مذهب أهل السنة أن أسماء الله تعالى توقيفية، وكذا صفاته ﵎، وإن كان يجوز من باب الإخبار عنه تعالى أن يقال قديم وشيء وموجود ونحوه، إذ أن باب الإخبار عنه ليس توقيفيًا ٤ قال الإمام
_________________
(١) ٤ انظر: ابن منده: التوحيد (٢/ ١٤)، والخطابي: شأن الدعاء (ص: ١١١)،والبيهقي: الأسماء والصفات (١/ ٢٥)، وابن القيم: بدائع الفوائد (١/ ١٦٢)
[ ٣٤٦ ]
الخطابي ١ ﵀: "ومن علم هذا الباب أعني الأسماء والصفات ومما يدخل في أحكامه ويتعلق به من شرائط أنه لا يتجاوز فيها التوقيف ولا يستعمل فيها القياس.." ٢.
وقد خالف في هذا المعتزلة البصريون فقالوا بإثبات الأسماء بالقياس وما دل عليه العقل ولو لم يرد به النص وخالفهم البغداديون ٣.
أما الشيخ رشيد فيرى رأي أهل السنة من أن أسماء الله تعالى توقيفية. فيقول: "وقد اتفق أهل الحق على أن أسماءه وصفاته توقيفية، ونصوا على إثبات كل ما ورد في الكتاب والأحاديث الصحيحة.. وعلى منع كل ما دل على منعه وجوز المعتزلة ما صح معناه ودل الدليل على اتصافه به.."٤.
وأما الأسماء التي يطلقها المتكلمون على الله تعالى مثل: واجب الوجود، أو الواجب والصانع والقديم ٥ فيرى الشيخ رشيد أنها لا تثبت أسماءً لله تعالى، وإنما هي من اصطلاح المتكلمين، فيقول:" ويقتصر فيها كلها على التوقيف وليس منه الواجب والصانع والموجود، ولكن يجوز الإخبار بهذه الصفات عنه تعالى فيقال: إن الله موجود، وواجب وهو صانع كل شيء، والمتقن لكل ما خلقه، ولا يقال في الدعاء والنداء يا واجب أو يا صانع اغفر لي، مثلًا. وبهذا القدر يصحح كلام المتكلمين.." ٦.
وكما أطلق المتكلمون أسماء لم ترد في الكتاب والسنة، وإن صحح ذلك من جهة الأخبار، فلقد أطلق الصوفية على الله تعالى أسماء لا تصح بوجه من الوجوه.
_________________
(١) ١ هو: الإمام العلامة الحافظ اللغوي، أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم، صاحب التصانيف، ت: ٣٨٨هـ السير (١٧/ ٢٣ـ ٢٨) ٢ شأن الدعاء (ص: ١١١) ٣ المقالات (٢/ ٢٠٦ـ ٢٠٧) والرازي: شرح الأسماء (ص:٣٦) والبغدادي: الفرق بين الفرق (ص٣٣٧) ٤ تفسير المنار (٩/ ٤٤٣ـ ٤٤٤) ٥ انظر: الباقلاني: التمهيد (ص: ٤٣) وما بعدها، والبغدادي: أصول الدين (ص:٦٨) ٦ تفسير المنار (٩/ ٤٤٣ـ ٤٤٤) وقارن مع ابن القيم بدائع الفوائد (١/ ١٦١)
[ ٣٤٧ ]
فادعى بعضهم أن الضمير "هو" من أسمائه تعالى، فيدعونه ويذكرونه به، وادعى بعضهم كذلك: أن "آه" من أسمائه تعالى، بل ذهب بعضهم إلى أن "هو" هو الاسم الأعظم ١.
ويرد الشيخ رشيد على هؤلاء أيضًا فيقول:"والضمير "هو" ليس من أسماء الله تعالى ولا يدل بنفسه على ذات الله تعالى ولا على صفة من صفاته، وإنما يدل على ذلك كما يدل على غيره إذا وقع في الكلام ضميرًا راجعًا إليه.."٢.
وأما " أه" التي يرددونها على أنها ذكر لله تعالى، فإنها وكما ينقل الشيخ رشيد:"بفتح الهمزة وسكون الهاء ليس من الكلمات العربية في شيء، بل هو لفظ مهمل لا معنى له مطلقًا، وإن كان بالمد فهو إنما يدل في اللغة العربية على معنى التوجع، وليس من أسماء الذوات فضلًا عن أن يكون من أسماء الله الحسنى.."٣.
وأما الدعاء بالأسماء المقيسة والمخترعة على غير قياس، مثل: يا سخي، قياسًا على يا جواد، فلا يجوز ٤. قال الشيخ رشيد:"ومثله يا هو فإنه لم يقله أحد من السلف الصالح ولا جائز في لغة الدين، وأولى منه بالإنكار"أه" فإنه ليس من هذه اللغة "٥. ويجوز الإخبار عنه تعالى ببعض الأسماء المقيسة كما سبق لأن باب الإخبار عنه تعالى أوسع من باب الصفات وباب الصفات أوسع من باب الأسماء ٦. أي أننا نخبر عنه تعالى
_________________
(١) ١ مجلة المنار (٢٢/ ٥١ـ ٥٣) وانظر: عبد الرحمن الوكيل: "هذه هي الصوفية" (ص: ١٤٤ـ ١٤٥) ط. دار الكتب العلمية. بيروت، الرابعة ١٩٨٤م. ٢ المصدر نفسه (٢٢/ ١٥١) ٣ مجلة المنار (٢٢/ ٤٩) ٤ انظر: الخطابي: شأن الدعاء (ص: ١١١) ٥ مجلة المنار (٢٢/ ١٥٤) ٦ انظر: ابن تيمية درء التعارض (٤/ ١٤٠)، وابن القيم: بدائع الفوائد (١/ ١٦١)، ورشيد رضا: تفسير المنار (٩/٤٤٣)
[ ٣٤٨ ]
بأخبار ولكن لا نشتق له منها صفات: كالشيء والموجود والقائم بنفسه فإنه يخبر به ولا يدخل في أسمائه الحسنى وصفاته العليا ١.
وأيضًا فباب الصفات أوسع من باب الأسماء، فليس كل ما صح صفة صح اسمًا: كالمتكلم والمريد والمستوي والنازل والضاحك مع أنها صفات وُصِف بها الرب تعالى ٢.
وهذا ما يقرره الشيخ رشيد إذ يقول: "ولا يجوز أن يشتق له تعالى أسماء من كل ما أخبر به عن نفسه ولو بصيغة اسم الفاعل، فلم يقل أحد بإطلاق اسم الزارع عليه تعالى من قوله ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ ٣، ولا الماكر من قوله: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ ٤، ولا المخادع أو الخادع من قوله: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ ٥.." ٦.
ومن هذا يتبين لنا أن الشيخ رشيد يقول بالتوقيف كأهل السنة وهو الصحيح.
_________________
(١) ١ ابن القيم: بدائع الفوائد (١/١٦١) ٢ ابن تيمية: شرح الأصفهانية (ص: ١٩) ٣ سورة الواقعة، الآية (٦٤) ٤ سورة المائدة، الآية (٥٤) ٥ سورة النساء، الآية (١٤٢) ٦ تفسير المنار (٩/ ٤٤٣)
[ ٣٤٩ ]