ومن أدلة معرفة الله تعالى، دليل "تصديق الأنبياء" أو دليل "المعجزة".
وهذا الدليل مما يفارق به أهل السنة المتكلمين في أدلة معرفة الله تعالى، فبينما يعتمده أهل السنة ٥، يرفضه المتكلمون الفلاسفة، لأنه دليل
_________________
(١) ٥ انظر: ابن تيمية: درء التعارض (٧/ ٣٠٢) و(٩/ ٤١ـ ٤٥)، وابن القيم: مختصر الصواعق: (ص: ١٦٠)، ط. دار الكتب العلمية، وابن الوزير: إيثار الحق (ص: ٥٣ - ٥٥)، والبرهان القاطع (ص: ٣٦ ـ٣٧) ط. المطبعة السلفية، مصر ١٣٤٩هـ
[ ٣٠٢ ]
سمعي ١ ولأن الله تعالى قبل معرفته يجوز أن يظهر المعجزة على يد الكاذب ٢.
والحق أنه دليل صحيح، دل عليه الكتاب العزيز في مواضع، وعليه آمن أكثر البشر.
يقول ابن الوزير ٣: "..فالنبوات وآياتها البينة ومعجزاتها الظاهرة وخوارقها الدامغة؛ أمر كبير وبرهان منير ما طرق العالم له معارض البتة، خصوصًا مع قدمه وتواتره،.." ٤.
ويُستدل لصحة هذا الدليل من الكتاب العزيز، بقصة موسى مع فرعون، فقد كان فرعون منكرًا للرب تعالى، إما حقيقة، أو ادعاءً، وطلب آية من موسى، فأخرج له موسى آيته دليلًا على ربوبية الله تعالى وتصديقًا لرسالته جميعًا ٥.
وأيضًا يستدل لصحة هذا الطريق، بقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا﴾ ٦.
"فهؤلاء لم يتلبثوا بالإيمان الذي يدعوهم إليه الأنبياء.. بل بادروا وسارعوا إليه.. ويحتمل أن يكونوا سمعوا دعوة الرسول وآمنوا به ثم نظروا وتفكروا.." ٧.
_________________
(١) ١ انظر: ابن رشد: مناهج الأدلة (ص: ١٣٤) ٢ انظر: ابن الوزير: البرهان القاطع (ص: ٣٨) ٣ هو: محمد بن إبراهيم بن الوزير اليماني، من المجتهدين من أعيان اليمن. الزركلي (٥/ ٣٠١) وانظر: البدر الطالع (٢/ ٨١ ـ٩٣) ٤ إيثار الحق (ص: ٥٣) ٥ ابن تيمية: درء التعارض (٩/ ٤١) وابن الوزير: البرهان (ص: ٣٧) ٦ سورة آل عمران: الآية (١٩٣) ٧ تفسير المنار (٤/ ٣٠٢)
[ ٣٠٣ ]
وفي هذه الآية هذا الدليل بعد الإشارة، إلى النظر والفكر في ملكوت السموات والأرض، وأن خلقهما لا يكون باطلًا ولا عبثًا، فهذا ذكر للدليل السمعي بعد الدليل العقلي ١.
وتقرير هذا الدليل: أن تصديق الرسل بالمعجزات وغيرها من قرائن الأحوال وثبوت رسالتهم يتضمن إثبات المرسل لهم، وأنه أحدث هذه الآيات تصديقاُ لهم، وذلك أن هذه الآيات تدل على خالقها كدلالة سائر الآيات الكونية، فانقلاب العصا حية، والإتيان بكتاب خارج عن قدرة الجن والإنس على رجل أمي، أعظم من دلالة المشاهد المعتاد، كخلق الإنسان من نطفة ٢.
ونقول: بالمعجزة وغيرها، لئلا يلزمنا ما اعترض به المتكلمون على هذا الدليل، فإن النبوة إنما تثبت بها وبغيرها ٣.
ولقد اعتمد الشيخ رشيد ﵀ هذا الدليل السمعي، وذهب إليه وقرره في عدة مواضع.
فبشكل عام يقرر الشيخ رشيد: " أن الله تعالى لم يؤيد رسله بما أيدهم به من معجزات إلا لتكون حجة لهم على أقوامهم يهتدي بها المستعدون للهداية، وتحق بها الكلمة على المعاندين" ٤. ثم ينتقل إلى تفصيل أكثر، وأصرح، فعند قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ ٥ يقرر أن الآيات هنا "بمعنى الدلائل والبينات من براهين عقلية نظرية كانت أو علمية أو كونية كآياته تعالى في الأنفس
_________________
(١) ١ انظر: أبو السعود: إرشاد العقل السليم (٢/ ١٣١ـ ١٣٢) ٢ انظر: ابن تيمية: درء التعارض (٧/ ٣٠٧) و(٩/ ٤١ـ٤٥) وابن الوزير: إيثار الحق على الخلق (ص: ٥٣ـ ٥٥) وابن القيم: مختصر الصواعق (ص:١٦٠) ٣ انظر: ابن تيمية: درء التعارض (٩/ ٤٠)، وابن الوزير: البرهان الساطع (ص:٥١) وما بعدها. ٤ الوحي المحمدي (ص: ٢١١و ٨١) ٥ سورة الأعراف، الآية (١٤٦)
[ ٣٠٤ ]
والآفاق، ومنها معجزات الأنبياء ﵈، وأظهرها وأقواها القرآن العظيم، من حيث هو دال على صدق النبي الأمي في دعوى الرسالة.." ١.
ويولي الشيخ رشيد نبوة نبينا ﷺ أكبر قدر من العناية في هذه الناحية، وكما أنه يعتبر القرآن، الآية الكبرى الباقية على عين الدهر إذ يقول:
"وجملة القول: أن نبوة نبينا محمد ﷺ قد ثبتت بنفسها، أي بالبرهان العلمي والعقلي الذي لا ريب فيه، وأن هذا البرهان قائم ماثل للعقول والحواس في كل زمان ومكان وأنه لا يمكن إثبات آيات النبيين السابقين إلا بثبوت نبوته وهذا القرآن الذي جاء به.." ٢.
والقرآن الكريم هو أعظم الآيات وأبقاها، وهو في حقيقة الأمر يشتمل على آيات كثيرة.
"فالقرآن في جملته آية علمية وفي تفصيله آيات كثيرة عقلية وكونية، وهي دائمة لا تزول كما زالت الآيات الكونية كعصا موسى مثلًا، عامة لا تختص ببعض من كان في عصر الرسول.. وهي أدل على الرسالة من الآيات الكونية.. فظهور أعلى علوم الهداية على لسان أميّ كان هو وقومه أبعد الناس عن كل علم، بعبارة أعجزت بلاغتها قومه كما أعجزت غيرهم.. أدل على كون ذلك موحى به من الله عزوجل من عصا موسى.." ٣.
والحق أن القرآن الكريم هو آية علمية، عقلية، كونية، خارق للعادة المألوفة من البشر، فإن هذا الكتاب المشتمل على هذه العلوم والمعارف والحقائق قد جاء به رجل أميّ لم يجلس إلى معلم، ولا اطلع على شيء من الكتب، هو ولا قومه من قبل هذا، بل كان لا يقرأ ولا يكتب، فالعقل
_________________
(١) ١ تفسير المنار (٩/ ١٩٩) ٢ الوحي المحمدي (ص: ٨٣) ٣ تفسير المنار (٧/٣٨٨) وقارن مع ابن القيم: مختصر الصواعق (ص: ١٦١)
[ ٣٠٥ ]
يجزم بأن هذا القرآن إنما كان بوحي من الله، لأنه خارق للعادة، يقول الشيخ رشيد بعد أن بسط هذه المقدمات:
"راجع هذا كله وتأمله جملة واحدة، تجد عقلك مضطرًا إلى الجزم بأن هذا في جملته وتفصيله فوق استعداد بشر أميّ أو متعلم، وأنه لا يعقل إلا أن يكونوحيًا من الله تعالى اختصه به.." ١.
"فمن كان يؤمن بأن للعالم ربًا عليمًا حكيمًا رحيمًا مريدًا فاعلاَ مختارًا فلا مندوحة له ولا مناص عن الإيمان بأن هذا القرآن وحي من لدنه عزوجل.. ومن كان لا يؤمن بوجود هذا الرب الحكيم فهذا القرآن حجة ناهضة على وجوده الحق، بكونه ليس من المعهود في الخلق، وبما اشتمل عليه من الآيات البينات في الأنفس والآفاق.." ٢.
فإن قيل:" دلائل النبوة ومعجزات النبي ﷺ ما عدا القرآن إنما نقلت إلينا من طريق الآحاد دون التواتر والحجة لا تقوم بنقل الآحاد لجواز وقوع الغلط فيها واعتراض الآفات من الكذب وغيره عليها.." ٣.
فالجواب من وجوه:
الأول: أن القرآن الكريم وهو الآية الكبرى، الثابتة بنفسها المثبتة لغيرها، هو متواتر مشاهد فيدفع به هذا الاعتراض.
ثانيًا: "أن خبر الواحد من عامة الناس إذا انضمت إليه قرائن قوية أفاد العلم وقام مقام التواتر، فهذا في خبر آحاد الناس فكيف بخبر أفضل الأولين والآخرين.." ٤.
ثالثًا: أن كثرة الرسل قد تواترت لأهل العلم بتواريخ العالم مع تفرق
_________________
(١) ١ الوحي المحمدي (ص: ٣٤٣) وقارن مع ابن الوزير: ترجيح أساليب القرآن (ص: ٨١) ط. دار الكتب العلمية، الأولى ١٤٠٤هـ ٢ الوحي المحمدي (ص: ١٣٨ - ١٣٩) ٣ انظر: درء التعارض (٧/ ٣١٥) ٤ انظر: ابن الوزير: البرهان (ص: ٣٦ - ٣٧)
[ ٣٠٦ ]
أوطانهم وأزمانهم، واتفاقهم على أمر واحد، يصدق فيه الآخر الأول والأول الآخر، يدل على صدق ما ادعوه وتواتره ١.
وهذا الدليل السمعي قد خالف فيه الشيخ رشيد المتكلمين والفلاسفة الذين لا يعتبرون إلا الدليل العقلي النظري ٢، ويقولون بوجوبه، ونحن لا ننكر النظر الشرعي ولكن ننكر أنه الدليل الوحيد أو الواجب على معرفة الله تعالى.
_________________
(١) ١ انظر: ابن الوزير: إيثار الحق (ص:٧٣) ٢ انظر: ابن رشد: مناهج الأدلة (ص: ١٣٠)
[ ٣٠٧ ]