اختلف العلماء ﵏ في تعريف الكبيرة على أقوال كثيرة تزيد على عشرين قولًا، وأكثرها متقاربة وبعضها ضعيف ٥. وأقرب الأقوال
_________________
(١) ٥ انظر هذه الأقوال عند النووي: شرح مسلم (٢/٨٥ـ٨٧) ط. الريان، وابن القيم: مدارج السالكين (١/٣٢١ـ ٣٢٧)، وابن أبي العز: شرح الطحاوية (ص:٤١٧ـ ٤١٨) ط. المكتب الإسلامي، وابن حجر العسقلاني: فتح الباري (١٠/ ٤١٠ـ ٤١١) وابن حجر الهيتمي: الزواجر (١/٥ـ١٠) .
[ ٢٣٠ ]
إلى الصواب هو قول ابن عباس ﵄ أنها: "كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب" ١. وممن قال بهذا القول أيضًا: سعيد بن جبير ٢، ومجاهد ٣ والحسن٤، والضحاك ٥، ٦. ورجح شيخ الإسلام هذا القول٧.
وأما الشيخ رشيد فإنه ذكر الأقوال في تعريف الكبيرة ومال إلى أحدها فقال: "..اختلفوا في تعريف الكبيرة فقيل هي كل معصية أوجبت الحد، وقيل ما نص الكتاب على تحريمه ووجب في جنسه حدّ، وقيل: كل محرم لعينه لا لعارض أو لا لسد الذريعة، وضعفوا هذه الأقوال، وأقوالًا أخرى كثيرة، وقال بعض العلماء: إن الكبائر كل ما توعد الله عليه، قيل: في القرآن، وقيل: وفي الحديث أيضًا، وقال بعضهم:.. إنها كل ما يشعر بالاستهانة بالدين وعدم الاكتراث به، وهو قول مقبول قريب من المعقول.." ٨.
وهذا القول وإن كان مقبولًا وجائزًا إلا أنه غير منضبط، والأولى منه هو ما روي عن السلف وقد ذكرته أول البحث.
_________________
(١) ١ الطبري: التفسير (٨/ ٢٤٦) ٢ سعيد بن جبير بن هشام الأسدي، أبو محمد الحافظ المقرئ المفسر من كبار التابعين قتله الحجاج سنة ٩٥هـ (السير ٤/ ٣٢١ـ ٣٤٣ وتهذيب التهذيب: ٤/ ١١ـ ١٤) ٣ مجاهد بن جبر ثقة إمام في التفسير والعلم صاحب ابن عباس (التقريب: ٩٢١) ٤ الحسن هو البصري: ثقة فقيه فاضل مشهور. توفي ١١٠هـ (تقريب: ٢٣٦) ٥ الضحاك هو ابن مزاحم الهلالي، صاحب التفسير، كان من أوعية العلم، ت: ١٠٢هـ (الذهبي: السير: ٤/ ٥٩٨، وابن كثير: البداية والنهاية: (٩/ ٢٢٣) ٦ انظر: الطبري: التفسير (٨/٢٤٦) ط. دار المعارف، مصر، ت: محمود وأحمد شاكر. ٧ انظر: مجموع الفتاوى (١١/٦٥٤ـ ٦٥٦) ٨ تفسير المنار (٥/ ٤٩)
[ ٢٣١ ]
المسألة الثانية: حكم مرتكب الكبيرة عند السلف:
يعتقد أهل السنة والجماعة أن من ارتكب كبيرة - خلا الشرك - ولم يستحلها، فإنه لا يكفر، بل يسمى مؤمنًا ناقص الإيمان، أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته - وأن التوبة تجبها - وإن مات مصرًّا عليها فهو في مشيئة الله تعالى، إن شاء غفر له وإن شاء عذبه بقدرها، ولا يخلد في النار.
قال أحمد:"والكف عن أهل القبلة، ولا نكفر أحدًا منهم بذنب ولا نخرجه من الإسلام" ١،وقال البخاري: "..المعاصي من أمر الجاهلية، ولا يكفر صاحبها بارتكابها إلا الشرك" ٢.
وقال الطبري: "إن كل صاحب كبيرة ففي مشيئة الله، إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه، ما لم تكن كبيرته شركًا بالله" ٣.
المسألة الثالثة: رأي الشيخ رشيد في حكم مرتكب الكبيرة:
يرى الشيخ رشيد أن من قواعد أهل السنة أنهم لا يكفرون أحدًا من أهل القبلة بكل ذنب خلافًا للخوارج ٤والمعتزلة ٥، وهو في رأيه هذا متبع لشيخ الإسلام ابن تيمية، فقد نقل عنه نصًا طويلًا في شرح هذه القاعدة السلفية، كما نقل عنه حكم المجتهد المخطئ في الأصول والفروع ٦.
_________________
(١) ١ السنة (ص: ٧٢) ت: إسماعيل الأنصاري، نشر وتوزيع رئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء، بالسعودية. ٢ الصحيح: ك: الإيمان (١/ ١٣) مع الفتح ٣ التفسير (٨/ ٤٥٠) وانظر: ابن تيمية: العقيدة الواسطية (ص:٢٣٣ـ ٢٣٥) مع شرح محمد خليل هراس. ٤ الخوارج: إحدى الفرق المبتدعة، أشغلت الدولة الإسلامية فترة من الزمان، تكفر بالكبيرة. انظر: البغدادي: الفرق بين الفرق (ص: ٥٤) ومصطفى الغرابي: تاريخ الفرق الإسلامية (ص: ٤١) وغالب العواجي: فرق معاصرة (١/٦٥) ٥ أتباع واصل بن عطاء ويسمون أنفسهم أهل العدل والتوحيد، والعدل عندهم إنكار القدر، والتوحيد: إنكار الصفات. انظر: البغدادي الفرق بين الفرق (ص: ٩٣) ومصطفى الغرابي تاريخ الفرق الإسلامية (ص:٤١)، وغالب العواجي: فرق معاصرة (٢/٨٢١) ٦ انظر: مجلة المنار (٢٢/ ١٢١)، وانظر: شيخ الإسلام في: منهاج السنة (٥/ ٨١) وما بعدها.
[ ٢٣٢ ]
فقد ذكر الشيخ رشيد هذه القاعدة " لا نكفر أحدًا من أهل القبلة بذنب" وقال: "هذه القاعدة من قواعد أهل السنة والجماعة الذين يصدق عليهم هذا القول - لا من يسمون أنفسهم بهذا الاسم ليتميزوا من المعروفين بأسماء أخرى.." ١. ونقل عن شيخ الإسلام أن ذلك مبني على مسألتين:
" إحداهما: أن الذنب لا يوجب كفر صاحبه كما تقوله الخوارج، بل ولا تخليده في النار ومنع الشفاعة فيه كما تقوله المعتزلة.
الثانية: أن المتأول الذي قصد متابعة الرسول ﷺ لا يكفر، ولا يفسق إذا اجتهد وأخطأ.. ٢.
وعند قوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ٣، قال: "..ومهما أذنب الموحدون فإن ذنوبهم لا تحيط بأرواحهم، وظلمتها لا تعم قلوبهم، لأنهم بتوحيد الله ومعرفته وعز الإيمان ورفعته يغلب خيرهم على شرهم، ولا يطول الأمد في غفلتهم عن ربهم، بل هم كما قال الله تعالى: ﴿إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ ٤ يسرعون إلى التوبة، واتباع الحسنة السيئة ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ فإذا ذهب أثر السيئة من النفس كان ذلك هو الغفران، فكل سيئات الموحدين قابلة للمغفرة، ولذلك قال تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ أي: يغفر ما دون الشرك لمن يشاء من عباده المذنبين وإنما مشيئته موافقة لحكمته، وجارية على مقتضى سنته.. وأما سنته تعالى فيما لا يغفره من الذنوب فتظهر من المقابلة وتلك هي الذنوب التي لا يتوب منها صاحبها ولا يتبعها بالحسنات" ٥.
ولكن المذنب الذي لا يتوب من ذنبه ويموت عليه هو في مشيئة الله
_________________
(١) ١ مجلة المنار (٢٢/ ١٢١)، وانظر: العقيدة الواسطية (ص: ٢٣٣) ٢ مجلة المنار نفس الصفحة. ٣ سورة النساء، الآية (٤٨، ١١٦) ٤ سورة الأعراف، الآية (٢٠١) ٥ تفسير المنار (٥/ ١٤٩ - ١٥٠)
[ ٢٣٣ ]
تعالى، كما ذكرت عن أهل السنة، وكما هو رأي شيخ الإسلام ابن تيمية: وهو ما يحكيه الشيخ رشيد عن أهل السنة الذين يقولون: "إنه لا يخلد في النار إلا من مات كافرًا وأما من مات عاصيًا فأمره إلى الله وهو بين أمرين: إما أن يعفو الله عنه ويغفر له، وإما أن يعذبه على قدر ذنبه ثم يدخله الجنة لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ١ ٢". وهذا القول هو في مقابل قول المعتزلة ومن على رأيهم، "وهؤلاء يقولون: إن مرتكب المعصية القطعية الكبيرة يخلد في النار" ٣.
واحتجت المعتزلة على مذهبها بآيات منها: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى﴾ ٤. قال الشيخ رشيد عندها: "قال الأستاذ الإمام رحمه الله تعالى: واستدلت المعتزلة بالآية على إحباط الكبائر للأعمال الصالحة حتى كأنها لم تعمل، وأجيب عن الآية بأن المراد بها لا تبطلوا ثواب صدقاتكم، وبغير ذلك من التكلف الذي لا يُحتاج إليه، لأن الكلام في إحباط المن والأذى للفائدة المقصودة من الصدقة.." ٥. ثم قال الشيخ رشيد: "والذي تزعمه المعتزلة هو ان ارتكاب أي كبيرة من الكبائر يبطل جميع الأعمال الصالحة ويوجب الخلود في النار، فاستدلالهم بالآية على هذا إنما يدل على أنهم لم يفهموا هدى الله تعالى في كتابه.." ٦.
وبيّن الشيخ رشيد اضطراب أصحاب المذاهب والمقالات في فهم قوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ فقال:"وقد اضطرب في فهم الآية على بلاغتها وظهورها أصحاب المقالات والمذاهب الذين جعلوا القرآن عضين فلم يأخذوا بجملته ويفسروا بعضه
_________________
(١) ١ سورة النساء، الآية (٤٨، ١١٦) ٢ تفسير المنار (٤/ ٤٣٢) ٣ نفس المصدر والصفحة. ٤ سورة البقرة، الآية (٢٦٤) ٥ تفسير المنار (٣/ ٦٥) ٦ المصدر نفسه والصفحة.
[ ٢٣٤ ]