده الإمام الحافظ، محدث الإسلام من أوسع العلماء رحلة وأكثرهم حديثًا، ت: ٣٩٥هـ. انظر: السير (١٧/ ٢٨ـ ٤٣) والبداية والنهاية (١١/ ٣٣٦)، وانظر: الإيمان له (١/ ٣٣١ـ ٣٣٢)
[ ٢٢٠ ]
مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ ١، وبقوله ﴿.. فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ ٢ مع قوله: ﴿.. فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ ٣، ففي هذين الدليلين سوّى الله تعالى بين اسم الإسلام واسم الإيمان فدل ذلك على أن من آمن فهو مسلم، وأن من استحق أحد الاسمين فقد استحق الآخر ٤.
وأجابوا عن قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ ٥، والذي يدل بظاهره على الفرق بينهما، بأن الإسلام المذكور ليس على الحقيقة، وإنما كان على الاستسلام أو الخوف من القتل، وكذا أجابوا على كل دليل ظاهره الفرق ٦.
القول الثاني: التباين: فقال فريق من أهل العلم أن الإسلام يباين الإيمان ويفترق عنه، وممن قال به: الزهري ٧ وحماد بن زيد ٨ وأحمد بن حنبل، ومن التابعين: الحسن ومحمد بن سيرين ٩ ومن الصحابة عبد الله بن عباس ١٠، واستدل هؤلاء بآية الحجرات: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ ١١ على أن الإيمان المنفي هو الإيمان الكامل الذي يمدح
_________________
(١) ١ سورة الذاريات: الآيتان (٣٥ و٣٦) ٢ سورة البقرة: الآية (١٣٧) ٣ سورة آل عمران: الآية (٢٠) ٤ انظر: ابن منده: الإيمان (١/٣٣٢) ٥ سورة الحجرات: الآية (١٤) ٦ انظر: البخاري: الصحيح: ك: الإيمان، باب: إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة.. (١/ ٩٩) ٧ هو محمد بن مسلم بن شهاب القرشي الفقيه الحافظ، الإمام العلم، متفق على جلالته وحفظه، ت: ١٢٤هـ. السير (٥/٣٢٦) (والتقريب: ٨٩٦) ٨ حماد بن زيد بن درهم، ثقة ثبت فقيه مات ١٧٩هـ (تقريب: ٢٦٨) ٩ هو محمد بن سيرين الأنصاري أبو بكر: تقة عابد كبير القدر، ت: ١١٠هـ (تقريب: ٨٥٣) ١٠ انظر: ابن منده: الإيمان (١/ ٣٢١) وابن رجب: جامع العلوم والحكم (ص: ٢٦ـ ٢٧) ط. الحلبي بمصر، الرابعة ١٣٩٣هـ ١١ سورة الحجرات الآية (١٤)
[ ٢٢١ ]
به ١. وبحديث سعد بن أبي وقاص: "أن رسول الله ﷺ أعطى رجلًا ولم يعطِ رجلًا منهم شيئًا فقلت: يا رسول الله أعطيت فلانًا وفلانًا، ولم تعط فلانًا - وهو مؤمن - فقال رسول الله ﷺ أو مسلم.." ٢.
القول الثالث: وفي الحقيقة إن هذا القول يجمع بين القولين اللذين قبله وهو الذي تجتمع عليه النصوص، وملخصه: أن بين الإسلام والإيمان تلازمًا مع افتراق اسميهما كالروح والبدن، ليس أحدهما الآخر وإن كان لا يوجد بدن حي إلا مع روح، فالإيمان كالروح والإسلام كالبدن، بمعنى أنهما متلازمان، لا أن أحدهما هو الآخر، فإسلام المنافقين كالبدن الميت جسد بلا روح ٣، كإسلام الأعراب في آية الحجرات.
وعلى هذا الرأي الأخير مشى رشيد رضا، فإنه قرر أولًا تباين مسمى "الإسلام" و" الإيمان" ففسر الإيمان بما فسره به النبي ﷺ في حديث جبريل "الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وبلقائه ورسله وتؤمن بالبعث" ٤. وفسر الإسلام بما جاء في الحديث نفسه من الأعمال أو الأركان الخمسة ٥.
وقال رشيد رضا: ".. الصواب أن مفهومي الإسلام والإيمان في اللغة متباينان، فالإسلام الدخول في السلم وهو يطلق على ضد الحرب وعلى السلامة والخلوص وعلى الانقياد.. والإيمان التصديق ويكون بالقلب.. ويكون باللسان.." ٦.
ولكن وعلى رغم هذا التباين اللغوي فإن اسم الإيمان والإسلام يتواردان على معنى واحد. هذا ما يقرره الشيخ رشيد بعد أن يبين المعنى القرآني للإيمان والإسلام فيقول: "وقد أطلق كل من الإيمان والإسلام في
_________________
(١) ١ انظر: ابن أبي العز: شرح الطحاوية (ص:٣٤٩) ٢ رواه البخاري: الصحيح. ك: الإيمان: باب: إذا لم يكن الإيمان على الحقيقة.. ح: ٢٧ (١/ ٩٩) ٣ انظر: ابن تيمية: الإيمان (ص: ٣٥٠ـ ٣٥١) ٤ البخاري: الصحيح: ك: الإيمان، باب: سؤال جبريل.. ح: ٥٠ (١/١٤٠) ٥ انظر: مجلة المنار (١٣/ ٥٧٢ - ٥٧٣) ٦ تفسير المنار (٣/ ٣٥٩)
[ ٢٢٢ ]
القرآن على إيمان خاص جُعل هو المنجي عند الله تعالى، وإسلام خاص هو دينه المقبول عنده. أما الأول فهو التصديق اليقيني بوحدانية الله وكماله وبالوحي والرسل وباليوم الآخر بحيث يكون له السلطان على الإرادة والوجدان فيترتب عليه العمل الصالح. ولذلك قال بعد نفي دخول الإيمان في قلوب أولئك الأعراب: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ ١، وأما الثاني فهو الإخلاص له تعالى في التوحيد والعبادة والانقياد.." ٢.وبعد هذا التمهيد يصل إلى الرأي الذي يجمع به بين نصوص الكتاب فيقول: "فالإيمان والإسلام على هذا يتواردان على حقيقة واحدة يتناولها كل واحد منهما باعتبار، ولذلك عدا شيئًا واحدًا في الآيات التي ذكرت ٣ آنفًا وفي قوله تعالى بعد ما ذكر عن إيمان الأعراب وإسلامهم في (٤٩/١٥) ٤ ثم بيان حقيقة الإيمان الصادق: ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ٥ فهذا هو الإيمان الصادق والإسلام الصحيح وهما المطلوبان لأجل السعادة.." ٦.
إذن فالإيمان والإسلام - عند رشيد رضا - وإن كانا متباينين في التعريف اللغوي، وكذلك المعنى الشرعي إلا أنهما يتواردان على معنى واحد هو الإيمان الصادق والإسلام الصحيح المقبول عند الله تعالى، لأنه - عند الله تعالى - لا يكون إيمان بلا إسلام ولا إسلام بلا إيمان - ٧. ولذلك
_________________
(١) ١ سورة الحجرات، الآية (١٥) ٢ تفسير المنار (٣/ ٣٦٠) ٣ يريد قوله تعالى: ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ ﴾ وبقوله بعدها: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ آل عمران (٧٨ ـ٧٩)، وآيات الحجرات كذلك. انظر: تفسير المنار (٣/ ٣٥٦) ٤ سورة الحجرات، الآية (١٤ و١٥) ٥ سورة الحجرات، الآية (١٦) ٦ تفسير المنار (٣/ ٣٦٠) ٧ انظر: ابن تيمية: الإيمان (ص: ١٧٧ وص: ٢٢٥)، وخليل هراس: شرح الواسطية (ص: ٢٣٦) ط. دار الهجرة، الثالثة ١٤١٥هـ.
[ ٢٢٣ ]
فإن رشيد رضا يرى أن معنى قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الأِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ ١ أي: "أنقذنا لأحكام الدين الظاهرة وأخذنا بأعماله البدنية" ٢ أي أنه ليس على الحقيقة المقبولة عند الله تعالى والتي تتوارد مع اسم الإيمان باعتبارهما الإسلام الصحيح والإيمان الصادق. وعلى ذلك يكون رشيد رضا قد جمع بين الآيات التي تثبت إسلامًا بلا إيمان والآيات التي تعتبرهما حقيقة واحدة.
ويرى رشيد رضا أنه كما يطلق اسم الإسلام في القرآن على ما ليس على الحقيقة فكذلك اسم الإيمان قد يطلق على مجرد الدعوى الظاهرة، فيقول: "وقد يطلق كل من الإيمان والإسلام على ما يكون منهما ظاهرًا سواء كان ذلك عن يقين أو عن جهل ونفاق. فمن الأول: الشق الأول من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ الآية ٣ فالمراد بالذين آمنوا في أول الآية الذين صدقوا بهذا الدين في الظاهر. وقوله: ﴿مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ﴾ ألخ هو الإيمان الحقيقي الذي عليه مدار النجاةومن الثاني قوله: ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ ٤ أي: دخلنا في السلم الذي هو مسالمة المؤمنين بعد أن كنا حربًا لهم، وليس معناه الإخلاص والانقياد مع الإذعان وإلا لما نفى عنهم إيمان القلب. وهذا هو التحقيق في المسألة ولله الحمد.." ٥.
والذي أراه أن الشيخ رشيد قد أصاب كبد الحقيقة وهذا من تحقيقاته الدقيقة ﵀ التي وافق فيها مذهب السلف.
_________________
(١) ١ سورة الحجرات، الآية (١٤) ٢ تفسير المنار (٢/ ٢٥٤) ٣ سورة البقرة، الآية (٦٢) ٤ سورة الحجرات، الآية (١٤) ٥ تفسير المنار (٣/ ٣٦٠) ولا بد أن رشيد رضا قد استفاد في هذا التحقيق من السفاريني الذي نقل كلام شيخ الإسلام. انظر: السفاريني: لوامع الأنوار (١/٣٦٨) وما بعدها، ط. المنار. وقارن مع ابن تيمية: الإيمان (ص: ٢٢٥) وما بعدها. وانظر أيضًا (ص: ١٥٢ و١٧٧و ٢٤٠)
[ ٢٢٤ ]