المطلب الأول: معنى كلمة "رب" في اللغة:
ويحسن بنا - قبل الشروع في معنى الربوبية - أن نقف على معنى أصل هذه المادة، وهو كلمة "رب".
قال ابن فارس: "الراء والباء يدل على أصول. فالأول: إصلاح الشيء والقيام عليه. فالرب: المالك، والخالق، والصاحب. والرب: المصلح للشيء. يقال: ربَّ فلان ضيعته؛ إذا قام على إصلاحها. وهذا سقاء مربُوبٌ بالرُّبِّ. والرُّبّ للعنب وغيره، لأنه يُرَبُّ به الشيء. وفرس مربوب. قال سلامة ١:
ليس بأسقى ولا أَقْنَى ولا سَغِلٍ يُسْقى دواءَ قَفِيِّ السَّكنِ مَرْبُوبِ
والربُّ: المصلح للشيء. والله جل ثناؤه الرَّبُّ، لأنه مصلح أحوال خلقه.
_________________
(١) ١ هو ابن جندل، والبيت في المفضليات (ص: ١٢١) ط. دار المعارف، مصر، ت: أحمد شاكر وعبد السلام هارون.
[ ٢٥٢ ]
والرِّبِّيُّ: العارف بالرب. ورببتُ الصَّبيَّ أَرُبُّه، وربَّبْتُه أربِّبُه. والرَّبيبة: الحاضنة. وربيب الرجل: ابن امرأته. والرَّابُّ: الذي يقوم على أمر الربيب" ١.
وفي اللسان: ".. الرب ينقسم على ثلاثة أقسام: يكون الرب المالك، ويكون الرب: السيد المطاع، قال الله تعالى: ﴿فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا﴾ ٢أي: سيده، ويكون الرب: المصلح: ربَّ الشيء إذا أصلحه وفي حديث ابن عباس مع ابن الزبير ﵃: "لأن يربني بنو عمي أحبُّ إليّ من أن يربّني غيرهم" ٣ أي: يكونون عليّ أمراء وسادة..، وربّ ولده والصبي يربُّه ربّا، وربّته تربيبًا وتَرِبَّة، عن اللحياني: بمعنى ربّاه. وفي الحديث: "لك نعمة تربّها" ٤ أي: تحفظها وتراعيها وتربيها، كما يربي الرجل ولده " ٥.
فالرب - إذن - مصدر مستعان للفاعل ٦ فمعنى ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: رابُّ العالمين ٧.
فالمعاني اللغوية لكلمة "رب" هي: المصلح للشيء، القائم عليه، المنمي له حتى يبلغ كماله، وأيضًا: صاحبه وسيده.
وهذه المعاني اللغوية باقية على أصلها في الشرع، لم تتحول عنه،
_________________
(١) ١ معجم مقاييس اللغة (٢/ ٣٨١ ـ٣٨٢) ٢ سورة يوسف، الآية (٤١) ٣ البخاري (٨/ ١٧٧)، تفسير سورة براءة، ح: ٤٦٦٦ (٨/١٧٧) ٤ مسلم: الصحيح (١٦/ ١٢٤) مع شرح النووي. ٥ لسان العرب (١/ ٤٤٠ - ٤٠١)، وأيضًا الطبري: التفسير (١/ ١٤١ـ ١٤٢) ت: شاكر، والبيهقي: الاعتقاد (ص: ٣٠) ت: محمد موسى. والنقل بعد ذلك سيكون عن طبعة أحمد عصام الكاتب. ٦ الراغب: المفردات (ص: ٣٣٦) ٧ المقريزي: تجريد التوحيد (ص: ٤ - ٥)، والنحاس: معاني القرآن (١/ ٦٠) ط. جامعة أم القرى، ت: الصابوني.
[ ٢٥٣ ]
فإن الربّ تعالى: هو الخالق المالك القائم بأمر عباده وتربيتهم خلقًا وشرعًا.
ولقد عرّف الشيخ محمد رشيد هذه الكلمة عدة مرات، فقال: "..والرب هو السيد المالك والمربي والمدبر والمتصرف، وليس للخلق رب ولا إله إلا الله الذي خلقهم، فهو المالك لكل شيء في كل زمن وكل حال وملكه حقيقي تام، وملك غيره عرفي ناقص موقوت " ١.
وقال في موضع آخر: "ومعنى الرب: السيد المربي الذي يسوس مسوده ويربيه ويدبره" ٢.
وقال إن كلمة "رب" هي: "التي تفيد عنايته تعالى بعبيده وتربيته لعقولهم وأرواحهم بالمعارف " ٣.
واسم الرب "هو الدال على معنى الملك والتدبير والتربية والإحسان خاصة" ٤
و"رب العالمين الذي يغذيهم بنعمه، ويربيهم بفضله وإحسانه "٥.
ويفصل هذا التعريف، وينبه أيضًا فيقول: "ولفظ "رب" ليس معناه المالك السيد فقط، بل فيه معنى التربية والإنماء، وهو صريح بأن كل نعمة يراها الإنسان في نفسه وفي الآفاق منه عزوجل، فليس في الكون متصرف بالإيجاد ولا بالإشقاء والإسعاد سواه" ٦.
وهذه التعريفات التي ذكرها الشيخ رشيد ﵀ هي تعريفات لغوية شرعية، إذ - وكما ذكرت قبل ذلك إن معاني هذه الكلمة العالية
_________________
(١) ١ تفسير المنار (٧/ ٥٦٨) وأيضًا (١٢: ١٩٩) ٢ المصدر السابق (١/ ٥٠) ٣ المصدر السابق (٣/ ٥٣) ٤ المصدر السابق (٧/ ٢٥٣) ٥ المصدر السابق (٦/ ٣٤٣) ٦ المصدر السابق (١/ ٣٦)
[ ٢٥٤ ]
الشريفة بقيت على أصلها اللغوي فهي صحيحة في حقه تعالى، على ما يليق بكماله وجلاله.
تربية الله تعالى لخلقه نوعان:
وهذه المعاني التي اشتملت عليها كلمة "رب" وهي تربية الله تعالى لخلقه وإصلاحه لأمرهم وإحسانه إليهم ليبلغوا كمالهم بمقتضى خلقه وملكه لهم، تظهر في أمرين: خلقي وشرعي.
فالناحية الأولى خَلقية أي تربية بمقتضى الخلق والفطرة، وهي خلقه تعالى لهم في أحسن صورة وأقومها. وتربية شرعية دينية تعليمية.
وفي هذا؛ يقول الشيخ رشيد: "وربوبية الله للناس تظهر بتربيته إياهم، وهذه التربية قسمان: تربية خلقية بما يكون به نموهم وكمال أبدانهم وقواهم النفسية والعقلية، وتربية شرعية تعليمية، وهي ما يوحيه إلى أفراد منهم ١ ليكمل به فطرتهم بالعلم والعمل إذا اهتدوا به.." ٢ "فإنزاله الوحي وبعثه الرسل وتأييدهم وهداية الخلق بهم من مقتضى ربوبيته "٣.
إطلاق اسم الرب على غيره تعالى:
وهذه المعاني العالية التي اشتملت عليها هذه الكلمة، وكما قال الشيخ رشيد، تكون حقيقية وتامة وكاملة في حقه تعالى، وإذا ما أضيفت إليه، وهي في حق غيره عرفية وعلى ما يليق به.
ولذلك فإن إطلاق هذا الاسم على غيره تعالى غير جائز إلا أن يضاف.
ومن ذلك ما ورد في القرآن الكريم كقوله تعالى: ﴿اذْكُرْنِي
_________________
(١) ١ هم الأنبياء كما لا يخفى. ٢ تفسير المنار (١/ ٥١) ٣ المصدر نفسه (٧/٣٠١)
[ ٢٥٥ ]
عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ ١ فقوله تعالى: "عند ربك: يعني الملك، وقوله: فأنساه الشيطان ذكر ربه: يعني يوسف".
وكذلك ما ورد في السنة من ذلك كقوله ﷺ: "إن ربي ﵎ قد قتل ربك" ٢.
وأما ورد من كلام العرب من اطلاق هذا الاسم، كقول الحارث بن حلزة ٣:
وهو الرب والشهيد على يو م الحيارين والبلاء بلاء ٤
يريد المنذر بن ماء السماء، ولم يذكر مطلقًا في غير الشعر ٥. وهو بيت جاهلي.
وأما ما ورد في الكتاب والسنة فعلى ما كان متعارفًا عندهم وعلى ما كانوا يسمونهم به. ومنه قوله للسامري: ﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ﴾ ٦ ٧.
ويفصل الشيخ رشيد هذا الحكم قائلًا: "فأما العرب فكانت تطلق لفظ "رب" على الناس: يقولون: رب الدار، ورب هذه الأنعام - لا رب الأنعام مطلقًا - قال عبد المطلب في يوم الفيل (أما الإبل فأنا ربها وأما البيت فإن له ربًا يحميه) ٨ ويرى بعض العلماء أن هذا الاستعمال ممنوع في الإسلام،
_________________
(١) ١ انظر: الطبري: التفسير (١٦/ ١٠٩ - ١١١) (١٢/ ٢٤٧) ط. الحلبي بمصر، الثالثة ١٣٨٨هـ، الآلوسي: روح المعاني (ص: ٣٣) ط. دار إحياء التراث. مصورة عن ط. إدارة الطباعة المنيرية. ٢ انظر: أحمد بن حنبل: المسند (٥/ ٤٣) ٣ هو: الحارث بن حِلِّزة بن مكروه اليشكري الوائلي، شاعر جاهلي من أهل بادية العراق، أحد أصحاب المعلقات. الزركلي: الأعلام (٢/ ١٥٤) ٤ البيت في معلقته. انظر: شرح القصائد السبع الطوال: الأنباري (ص: ٢٧١) ط. دار المعارف. ٥ ابن منظور: لسان العرب (١/ ٤٠٠) ٦ سورة طه، الآية (٩٧) ٧ ابن منظور لسان العرب (١/ ٤٠) . ٨ ابن هشام: السيرة النبوية (١/ ٦١) ط. دار الفكر، القاهرة.
[ ٢٥٦ ]
واستدل بالنهي في الحديث عن قول المملوك لسيده ربي ١. والصواب: أنه يمنع ما ورد به النص كهذا الاستعمال وما من شأنه ألا يقال إلا في الباري تعالى كلفظ الرب بالتعريف مطلقًا، ولفظ رب الناس، ورب المخلوقات، رب العالمين، وما أشبه ذلك" ٢.
المقارنة بين اسم "الرب" واسم "الآب":
ولم تسلم هذه المعاني العالية الشريفة من الاعتراض، فاعترض عليها أجهل الخلق بربهم وأسمائه وصفاته، وقالوا: إن المسلمين لم يعلمهم نبيهم من صفات الخالق إلا القهر والسلطان والغضب، وأن ربهم قد أوجب عليهم الفتح من أجل قهر الأمم لا من أجل تربيتها وترقيتها. بينما يدل اسم الآب على الرحمة والرأفة والعطف ٣. ويجيب الشيخ رشيد على هذا الاعتراض " السخيف" قائلًا: "وهذا الذي شرحناه يفند زعم بعض المتعصبين الغلاة في ذم الإسلام بالهوى الباطل أن رب المسلمين رب غضوب منتقم قهار، ودينهم دين رعب وخوف، بخلاف دين النصرانية الذي يسمي الرب أبا للإعلام بأنه يعامل عباده كمعاملة الأب لأولاده وثبت في الحديث الصحيح أن الرب أرحم بعباده من الأم بولدها الرضيع ٤ وأن جميع ما أودعه الله في قلوب خلقه من الرحمة جزء من مائة جزء من رحمته ﵎.." ٥.
وكذلك فإن تكرار قوله تعالى ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ في فاتحة الكتاب بعد قوله تعالى ﴿.. رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ لأن "البعض يفهم من معنى الرب الجبروت والقهر فأراد الله تعالى أن يذكرهم برحمته وإحسانه، ليجمعوا بين
_________________
(١) ١ مسلم: الصحيح: ك: الألفاظ من الأدب وغيرها، ح: ١٤ (٢٢٤٩) [٤/ ١٧٦٤] وانظر: النووي شرح مسلم (١٥/ ٦ـ ٧) ٢ تفسير المنار (١/ ٥٣ - ٥٤) ٣ انظر: تفسير المنار (١/ ١٢) ٤ البخاري: الصحيح: ك: الأدب، باب: رحمة الولد وتقبيله ح:٥٩٩٩ (١٠/ ٤٤٠) ٥ تفسير المنار (١/ ٧٦)
[ ٢٥٧ ]
اعتقاد الجلال والجمال "١.
وأما اسم الآب، فإنه لا يليق بالله تعالى لاشتماله على معان باطلة، كطلبه للولد بمقتضى شهوته لا محبته ٢.
_________________
(١) ١ المصدر السابق (١/ ٥١) ٢ المصدر نفسه (١/ ١٢)
[ ٢٥٨ ]