لم تكد تمضي مدة طويلة على دخول العثمانيين الشام حتى تدنت الحركة العلمية فيها تدنيًا ظاهرًا. وكان التدريس في العهد المملوكي يتم في المساجد والمدارس. إلا أن هذه جميعًا قد تدهورت تدريجيًا حتى توقفت تمامًا بعد الفتح العثماني، بما في ذلك الجامع الأموي الذي كان يساوي الأزهر في القاهرة إلا أنه ظهر قبله بثلاثة قرون ٣.
وفي النصف الثاني من هذا القرن - الثالث عشر الهجري - بدأت تباشير بعض العلوم الرياضية والطبيعية - وكانت ضعفت ضعفًا أشبه بالاندراس - تهب على الشام من طريق مصر بسبب الحركة التي بعثها
_________________
(١) ٣ انظر: أكرم حسن العلبي: دمشق (ص:١٦٥و١٧٥)
[ ٤٨ ]
عزيزها "محمد علي". لقد تخرج بعض الشاميين في مدارسه ١. وفيما يتعلق بالعلوم الدينية فقد قدم الشاميون إلى الأزهر لتلقي هذه العلوم عوضًا عن تلقيها في جامع بني أمية في حاضرتهم "دمشق".
ورغم أن الدولة العثمانية كانت قد أنشأت المدارس العالية في الآستانة ودخل فيها بعض الشاميين، كما أنها فتحت مدارس رسمية لها بالشام، ولكن في كل ذلك، كان التعليم باللغة التركية، لذلك قل إقبال أبناء العرب عليها ٢. ومما زاد الطين بلة، أن الدولة لم تكن تشجع المدارس الخاصة التي كان ينشئها المتحمسون لخدمة بلادهم وأمتهم. مما يجعلها عاجزة عن الاستمرار في أداء مهمتها، فقد اضطر الشيخ حسين الجسر ٣ إلى إغلاق مدرسته التي افتتحها في طرابلس، وكان التعليم فيها باللغة العربية، وتعنى بكافة العلوم العربية والشرعية والعصرية، لأن الدولة لم تساعدها.
وأما المطابع فبالرغم من أن المطابع وصلت إلى الشام قبل أن تعرفها مصر، إلا أنها كانت قليلة ونادرة، فلا نجد ذكرًا لها في بلاد الشام إلا في النصف الأول من القرن الثامن عشر الميلادي. وقد أخذ إبراهيم باشا - أثناء حملته على الشام - مطبعة حملها معه إلى هناك ٤. حتى إذا انتهى النصف الأول من القرن التاسع عشر الميلادي أخذت المطابع تنتشر شيئًا فشيئًا في بلاد الشام.
ولذلك كانت الكتب عزيزة لا يكاد يملكها إلا الموسرون، وأما أصحاب المكتبات الخاصة فهم مع قلتهم بخلاء بها خوفًا من السارقين والعابثين ٥.
_________________
(١) ١ انظر: محمد كرد علي: خطط الشام (٤/٦٢) وما بعدها ٢ انظر: محمد كرد علي: المرجع السابق (٤/٦٢) ٣ انظر حكاية هذه المدرسة عند رشيد رضا: المنار والأزهر (ص:١٣٩) وستأتي ترجمة الشيخ حسين الجسر - إن شاء الله تعالى ـ. ٤ انظر: محمد كرد علي: الإسلام والحضارة العربية (ص:٣٧٦) ٥ انظر المصدر السابق، الصفحة نفسها.
[ ٤٩ ]
وأما الصحافة فلم تكن هذه المهنة تتمتع بحرية كافية فقد كانت الرقابة عليها شديدة، بخلاف مصر التي كانت تتمتع بقدر أكبر من الحرية مما دفع كثيرًا من العلماء من المسلمين وغيرهم للرغبة في الهجرة إليها، وإصدار الصحف فيها مما زاد هذه الصحف في مصر حتى وصل إلى "المائة صحيفة" ١. ولا يمنع ذلك من وجود صحف في بلاد الشام إلا أنها كانت قليلة الانتشار.
وإذا كان هذا حال المسلمين الثقافي والعلمي هناك، فإن حال الطوائف الأخرى كان أسعد، إذ أنشأت هذه الطوائف المدارس الخاصة بها، لا سيما مدارس الإرساليات التبشيرية وكان التعليم بالعربية وبغيرها من اللغات ٢. كما أنهم أيضًا أنشأوا الصحف التي تنطق بلسانهم ٣.
_________________
(١) ١ وقد وجد عدة صحف يصدرها شوام، منها الأهرام، ومنها أيضًا مجلات: كمجلة المنار، وغيرها. وانظر بروكلمان: تاريخ الشعوب (ص:٦١٥) ٢ انظر: محمد كرد علي: خطط الشام (٤/٦٣) ٣ انظر: محمد السلمان: رشيد رضا ودعوة الشيخ محمد عبد الوهاب، ط. مكتبة المعلا، الكويت، الأولى، ١٤٠٩هـ. (ص:١٤٢ـ ١٤٣) وبروكلمان: تاريخ الشعوب: (٦١٤ـ ٦١٥)
[ ٥٠ ]