كان الواجب أن لا يقع خلاف حول ثبوت الأسماء الحسنى لله تعالى، وقد تواتر على ثبوتها الكتاب والسنة، ولا معارض لذلك من الصحابة ومن تبعهم بإحسان، ولا صارف لها يصرفها عن ظاهرها، ولكن الأمر جرى على غير سنته، فلقد نفت "الجهمية" ٤ الأسماء وما دلت عليه من معان وأحكام.
وأثبت "المعتزلة" ٥ الأسماء دون معانيها، فقالوا: عليم بلا علم، سميع بلا سمع.. ألخ ٦.
ونفاة الأسماء لا ينكرون إطلاق الأسماء على الله تعالى، إلا أنهم
_________________
(١) ٤ سبق تعريفها، انظر (ص:٣٠٨) ٥ أتباع واصل بن عطاء، نسب إليهم القول بإنكار القدر، ونفي الصفات والقول بخلق القرآن. انظر: الملل والنحل (١/ ٣٨)، والفرق بين الفرق (ص: ٢٠ - ٢١) ٦ انظر: ابن ابن القيم: بدائع الفوائد (١/ ١٦٩)، ط. دار الكتاب العربي اللبناني، بيروت، وانظر أيضًا: الرازي: شرح الأسماء الحسنى (ص: ٢٩)، والرد على المريسي للدارمي (ص: ٧)، وعبد الجبار: شرح الأصول الخمسة (ص: ٢٠٠) وما بعدها، ط. الكليات الأزهرية، القاهرة، ١٣٩٦هـ.
[ ٣٣٨ ]
يقولون إن إطلاقها عليه تعالى مجازي لا حقيقي ١.
وفي مقابل هؤلاء النفاة وقف فريق المثبتين لأسماء الله الحسنى، وما دلت عليه من الصفات العليا، وهم أهل السنة والجماعة من السلف الصالح ومن تبعهم. ومذهبهم في ذلك: إثبات ما أثبته الله لنفسه في كتابه أو أثبته له رسوله ﷺ لا يتجاوزون فيها التوقيف ٢.
يقول الإمام ابن القيم ﵀: "..وبرأ الله أتباع رسوله وورثته القائمين بسنته عن ذلك كله، فلم يصفوه إلا بما وصف به نفسه، ولم يجحدوا صفاته ولم يشبهوها بصفات خلقه، ولم يعدلوا بها عما أنزلت عليه لفظًا ولا معنى بل أثبتوا له الأسماء والصفات ونفوا عنه مشابهة المخلوقات فكان إثباتهم بريًا من التشبيه، وتنزيههم خليًا من التعطيل.." ٣.
وكان الشيخ محمد رشيد رضا من فريق المثبتين، أهل السنة والجماعة، فأثبت الأسماء لله تعالى وأثبت ما دلت عليه من معان وأحكام، وبيّن أنواع الإلحاد فيها.
فيقول عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ ٤
"..والمعنى: ولله دون غيره جميع الأسماء الدالة على أحسن المعاني وأكمل الصفات" ٥.
_________________
(١) ١ الأشعري: المقالات (١/ ٢٦١)، ابن تيمية: درء التعارض (٥/ ١٨٦)، وابن القيم: ببدائع الفوائد (١/ ١٦٤)، وأحمد بن عطية الغامدي: البيهقي (ص: ١٢٢) ط. مكتبة العلوم والحكم، الثالثة ١٤١٢هـ. ٢ انظر مثلًا: الدارمي: الرد على المريسي (ص: ٧)، والبيهقي: الأسماء والصفات (١/ ٢٥)، ط. دار الكتاب العربي، الأولى ١٤٠٥هـ وابن منده: التوحيد ومعرفة أسماء الله (٢/ ١٤)، والخطابي: شأن الدعاء (ص:١١١)، ط. دار المأمون للتراث، دمشق، الأولى ١٤٠٤هـ. وابن القيم: بدائع = = الفوائد (١/ ١٧٠) ٣ بدائع الفوائد (١/ ١٧٠) ٤ سورة الأعراف، الآية (١٨٠) ٥ تفسير المنار (٩/ ٤٣١)
[ ٣٣٩ ]
ويقول في موضع آخر: "وأسماء الله كثيرة وكلها حسنى بدلالة كل منها على منتهى كمال معناه وتفضيلها على ما يطلق منها على المخلوقين كالرحيم والحكيم والحفيظ والعليم" ١.
فمع إثباته للأسماء يرى الشيخ رشيد أن معنى الحسن فيها يرجع إلى أمرين:
أحدهما: دلالتها على المعاني والصفات الكاملة.
الثاني: علوها وفضلها ومفارقتها في الحقيقة لما يطلق منها على المخلوق.
فوافق الشيخ رشيد في ذلك أهل السنة وخالف فريقين:
الأول: من قال إن أسماء الله جامدة لا تدل على معنى، بل هي أعلام محضة كحروف المعجم في دلالتها على مسمياتها دون ملاحظة معنى زائد ٢.
الثاني: من نفى الأسماء فرارًا من التشبيه، ونفى لذلك أن يسمى الله بهذه الأسماء، ونفى حتى أن يقال إنه شيء، حتى لا يشبهه بالأشياء ٣.
فبين الشيخ رشيد أن ما أطلق على المخلوقين من هذه الأسماء لا يقتضي تشبيهًا ولا تمثيلًا، لأن أسماء الله تعالى وصفاته تعلو وتشرف على صفات المخلوقين، وتدل على أكمل المعاني وأصدقها بخلاف صفات المخلوقين. فيقول في ذلك: "فحاصل ما تقدم أن جميع ما أطلق على الله تعالى من الأسماء والصفات هو مما أطلق قبل ذلك على الخلق إذ لو وضع لصفات الله تعالى ألفاظًا خاصة وخوطب بها الناس لما فهموا منها شيئًا..
_________________
(١) ١ المصدر نفسه (٩/ ٤٣٢) ٢ انظر: الدارمي: الرد على المريسي (ص: ٨)، وابن القيم: بدائع الفوائد (١/ ١٧٠) ٣ انظر: الدارمي: الرد على المريسي (ص: ٢٣)، وابن خزيمة: التوحيد (ص: ٢٧) ط. دار الكتب العلمية، بيروت ١٣٩٨هـ ت: خليل هراس، والأشعري: المقالات (١/ ٢٥٩)
[ ٣٤٠ ]
وقد جاء الرسل عليهم الصلاة والسلام بما دل عليه العقل من تنزيهه تعالى عن صفات المخلوقين وكونه لا يماثل شيئًا ولا يماثله شيء، فعلم أن جميع ما أطلقوه عليه من الألفاظ الدالة على الصفات.. لا ينافي أصل التنزيه.." ١.
وننتقل من هذا الإثبات الإجمالي إلى تفصيل مذهب الشيخ رشيد في أسماء الله تعالى.
_________________
(١) ١ تفسير المنار (٣/ ٢٠١)، وأيضًا: المجلة (١٥/ ٩٠٦ - ٩٠٧)، وانظر: التوحيد لابن خزيمة (ص: ٢٧)، وابن القيم: بدائع الفوائد (١/ ١٦٤) وما بعدها.
[ ٣٤١ ]