وأما التعريف الشرعي للربوبية، فقد عرّفه الشيخ رشيد بقوله: "هو انفراده تعالى بالخلق والتقدير والتدبير والتشريع الديني" ٣.
وهذا التعريف دلت عليه نصوص الكتاب العزيز، قال تعالى: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ ٤ أي: "ألا إن لله الخلق فهو الخالق المالك لذوات المخلوقات، وله فيها الأمر وهو التشريع والتكوين والتصرف والتدبير.." ٥.
وأما التقدير، فيدل عليه قوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ ٦ وقوله: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ ٧ أي: "بسنن ثابتة، وتقدير منظم لم يكن شيء منه جزافًا" ٨.
وأما التدبير، فيدل عليه قوله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ﴾ ٩ أي: "..يدبر أمر ملكه، بما اقتضاه علمه من النظام وحكمته من الأحكام والتدبير في أصل اللغة التوفيق بين أوائل الأمور ومباديها، وأدبارها وعواقبها، بحيث
_________________
(١) ٣ الوحي المحمدي (ص: ١٧٠) ٤ سورة الأعراف، الآية (٥٤) ٥ محمد رشيد رضا: تفسير المنار (٨/ ٤٥٤) ط. دار المعرفة، بيروت الثانية. ٦ سورة الفرقان، الآية (٢) ٧ سورة القمر، الآية (٤٩) ٨ محمد رشيد رضا: تفسير المنار (٨/ ٤٤٧) ٩ سور: يونس، الآية (٣) والرعد، الآية (٢) والسجدة، الآية (٥)
[ ٢٥٨ ]
تكون المبادي مؤدية إلى ما يريد من غاياتها " ١.
وأما التشريع الديني، فدل عليه آيات في كتاب الله؛ منها:
قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ ٢ وقوله تعالى: ﴿.. وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ٣ قال الشيخ رشيد: "إن الآية قررت وحدانية الألوهية ووحدانية الربوبية.. وأما وحدانية الربوبية فهي قوله ﴿وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ فالرب هو السيد المربي الذي يطاع فيما يأمر وينهى، والمراد هنا من له حق التشريع والتحليل كما ورد في حديث عدي بن حاتم ٤.." ٥.
ومثله قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ٦ "أي: اتخذ اليهود أحبارهم وربانيهم، والنصارى قسوسهم ورهبانهم أربابًا غير الله وبدون إذنه بإعطائهم حق التشريع الديني لهم وبغير ذلك مما هو حق الرب تعالى" ٧.
واشتراط "الديني" هام جدًا، وكذا اشتراط أن يكون "بغير إذنه تعالى" حتى يكون شركًا، فإن من التشريع ما ليس شركًا لأنه ليس دينيًا، وما ليس شركًا لأنه بإذنه تعالى ورضاه.
ويفصل الشيخ رشيد هذا فيقول: "لأن التحريم ٨ حق للرب الخالق للعباد وللأقوات جميعًا، فمن انتحله لنفسه فقد جعل نفسه شريكًا له تعالى، ومن أذعن لتحريم غير الله وأطاعه فيه فقد أشركه معه ﷾..
_________________
(١) ١ رشيد رضا: تفسير المنار (١١/ ٢٩٥) ٢ سورة الشورى، الآية (٢١) ٣ سورة آل عمران، الآية (٦٤) ٤ انظر: الترمذي: السنن: ك: تفسير القرآن، سورة براءة، ح: ٣٠٩٥ (٥/٢٧٨) ٥ تفسير المنار (٣/ ٣٢٦ - ٣٢٧) ٦ سورة التوبة، الآية (٣١) ٧ تفسير المنار (١٠/ ٣٦٤) ٨ يعني والتحليل أيضًا.
[ ٢٥٩ ]
وأما منع بعض الناس من بعض هذا الثمر لسبب غير التشريع الديني فلا شرك فيه، وقد يوافق بعض أدلة الشرع فيكون منعًا شرعيًا أي تحريمًا كمنع الطبيب بعض المرضى من أكل الخبز أو الثمر لأنه يضره.. والتحريم ليس تشريعًا من الطبيب بل الله تعالى هو الذي حرم كل ضار وإنما الطبيب معرف للمريض بأنه ضار.. وكذلك منع السلطان من صيد بعض الطير في بعض الأحوال للمصلحة العامة.. ولكن مثل هذين ليس تحريمًا ذاتيًا لما ذكر يدوم بدوامه بل مؤقت بدوام سببه ولا هو مبني على أن للسلطان أن يحرم شيئًا بمحض إرادته وإنما هو مكلف شرعًا بصيانة المصالح ودرء المفاسد، فإذا أخطأ في اجتهاده بشيء من ذلك وجب على الأمة الإنكار عليه وعليه الرجوع إلى الحق" ١.
فإذن - ما يقرره السلطان من سياسة ليس شركًا - لأنه بإذن الله تعالى والسلطان "ظل الله في الأرض" ٢ وأما إنكار الأمة عليه، فله نظام دقيق في الشريعة، وتوزيع على الأمة فيجب على العلماء ما لا يجب على العامة من ذلك٣.
العلاقة بين الربوبية والإلهية:
وبين الربوبية والإلهية علاقة وثيقة، هي علاقة المقدمة بالنتيجة، والربوبية تستلزم الإلهية، والإلهية تتضمن الربوبية، لذلك فإننا كثيرًا ما نستدل بالآيات التي نصبها الله تعالى على وحدانيته على غير ما وضعت له وهو وجوده تعالى وربوبيته وإلا فإن هذه الأخيرة لم تكن محلًا للاستدلال في القرآن الكريم كما سوف ترى.
يقول الشيخ رشيد: "لأن الربوبية والألوهية متلازمان، فالآيات الدالة
_________________
(١) ١ تفسير المنار (٨/ ١٣٥) ٢ انظر: ابن أبي عاصم: السنة (٢/ ٤٩٢) وحسنه الألباني. ط. المكتب الإسلامي، الأولى ١٤٠١هـ. ٣ انظر: في تفصيل هذه المسألة: ابن تيمية: الحسبة (٦٥و ٦٦ ٨٠و ٨١ - ضمن مجموع الفتاوى جـ ٢٨)
[ ٢٦٠ ]
على أن الرب واحد، دالة أيضًا على أنه الإله وحده.." ١ "وتوحيد الربوبية دال على وجوب توحيد العبادة للرب وحده" ٢ ويقرر الشيخ رشيد أن توحيد الربوبية هو البرهان الأعلى لتوحيد الألوهية ٣ ويبين ذلك قائلًا: "..فإذا كان تعالى هو الخالق المقدر وهو السيد المالك المدبر، وهو الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى، وفضل بعض المخلوقات على بعض ولكنها بالنسبة إليه على حد سوى، فكيف اسفه نفسي وأكفر ربي بجعل المخلوق المربوب مثلي ربًا لي.." ٤.
ويحاول الشيخ رشيد إبراز هذه العلاقة في كل مناسبة تسمح وعند كل فرصة تسنح.
ففي فاتحة الكتاب، وعند تفسير قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ٥ يقول: "إن عبادة الله تعالى هي غاية الشكر له في القيام بما يجب لألوهيته، واستعانته هي غاية الشكر له في القيام بما يجب لربوبيته، أما الأول فظاهر لأنه الإله الحق فلا يعبد بحق سواه، وأما الثاني: فلأنه هو المربي للعباد الذي وهب لهم جميع ما تكمل به تربيتهم الصورية والمعنوية. ومن هنا تعلم أن إيراد ذكر العبادة والاستعانة بعد ذكر اسم الجلالة الأعظم، واسم الرب الأكرم، إنما هو لترتبهما عليهما من قبيل ترتيب النشر على اللّف.
والاستعانة بهذا المعنى ترادف التوكل على الله وتحل محله، وهو كمال التوحيد والعبادة الخالصة. ولذلك جمع القرآن بينهما في مثل قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ ٦.
_________________
(١) ١ تفسير المنار (٧/ ٣٠١) ٢ تفسير المنار (٩/ ٢٠٤) وانظر: الوحي المحمدي (ص: ١٧٠) ٣ المصدر السابق (٨/ ٢٤٥) ٤ المصدر السابق، الموضع نفسه. ٥ سورة الفاتحة: الآية (٥) ٦ سورة هود: الآية (١٢٣)
[ ٢٦١ ]
فهذه الاستعانة هي ثمرة التوحيد واختصاص الله بالعبادة.. إذا تدبرت هذا فهمت منه نكتة من نكت تقديم العبادة على الاستعانة، وهي أن الثانية ثمرة للأولى، ولا ينافي هذا أن العبادة نفسها مما يستعان عليه بالله.. فالعبادة تكون سببًا للمعونة من وجه، والمعونة تكون سببًا للعبادة من وجه آخر.. فكل منهما سبب ومسبب وعلة ومعلول، والجهة مختلفة فلا دور في المسألة" ١.
العلاقة بين الربوبية وسائر الصفات:
وننتقل من هذه العلاقة بين الربوبية والإلهية والتلازم والتضمن إلى العلاقة بين الربوبية وسائر الصفات الإلهية.
فإنه وإن كانت الربوبية صفة من صفات الله تعالى إلا أنها - كما يقول: رشيد رضا - هي التي ربما يرجع إليها معنى الصفات جميعًا ٢.
وتحتمل صفة الربوبية أن تكون صفة ذات، على معنى أنه السيد والمالك، أو صفة فعل على أنه تعالى المبلغ كل ما أبدعه حد كماله ٣.
وترتبط الصفات الإلهية بعلاقات التضمن والالتزام، فبينما تدل كل صفة على نفسها وعلى الذات بالمطابقة، فإنها تدل على الصفات الأخرى باللزوم.
فالسميع يدل على ذات الرب وسمعه بالمطابقة، وعلى الذات وحدها وعلى السمع وحده، بالتضمن ويدل على اسم "الحي" وصفة الحياة بالالتزام. ٤.
_________________
(١) ١ تفسير المنار (١/ ٦٠ـ ٦١) وقارن مع: ابن القيم: إغاثة اللهفان (١/ ٢٧) ت: حامد الفقي، ومحمد بن عبد الوهاب: الدرر السنية (٢/٦٤ـ ٦٥) ٢ تفسير المنار (١/٥١) ٣ انظر: البيهقي: الاعتقاد (ص: ٦٧) ت: أحمد عصام الكاتب، دار الآفاق، بيروت، الأولى ١٤٠١هـ ٤ ابن القيم: مدارج السالكين (١/ ٣٠)
[ ٢٦٢ ]
وإذا كان ذلك، فإن الأصول التي ترجع إليها سائر معاني الأسماء والصفات اربعة: صفتان للذات، وصفتان للفعل. قال رشيد رضا:" وبتعبير أظهر أو أصح: اثنان منهما لا يتعلقان بتدبير الخلق واثنان منهما يتعلقان به " ١.
فأما الذاتيان فهما "الحي القيوم" وأما الفعليان فهما الرب والرحمن الرحيم ٢.
وتدل صفتا الربوبية والرحمة على "أن الله تعالى هو المالك المدبر لأمور العالم كلها ٣. والمالك صفة ذات.
ويشرح الشيخ رشيد دلالة صفتي الربوبية والرحمة على صفات الأفعال فيقول: "وأما دلالة صفتي الربوبية والرحمة على جميع معاني صفات الأفعال الإلهية فظاهر، فإن رب العباد هو الذي يسدي إليهم كل ما يتعلق بخلقهم ورزقهم وتدبير شؤونهم من فعل دلت عليه أسماؤه الحسنى، كالخالق البارئ المصور القهار الوهاب الرزاق، الفتاح القابض الباسط الخافض الرافع المعز المذل الحكم العدل اللطيف الخبير الحليم الرقيب المقيت الباعث الشهيد المحصي المبديء المعيد المحيي المميت المقدم المؤخر المغني المانع الضار النافع وأمثالها.." ٤.
وهكذا فإذا كانت صفات الجلال والجمال أخص باسم "الله" فإن صفات الفعل والقدرة والتفرد بالضرر والنفع والعطاء والمنع وتفرد المشيئة وكمال القوة، وتدبير أمر الخليقة: أخص باسم الرب ﵎ ٥.
الإجماع على توحيد الربوبية:
ورغم هذا الارتباط الوثيق بين الربوبية والألوهية وبين الربوبية وسائر
_________________
(١) ١ تفسير المنار (١/ ٧٢) ٢ المصدر نفسه (ص: ٧٣) ٣ المصدر السابق (١/ ٧٤) وانظر: ابن القيم: مدارج السالكين (١/٣٤) ٤ تفسير المنار (١/٧٥) ٥ ابن القيم مدارج السالكين (١/٣٣)
[ ٢٦٣ ]
الصفات، حتى إن الربوبية هي البرهان الأعلى للألوهية، والدليل الأول عليها، إلا أن الإجماع وقع عل هذه"المقدمة" دون النتيجة، والدليل دون المدلول.
فاجتمع الخلق جميعًا على الإقرار بربوبية الله تعالى، وافترقوا في ألوهيته، والعجب الذي لا ينقضي هو من هذه التفرقة بين المقدمة ونتيجتها، والإقرار بالدليل دون المدلول.
يقول تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ..﴾ ١.
ويقول: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ٢.
ويقول تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ٣، وأيضًا: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ ٤.
ويوجد لدينا قانون عقلي مستقر متى فهم على وجهه الصحيح، وصل بنا إلى عقيدة التوحيد، وعليه فإن الشرك والوثنية تكون وليدة ضرب من الغفلة أو الكسل العقلي وهذا القانون العقلي هو قانون السببية، وهو يعني ببساطة: أنه لا يوجد شيء من لا شيء ٥.
ويقرر الشيخ رشيد رحمه الله تعالى هذه الحقائق في مواضع كثيرة، أقتصر على بعضها. يقول: "أكثر الناس قد أرشدتهم الفطرة - أو هداهم النظرـ إلى أنه لا بد لهذا الكون المحكم الصنع البديع الإتقان من فاعل
_________________
(١) ١ سورة العنكبوت: الآية (٦١) ٢ سورة العنكبوت: الآية (٢٩) ٣ سورة الزخرف، الآية (٨٧) ٤ سورة يونس، الآية (٣١) ٥ انظر: عبد الله دراز: الدين (ص: ٨٣ـ ٨٥)
[ ٢٦٤ ]
مدبر له، ثم أخطأوا في تعيينه لما عنّ لهم من الشبه في ذلك، فبعضهم زعم أنه الشمس أو كوكب آخر، وتخيل بعضهم أن صانع العالم هو جوهر النار.. وبعضهم أسند الألوهية إلى بعض الحيوانات، ومنهم من ارتقى به هذا الوهم فأضافها إلى بعض البشر، إلى غير ذلك من النحل التي لا تحصى.."١.
وعن العرب يقول: "ولم يكن أحد من العرب الذين سموا أصنامهم وغيرها من معبوداتهم آلهة يعتقد أن اللات أو العزى أو هبلًا خلق شيئًا من العالم أو يدبر أمرًا من أموره، وإنما تدبير أمور العالم يدخل في معنى لفظ الرب. والشواهد على هذا في القرآن كثيرة ناطقة بأنهم كانوا يعتقدون ويقولون: إن خالق السماوات والأرض ومدبر أمورهما هو الله تعالى، وأن آلهتهم ليس لها من الأمر والخلق والتدبير شيء" ٢.
ويقول مستشهدًا بالقرآن على ذلك: "وتشهد لهذا آيات القرآن الكثيرة. اقرأ إن شئت قوله تعالى في مشركي العرب ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ ٣، وقوله تعالى ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ ٤ وفي هذا المعنى آيات كثيرة.. فالشرك في العبادة هو الذي كان فاشيًا في الأمم بألوان مختلفة وأسماء متعددة وصور متنوعة فجاء القرآن ينعى عليهم هذا ويحاجهم فيه ويمحو شبههم في آيات تعد بالمئات، وكان هذا أهم أصول الدين وأركانه.. وإن كانت الكتب التي بين أيدينا قلما تبحث في هذا النوع من التوحيد، وما أزاله من الشرك" ٥. ويتعجب من الرازي - وهو من هو
_________________
(١) ١ مجلة المنار (٢/ ٤٠٤) ٢ تفسير المنار (٩/ ١١٢) ٣ سورة الزخرف، الآية (٩) ٤ سورة يونس، الآية (٣١) ٥ مجلة المنار (٢/ ٦٣٠)
[ ٢٦٥ ]
في علم الكلام ١ - أذ يخطئ في فهم هذا المعنى، "معنى الإله"، فيقول تعليقًا على كلام نقله له: "أقول: من العجب أن يقع إمام النظار في علم العقائد على طريقة الفلسفة والكلام في مثل هذا الخطأ في أسئلته وأجوبته، والتناقض في كلامه ومنشأ هذا الخطأ: الغفلة عن مدلول ألفاظ القرآن الكريم في اللغة العربية واستعمالها بلوازم معناها العرفية كلفظ "الإله" فإن معناه في اللغة المعبود مطلقًا لا الخالق ولا المدبر لأمر العالم كله ولا بعضه.." ٢.
وهذا تحقيق دقيق من الشيخ رشيد ﵀ وهو موافق فيه لأهل السنة، ومؤيد فيما ذهب إليه من هذا الإجماع على الربوبية بالبحوث والاكتشافات العلمية التي تؤكد أنه قد وجدت أمم بلا حضارة وبلا أدب وبلا ثقافة ولكنها لم تكتشف أمة بلا معبود ٣.
أثر هذه الصفة على العبد:
لكل اسم من أسماء الله تعالى وصفة من صفاته أثر من العبودية يترتب عليها، فكل اسم من أسمائه الحسنى وصفة من صفاته العليا مقتضية لآثارها من العبودية والأمر اقتضاءها لآثارها من الخلق والتكوين ٤، فما هو حظ العبد من صفة الربوبية يقول الشيخ رشيد: "وأما حظ العبد من وصف الله بالربوبية فهو أن يحمده تعالى عليه ويشكره له باستعمال نعمه التي تتربى بها القوى الجسدية والعقلية فيما خلقت لأجله، فليحسن بتربية نفسه.. وألا يبغي كما بغى فرعون فيدعي أنه رب الناس وكما بغى فراعنة كثيرون ولا يزالون
_________________
(١) ١ هو محمد بن عمر بن الحسين الرازي، فيلسوف متكلم نظار على مذهب الأشعرية. انظر: وفيات الأعيان (٤/٢٤٨) وطبقات الشافعية (٨/٨١ - ٩٦) ط. دار إحياء الكتب العربية، مصر. ت: محمود الطناحي، وعبد الفتاح الحلو. والأعلام (٦/٣١٣) ٢ تفسير المنار (٩/ ١١٢) ٣ انظر: عبد الله دراز: الدين (ص: ١١٣) ٤ انظر: ابن القيم: مفتاح دار السعادة (٢/ ١٠٥)، ط. مكتبة الأوس بالمدينة النبوية، والفوائد (ص: ٨٠) ط. دار الكتاب، بيروت.
[ ٢٦٦ ]
يبغون بجعل أنفسهم شارعين يتحكمون في دين الناس بوضع العبادات التي لم ينزلها الله تعالى، وبقولهم هذا حلال وهذا حرام من عند أنفسهم أو من عند أمثالهم، فيجعلون أنفسهم شركاء لله في ربوبيته. قال الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ ١ وفسر النبي ﷺ اتخاذ أهل الكتاب أحبارهم ورهبانهم أربابًا بمثل هذا" ٢.
_________________
(١) ١ سورة الشورى، الآية (٢١) ٢ تفسير المنار (١/ ٥٢ - ٥٣)
[ ٢٦٧ ]