المطلب الأول: تعريف الإيمان في اللغة:
يكون من الخطأ أن نلجأ إلى المعاجم اللغوية لنبحث فيها عن معنى حقيقة من حقائق الدين، مثل البحث عن معنى كلمة إيمان أو عبادة أو دعاء، إنه يجب أن نتنبه إلى أن المعاجم اللغوية وضعت لأهداف محددة، حتى لا نطلب منها فوق ما تستطيعه، هذه الأهداف هي: ضبط الألفاظ لا تحديد المعاني. وإذا تقدمت هذه المعاجم بعض الشيء وأرادت أن تساعد الباحث فتحدد وتعرف له بعض التحديد، فإنها لا تبالي بأن تعرف الشيء بنفسه أو بأنه غير ضده. فيقال: البلاغ ما يتبلغ به، والدواء ما يتداوى به، والدين هو الملّة، والحلال ضد الحرام، وإذا أردت أن تعرف موقع مكة أو صفتها، فإنك لن تجد هناك إلا قولهم: بلد معروف. وعند تفسير الدعاء، يقال: النداء، وإن لم يكن كل نداء دعاء، كما سوف يأتي في موضعه إن شاء الله، وعند البحث عن كلمة عبادة ستجد أنها - في المعجم ـ: الخضوع والتذلل، ولكن ليس كل خضوع وتذلل عبادة - كما سوف ترى ـ.
وفيما يتعلق بكلمة: "الإيمان" فإن المعاجم اللغوية تقول: " إنه
[ ٢١٣ ]
التصديق"١، ولكن هل التصديق مطابق للفظ الإيمان؟ وهل كل تصديق إيمان؟ أي ألا يوجد فرق بين التصديق والإيمان؟
الحق أن ثمة فروق بين "آمن " و" صدق" فالأول مثلًا يتعدى بالحرف، إما بالباء وإما باللام، كما قال تعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ ٢، وكما قال: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ ٣. أما "صدق" فإنه يصح تعديته بنفسه فيقال: صدقه.
وكذلك فإنه من حيث الاشتقاق اللغوي نجد أن الإيمان مشتق من الأمن٤، الذي هو ضد الخوف، فآمن: أي صار داخلًا في الأمن. فهو متضمن مع التصديق معنى الائتمان والأمانة، كما قال: أخوة يوسف: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ ٥ أي: لا تقرّ بخبرنا ولا تثق به، ولا تطمئن إليه، ولو كنا صادقين، فالتصديق وحده لا يدل على ذلك. ٦.
وأيضًا فإن الإيمان لا يقال إلا في الأمور الغيبية التي تعتمد على أمانة المخبر، أما المشاهد المحسوس فيقال فيه: صدوق. كما أن مقابل الإيمان: الكفر، ومقابل التصديق: الكذب.
فالخلاصة إذن أن الإيمان تصديق وزيادة، وهو للإقرار أقرب منه إلى التصديق ٧.
_________________
(١) ١ انظر: الأزهري: تهذيب اللغة (١٥/ ٥١٣، ٥١٤) ط. شركة ومطبعة البابي الحلبي، مصر، الثانية، ١٣٨٩هـ، ت: عبد السلام هارون، والفيروزآبادي: القاموس المحيط (٤/ ١٩٩) ط. المؤسسة العربية للطباعة والنشر بيروت. وابن منظور: لسان العرب (٥٤/٢١) مادة أمن، ط. دار صادر ودار بيروت. وابن فارس: معجم مقاييس اللغة (١/ ١٣٣) والرازي: مختار الصحاح (ص:١١) ط. مكتبة لبنان. ٢ سورة العنكبوت: الآية (٢٦) ٣ سورة البقرة: الآية (٢٨٥) ٤ انظر: الراغب: المفردات (ص: ٩٠ـ ٩١) ٥ سورة يوسف: الآية (١٧) ٦ انظر: ابن تيمية: مجموع الفتاوى (٧/ ٢٩٢) ٧ ولقد بسط شيخ الإسلام هذا المعنى في عدة مواضع. انظر: مجموع الفتاوى (كتاب الإيمان الكبير: ٧/ ١٢٢) وما بعدها، و(ص:٢٩٠) وما بعدها.
[ ٢١٤ ]
وهذا هو ما لاحظه وأكد عليه الشيخ رشيد، فإنه لم يذهب إلى أن الإيمان - لغة - هو التصديق فقط، بل قرر في تعريفه اللغوي، أنه تصديق وإذعان، أو تصديق مع ثقة وركون، وقد صرح بذلك في عدة مواضع، فقد قال في موضع: "الإيمان هو التصديق الجازم المقترن بإذعان النفس وقبولها واستسلامها، وآيته العمل" ١ وقال في موضع آخر: "الإيمان هو التصديق الجازم مع إذعان النفس، فمن صدق بالشيء وأذعن له فقد دخل في أعماله وانقاد لأحكامه.." ٢. وقال في موضع ثالث:"إن الإيمان يتعدى باللام إذا أراد بالتصديق الثقة والركون، أي فيكون تصديقًا خاصًا تضمن معنى زائدًا.." ٣.
وكون الإيمان يتضمن التصديق وزيادة هي الإقرار والاطمئنان أو كما يقول رشيد رضا: الثقة والركون والإذعان، هو الصحيح، وهو مبطل لاستدلال المرجئة باللغة على مذهبهم في تعريف الإيمان الشرعي، بأنه " التصديق" لأنه كذلك في اللغة ٤.
_________________
(١) ١ تفسير المنار (١/ ١٢٧) ٢ المصدر نفسه (٢/ ٢٥٨) ٣ المصدر نفسه (٣/ ٣٣٤) ٤ انظر: الباقلاني: التمهيد (ص:٣٨٩)
[ ٢١٥ ]