أشارت آيات الكتاب العزيز إلى أن الذنوب تنقسم إلى كبائر وصغائر. قال تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ ١ وقال: ﴿وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا﴾ ٢ قال الشيخ رشيد: "وكيف ينكر أحد انقسام الذنوب إلى كبائر وغير كبائر وقد صرح بذلك القرآن وهو من ذاته بديهي فإن المنهيات أنواع لها أفراد تتفاوت في أنفسها وفي الداعية النفسية التي تسوق إليها" ٣.
وقد ورد في السنة إشارة لبعض هذه الكبائر - في عدة أحاديث - وفي عددها. قال الشيخ رشيد: "أقول: أشهر هذه الأحاديث ما ورد في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: " اجتنبوا السبع الموبقات" قالوا: وما هي يا رسول الله؟ قال: "الشرك بالله، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، والسحر، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات" ٤. ومنها أيضًا من
_________________
(١) ١ سورة النساء، الآية (٣١) ٢ سورة الكهف، الآية (٤٩) ٣ تفسير المنار (٥/ ٤٨) ٤ البخاري: الصحيح: ك: الوصايا، باب: قول الله تعالى: ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى..﴾ ح: ٢٧٦٦ (٥/ ٤٦٢ مع الفتح)
[ ٢٢٩ ]
حديث أبي بكرة أنه قال: قال رسول الله ﷺ: "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قلنا: بلى يا رسول الله، قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين - وكان متكئًا فجلس - وقال: ألا وقول الزور وشهادة الزور" فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت" ١ وكان ﷺ يذكر في كل مقام ما تمس إليه الحاجة، فلم يرد شيء من ذلك في مقام الحصر والتحديد، ولكن الأحاديث صريحة في إثبات الكبائر ويقابلها الصغائر والظاهر منها أن كبرها في ذواتها وأنفسها لما فيها من المفسدة والضرر، والموبقات أكبر الكبائر.."٢.
وفي ذهاب الشيخ رشيد إلى أن الكبائر وصفت بذلك لشيء في ذاتها، مخالفة لشيخه "محمد عبده" الذي يذهب إلى أن الكبائر هي كذلك بحسب قصد فاعلها، أي لسبب خارجي غير ذاتي ٣.
ويظهر أيضًا من هذا النفي أن الشيخ رشيد يرى أن الكبائر لم تحصر في عدد معين، وكما قال أيضًا: "وقال بعضهم: إن الله تعالى أبهم الكبائر لتجتنب كل المعاصي، فإن عرضت له كل معصية لم يعلم أنها من الكبائر التي يعاقب عليها أو من الصغائر التي يكفرها الله عنه بترك الكبائر، فالاحتياط يقضي عليه بأن يجتنبها.."٤.
_________________
(١) ١ البخاري: الصحيح: ك: الشهادات، باب: ما قيل في شهادة الزور، ح: ٢٦٥٤ (٥/ ٤٦٢ مع الفتح) ٢ تفسير المنار (٥/ ٤٧) ٣ انظر: المصدر نفسه (٥/ ٥٠ـ ٥١) ٤ المصدر نفسه (٥/٤٩)
[ ٢٣٠ ]